لم تتبادر إلى ذهني المضامين الثلاثية التي يحملها معهد «حوكمة»، وهو المؤسسة المتخصصة في مجال حوكمة الشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الذي تأسس في فبراير 2006، حتى التقيت سايمون كولهان، الرئيس التنفيذي لمعهد الأوراق المالية والاستثمارات المعروف اختصاراً ب«إس أي آي»، وهو الهيئة المهنية الأكثر مصداقية للعاملين في قطاع الأوراق المالية والاستثمار في المملكة المتحدة والذي كان في زيارة لدبي مؤخراً لتوقيع اتفاقية بين المعهد الذي يتولى رئاسته وبين معهد حوكمة في مركز دبي المالي العالمي. «أعلم أن الكلمة بالعربية لها ثلاثة مضامين وهي «حكومة» و«حُكم» و«حكمة».

هكذا كان تفسير الرجل لاسم المعهد الذي عقد معه الاتفاقية التي تعد الأولى من نوعها في المنطقة والتي بموجبها سيتعاون معهدا «حوكمة» والأوراق المالية والاستثمار على تعزيز النزاهة في أسواق المال من خلال العمل مع قطاع الشركات والدعوة إلى تطبيق إصلاحات الحوكمة الرشيدة في القطاعين الحكومي والخاص. وسيتم التركيز على ترويج ثقافة الثقة وأخلاقيات العمل والشفافية والمساءلة في قطاع الخدمات المالية والمصرفية والعاملين فيه.

وعلى الرغم من أن حديثنا كان منصباً على قضايا اقتصادية شتى تنوعت بين أثر التضخم على الأسواق المالية وقضية العملة الموحدة والطفرة العقارية في دبي وأثرها على الأسواق المالية وما تفرضه من تحديات، وفك الارتباط بالدولار وأثر ارتفاع سعر النفط على اقتصادات المنطقة، إلا أن الشغل الشاغل للرجل كان الربط بين كل هذه القضايا من خلال خيط واحد خيط واحد، وهو التغلب على مشكلات وتحديات النزاهة في العمل.

بدأ سايمون حديثه بالإعراب عن إعجابه الشديد بالخطوات التي تقطعها دبي على مستوى توفير الشفافية والنزاهة في بيئة أعمالها.

«إنها أول اتفاقية من نوعها في المنطقة حيث تم إبرامها بين جهتين تعملان على تكريس الشفافية سواء على مستوى الأفراد، من جانب المعهد، أو على مستوى الشركات من جانب حوكمة. دبي تعلم تماما أن غياب الثقة في الإدارة المالية، يعني غياب الاستثمارات وأنشطة أعمال، وهو الأمر الذي يفسره سعى مركز دبي المالي العالمي الدائم نحو تعضيد مفهوم النزاهة والشفافية في جميع الأنشطة المالية.

وبصرف النظر عن كون الإمارة تعتمد على القطاع الخاص أو على موارد طبيعية مثل إمارات أخرى في المنطقة، فإن بيئة العمل في جميع الأحوال تحتاج إلى تكريس الثقة والنزاهة كعنصرين رئيسيين من عناصر النجاح. وأعتقد أنني لأول مرة أرى أسلوب حوكمة الشركات ينفذ بالشكل الجيد الذي تقوم به دبي حاليا من خلال مركز دبي المالي العالمي».

طفرة تفوق الخيال

بدا سايمون صريحاً وغير مجامل، شأن معظم البريطانيين، في حديثه عن القضايا الاقتصادية التي تفرض نفسها على الساحة لاسيما في دبي وأبرزها قضية الطفرة العقارية وأثرها في سوق الأسهم وإلى أي مدى تلعب معايير المحاسبة دوراً حيوياً في استمراريتها.

«ما يحدث على مستوى السوق العقارية في دبي يتحدى الجاذبية. معدلات النمو هائلة. ولا يمكن توقع ما سيحدث في المستقبل الآن. ما يحدث بالفعل يتحدى الخيال، الأمر الذي يدفع بالكثيرين إلى القول إن ما تشهده دبي يحمل كل مواصفات الفقاعة العقارية. الحديث عن نمو يبلغ 60% سنوياً في هذا القطاع هو أمر غير طبيعي بالطبع.

لا يمكني بالطبع أن أحدد متى ستنفجر هذه الفقاعة، أو ما إذا كانت الطفرة ستتراجع، إلا أن الأمر بالطبع صعب المحافظة عليه بهذا المعدل في السنوات المقبلة. اقتصاديا يجب أن يكون هناك تراجع في المستقبل. فبحسب قانون العرض والطلب، لا يمكن المحافظة على معدل نمو يتراوح بين 60% و70% سنويا. علينا الحكم على سوق العقارات في دبي بعد عامين من الآن لمعرفة ما إذا كانت النهضة العقارية ستستمر أم لا.

الأمر الذي يعنيني في هذا الشأن هو النظر إلى ما يحدث من منظور تخصصنا وهو تأمين الشفافية في العمل بشكل عام من والحماية من المخاطر المتمثلة في الاستثمار في الشركات العقارية وحدها لأنها سريعة التأثر بتقلبات السوق. وبالطبع فإن أي تقلب في أسعار العقارات يؤثر سلباً في سوق الأسهم، لاسيما في حال أن تكون معظم الاستثمارات متركزة في سوق العقارات وحدها أو بشكل رئيسي).

وأضاف في هذا الصدد: «كثير من البنوك تسعى إلى الحصول على أكبر نصيب من السوق على حساب تحقيق الأرباح وذلك من خلال توسيع قاعدة القروض. وهذا فخ شديد الخطورة تقع فيه كثير من المصارف ويؤدي في النهاية إلى تعرضها للإفلاس. يجب التركيز على تحقيق الأرباح في المقام الأول وليس على الحصول على أكبر نسبة من السوق.

كما فعلت الكثير من المصارف الأميركية التي سعت إلى ضخ قروض هائلة في السوق، الأمر الذي في النهاية وضعها في المأزق الحالي الذي لم يؤثر عليها وحدها وإنما على اقتصاد العالم كله. وفي هذا الصدد يجب أن تكون هناك لجان رقابية ومتابعة ومحاسبة لمعايير العمل في المصارف التي قد تقع في فخ محاولة الحصول على أكبر نسبة من السوق على حساب تحقيق الأرباح».

وتابع بالقول:(لدي نوع من التفاؤل الحذر تجاه وضع السوق المالي في دبي، وذلك في ظل توافر السيولة والقدرة على عزل الأسواق عن الأزمات التي تعصف بالعديد من اقتصاديات العالم. وأنا على يقين أن المشرعين هنا يعملون على دراسة الأوضاع في الولايات المتحدة الأميركية لمعرفة أسباب أزمة الائتمان هناك وفي أي مكان آخر يتعرض للأمر نفسه.

المشرعون لا يجب أن ينتظروا حتى يتعرض مصرف ما للإفلاس. يجب أن تكون هناك إجراءات احترازية في هذا الشأن. فتعرض مصرف ما للإفلاس هو أمر بالغ الضرر لأي اقتصاد لأنه يعني اهتزاز ثقة العملاء، وعندما تهتز الثقة فإنه من الصعوبة استعادتها مرة أخرى. هناك إمكانات واعدة كبيرة تتمتع بها السوق على جميع المستويات.

غير أنه يجب أن تكون هناك دراسات مستفيضة لطريقة عمل البنوك وحجم القروض التي يجري تقديمها وعدم الوقوع في فخ توسيع نصيب الشركة من السوق على حساب الأرباح. أنا متأكد من أن المشرعين سيتدخلون في الوقت المناسب قبل أن تتعرض المصارف لأي حالات إفلاس. وبشكل عام فإن المؤشرات تدل على أن دبي ينتظرها مستقبل أفضل في السنوات المقبلة في ضوء الحفاظ على معايير المحاسبة وتأمين الشفافية».

وانتقل الحديث بنا إلى ظاهرة التضخم وأثرها في اقتصاديات المنطقة وكيف يرى الظاهرة من زاوية الالتزام باللوائح والمعايير المهنية. «التضخم مشكلة يجب أن تنال مزيداً من الاهتمام من جانب حكومات المنطقة لأنها تتسبب في عرقلة أي جهود للتنمية الاقتصادية، فضلاً عن أنها تقلص من قيمة مدخرات الأفراد».

الاقتصاديات المتباينة ضد العملة الموحدة

«لست مؤيداً لإنشاء منطقة اليورو بسبب أنها تحتوي على اقتصاديات مختلفة ذات ظروف متباينة وتوحيد العملة أحد الأسباب الرئيسية للتضخم الذي تعاني منه أوروبا وكثير من دول العالم. لا يمكن وضع عملة موحدة لاقتصاديات مختلفة أؤيد تماما اتجاه الحكومة البريطانية بعدم الانضمام إلى منطقة اليورو. فلا يمكن أن تكون هناك سياسة نقدية مركزية واحدة تربط بين اقتصاديات مختلفة كل الاختلاف عن بعضها البعض.

لا أستطيع فهم المنطق وراء هذا الأمر.المصرف المركزي الأوروبي يجد صعوبة كبيرة في التعامل مع جميع هذه الاقتصاديات. وفيما يتعلق بمنطقة الخليج، فإنه يمكن القول إنه في حال أن يكون هناك تباين واضح بين اقتصاديات المنطقة، فإنه سيكون من الصعب تدشين عملة موحدة.

يجب أن يكون هناك قدر من التناغم بين دول المنطقة. فإذا كان هناك تباين في معدلات النمو والطبيعة الاقتصادية، فإن إطلاق عملة موحدة سينطوي على مخاطر اقتصادية. غير أن المرونة التي تتميز بها سوق التجزئة في دبي يجعلها بمنأى عن التأثر بحالة الركود المصحوب بتضخم الذي يجتاح العام، حيث تتميز دبي بقدرتها على امتصاص الصدمات والابتعاد عن التأثيرات السلبية لحالة التراجع الاقتصادي في العالم. لقد تحدثت مع كثير من المسؤولين في دبي ولمست كيف أن الإمارة بمنأى عن هذه الصدمات مثلها مثل السوق الصيني».

وعن أزمة الائتمان العقاري في أميركا وما تسببت فيه من أزمات طاحنة، وتأثر منطقة الشرق الأوسط بها، قال «أزمة الائتمان العقاري تتهدد أميركا وأوروبا. غير أنني بحسب ما أعرفه من مسؤولين ومصادر هنا فإن السوق في دبي لم ولن تتأثر بالأزمة وذلك لسببين. السبب الأول هو توافر السيولة بشكل كبير بسبب ارتفاع أسعار النفط. السبب الثاني هو أن المستثمرين في المنطقة لم يستثمروا بشكل كبير في قطاع العقارات الأميركي بل في سوق مثل دبي. فكلما ابتعدت عن أميركا يقل تأثير أزمة الرهان العقاري».

وانتقل الرجل بشكل تلقائي إلى الحديث عن أثر الزيادة المطردة في أسعار النفط، بالقول: «ارتفاع أسعار النفط يتسبب في تدفق رؤوس الأموال إلى المنطقة وزيادة السيولة، بيد أن هذا التدفق تواكبه زيادات دراماتيكية في أسعار السلع والمنتجات بشكل تسبب في معاناة الشعوب وفي حدوث قلاقل أمنية. أسعار الطاقة تؤثر على جميع القطاعات لاسيما قطاع النقل وغيره.

وهذا الارتفاع الهائل في أسعار السلع والمنتجات الرئيسية يؤثر سلباً في صلابة النسيج الاجتماعي لأي دولة. وقد علمت من مسؤولين كبار في المنطقة ومصادر وثيقة أن بلدان المنطقة بصدد دراسة تثبيت أسعار النفط عند حد معين على المدى البعيد للهروب من العواقب الوخيمة التي يتسبب فيها ارتفاع السعر إلى المعدلات الحالية. هناك تغير في طريقة التفكير تجاه صناعة الطاقة حاليا، فهناك قناعة بأن سعر برميل النفط يجب أن يتراوح بين 70 و80 دولاراً للبرميل على أن يستمر هذا لسنوات عديدة».

وأعرب سايمون عن اعتقاده بأنه من الصعب أن تتخلى دول المنطقة عن ارتباطها بالدولار. «دول المنطقة لها ودائع كثيرة بالدولار ومن ثم ستجد صعوبة في التخلي عن الارتباط بالعملة الأميركية. غير أن هذا لا يمنع وجود قدر كبير من الجدل حالياً حول جدوى الارتباط بالدولار. بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه هو أنه في حال التخلي عن الارتباط بالدولار، ما هو البديل؟ هل هو اليورو في ضوء ما يعانيه من ارتفاع في القيمة، أم عملات أخرى؟».

تثبيت أسعار النفط ضرورة

ارتفاع أسعار النفط يتسبب في تدفق رؤوس الأموال إلى المنطقة وزيادة السيولة، بيد أن هذا التدفق تواكبه زيادات دراماتيكية في أسعار السلع والمنتجات. وهذا الارتفاع الهائل في أسعار السلع والمنتجات الرئيسية يؤثر سلبا في صلابة النسيج الاجتماعي لأي دولة.

وقد علمت من مسؤولين كبار في المنطقة ومصادر وثيقة أن بلدان المنطقة بصدد دراسة تثبيت أسعار النفط عند حد معين على المدى البعيد للهروب من العواقب الوخيمة التي يتسبب فيها ارتفاع السعر إلى المعدلات الحالية. هناك تغير في طريقة التفكير تجاه صناعة الطاقة حاليا، فهناك قناعة بأن سعر برميل النفط يجب أن يتراوح بين 70 و80 دولاراً للبرميل على أن يستمر هذا لسنوات عديدة.

شرط العملة الموحدة

أكد سايمون كولهان رفضه لمنطقة اليورو منطقة اليورو لأنها تحتوي على اقتصاديات مختلفة ذات ظروف متباينة. «إن توحيد العملة أحد الأسباب الرئيسية للتضخم الذي تعاني منه أوروبا وكثير من دول العالم. لا يمكن وضع عملة موحدة لاقتصاديات مختلفة.

لا يمكن أن تكون هناك سياسة نقدية مركزية واحدة تربط بين اقتصاديات مختلفة كل الاختلاف عن بعضها البعض.المصرف المركزي الأوروبي يجد صعوبة كبيرة في التعامل مع جميع هذه الاقتصاديات. وفيما يتعلق بمنطقة الخليج، فإنه يمكن القول إنه في حال وجود تباين واضح بين اقتصاديات المنطقة، فإنه سيكون من الصعب تدشين عملة موحدة.

7

سبعة مبادئ يعتمد عليها معهد الاستثمارات والأوراق المالية هي التعامل بأمانة مع العملاء، والنزاهة في استيفاء المسؤوليات، والالتزام بالقوانين المهنية، والمحافظة على معايير سلامة السوق، والإدارة بفعالية مع تضارب المصالح، والاستمرار في التعلم وتطوير الآخرين، و الاحتفاظ بأرقى المعايير الشخصية في التعامل.

الحوكمة.. حكومة وحُكم وحكمة

شهدت السنوات الأخيرة قيام دبي بقفزات هائلة في مجال الاستثمارات المصرفية تزامنت مع قيام حكومة الإمارة بتوفير بنية تحتية تضاهي ما يتوافر في أكبر عواصم العالم المالية. الأمر الذي اجتذب عدداً كبيراً من كبرى شركات العالم للعمل في دبي مما ساهم في توافر سيولة مالية كبيرة ساعدت على تعضيد سوق التجزئة الذي يميز الإمارة ويجعلها تغرد خارج السرب.

غير أنه على الرغم من النجاحات المتوالية التي تحققها الصناعة، إلا انه كانت هناك حاجة دائمة لوجود هيئة تضع المعايير المهنية التي ينبغي لكل فرد يعمل في مجال الاستثمارات المالية الالتزام بمتطلباتها بصورة واضحة وشفافة.

ومن هنا برزت الحاجة إلى إنشاء معهد حوكمة وهو المؤسسة المتخصصة في مجال حوكمة الشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا والذي تأسس في فبراير 2006، بغية توفير عامل الثقة بين الأطراف الفاعلة في الصناعة وتكريس قيم الشفافية والمساءلة والعدالة والمكاشفة والمسؤولية، وهي المعايير التي من شأن الالتزام بها تحقيق أهداف الإصلاح بشكل فعال في جميع المجالات.

وكان للإمارة السبق في اتخاذ هذه الخطوة الريادية حتى تدرأ عن نفسها الشبهات من ناحية وحتى لا تقع في فخ الأزمات العالمية التي تعصف بالكثير من دول العالم نتيجة غياب عنصر مساءلة الشركات، مثل فضيحة شركة إنرون الأميركية وغيرها من الفضائح التي يعدها الخبراء أحد أسباب التردي الاقتصادي الذي تعانيه الولايات المتحدة في الفترة الراهنة.

في السطور التالي سيجد القارئ مقابلة مع أحد الأطراف الفعالة في مجال المحاسبة المالية في العالم حيث حاولنا من خلال التحدث إليه سبر غور مفهوم الحوكمة ودوره في درء الكثير من الأزمات التي تلم بالمنطقة. وكيف أن الحكومة تعني حكومة وحكم وحكمة.

حاتم حسين

hhussain@albayan.ae