عبر باسكال لامي رئيس منظمة التجارة العالمية عن شعوره بالإحباط والمرارة جراء فشل أحدث جولة من محادثات تحرير التجارة اختتمت بالعاصمة السويسرية جنيف أول من أمس الثلاثاء، وقال انه لو نجحت المفاوضات لتحقق للاقتصاد العالمي وفر قدره 130 مليار دولار سنويا من خلال خفض الرسوم الجمركية.
وسادت أجواء الخيبة صفوف الشركاء الرئيسيين في منظمة التجارة العالمية بعد فشل المفاوضات في التوصل إلى اتفاق حول تحرير المبادلات التجارية.
وقال المفوض الأوروبي لشؤون التجارة بيتر ماندلسون «إنها خطوة إلى الوراء بالنسبة إلى نظام التجارة العالمي، اكبر من خسارة فرص تجارية». وأضاف انه «فشل جماعي لكن عواقبه لن تكون متساوية. وستشعر بها الجهات الأكثر ضعفا في الاقتصاد العالمي بشكل متفاوت». ومن جانبه قال رئيس غرفة التجارة الأميركية توم دونهوي في بيان إن «فشل هذه المفاوضات نبأ سيء للمؤسسات والعمال والمزارعين وخصوصا الفقراء في العالم».
ووصف رئيس الوزراء الياباني ياسوو فوكودا الفشل في التوصل إلى اتفاق بأنه «أمر مؤسف جدا». وبحسب وزير التجارة الاسترالي سيمون كريان أن الفشل «محبط لان التوصل إلى اتفاق كان ممكنا». وأضاف «ملف واحد يتعلق بالسماح للدول النامية بالدخول إلى الأسواق ساهم في عرقلة المفاوضات».
وقال وزير التجارة الصيني شن ديمين في بيان نشر على موقع وزارته الالكتروني «إنني اشعر بخيبة كبيرة». ونسب «الفشل الذريع» للمفاوضات إلى «عجز بلدين في تجاوز خلافاتهما» من دون تسميتهما. وأضاف «لا أريد أن ألقي اللوم على الوزيرين المعنيين. فرضت قيود عليهما بسبب عوامل داخلية معقدة وعميقة».
وأكدت الصين أن المسألة ليست فقط أن واشنطن وبروكسل لا ترغبان في مواجهة اللوبي الزراعي لدى كل منهما وإنما أن الجانبين يفرضان ضغوطا هائلة على الدول الفقيرة لخفض الرسوم الجمركية على الواردات الصناعية وفتح أسواق الخدمات المالية في تلك الدول على مصراعيها أمام البنوك وشركات التأمين الغربية.
وقالت «هذه الأنانية والسلوك الذي يتسم بقصر النظر أدى بشكل مباشر إلى فشل الاجتماع الوزاري لمنظمة التجارة العالمية وهو ما سيكون له عدد من العواقب الوخيمة».
ومضت قائلة إن الفشل في إحياء المحادثات واقتناص اتفاق تجاري سيثير الشكوك في قدرة المجتمع الدولي على التصدي لقضايا أخرى معقدة مثل التغير المناخي وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة في إطار عمل عالمي.
بيد أن الحكومة اليابانية قالت إن الصين جانية أكثر منها مجني عليها. وقال وزير شؤون مجلس الوزراء نوبوتاكا ماتشيمورا «بصراحة لابد لي أن أتساءل عما إذا كانت كل من الصين والهند تقيم بدقة كلماتها وأفعالها في ضوء مسؤوليتها ومدى اهتمامها بالاقتصاد العالمية إجمالا .
حيث إنهما يركزان أكثر من اللازم على مصالحهما الخاصة». وأضاف أن الهند والصين يتمتعان بنفوذ اقتصادي أكبر مما كانا يتمتعان به عند إطلاق جولة محادثات التجارة العالمية في العاصمة القطرية الدوحة عام 2001. وأوضح «أأمل أن تتعامل الصين والهند مع المفاوضات الدولية مثل محادثات منظمة التجارة العالمية على أساس الدور الكبير الذي تضطلعان به الآن في الاقتصاد العالمي».
وقالت إنها أبدت استعدادا لقبول حل وسط بشأن اقتراح يقيد قدرة الدول النامية على حماية قطاعات صناعية بكاملها من انخفاض الرسوم الجمركية وأنها أشارت إلى استعدادها لتحرير بعض قطاعات الخدمات.
ويرى وزير التجارة النيوزلندي فيل غوف أن الولايات المتحدة والهند مسؤولتان عن فشل مفاوضات جنيف. وقال «لم تتم تسوية تضارب في الآراء بين الهند والولايات المتحدة حول آلية الحماية في المجال الزراعي».
ورأت وزارة الاقتصاد المكسيكية في بيان «في الوقت الذي يهدد فيه ارتفاع معدلات التضخم العالم وبلغت فيه أسعار الأغذية مستويات قياسية يحتاج العالم إلى نتائج ايجابية». وهي خيبة عبر عنها وزير التجارة الكندي مايكل فورتي الذي أكد أن منظمة التجارة تشكل «منبرا مهما لكندا»، والبرازيل أيضا التي رأت ان «الاتفاق كان مهما لأنه كان سيفتح الأسواق في جميع الدول».
وقلل وزير التجارة الهندي كمال نات من أهمية هذا الفشل بقوله إن «الثقة التي وضعتها الهند في منظمة التجارة العالمية والنظام التعددي لم تتأثر وإنني واثق من أننا سنتمكن من تجاوز هذه النكسة للتقدم وبلوغ هدفنا». وقالت الممثلة الأميركية للتجارة سوزان شواب ان «الولايات المتحدة ما زالت تدعم نظام المفاوضات المتعددة الأطراف ومنظمة التجارة كمؤسسة». وأضافت «آمل في أن نلتقي مجددا في إطار مفاوضات أكثر طموحا وفي أن نتوصل إلى نتيجة».
وأعربت الحكومة الألمانية في بيان عن أسفها لفشل مفاوضات منظمة التجارة العالمية التي كان من الممكن أن تعطي «للاقتصاد العالمي علامة ايجابية في الوقت المناسب». وقال وزير الدولة لشؤون الاقتصاد برند بفافنباخ في بيان إن «الحكومة الألمانية ستعمل بإصرار لاستئناف المفاوضات».
وحول احتمال استئناف المفاوضات مستقبلا قالت وزيرة الدولة الفرنسية للتجارة آن ماري إدراك «يجب أن نتذكر انه لم يكن هناك توافق» بين دول الاتحاد الأوروبي حول المفاوضات في منظمة التجارة العالمية، «في المراحل المقبلة».
وعبرت المجموعة الإفريقية في اجتماع منظمة التجارة العالمية عن خيبة أملها من فشل المفاوضات ودعت إلى استئنافها بأسرع وقت ممكن.
وقال وزير تجارة ليسوتو بوبان ليبيسا في مؤتمر صحافي للمجموعة الإفريقية لدى منظمة التجارة في جنيف «انه أمر مؤسف ومخيب للآمال ألا تذهب المفاوضات ابعد من حدود مجموعة السبع» أي القوى التجارية الكبرى (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، اليابان، الصين، الهند، البرازيل واستراليا). وأضاف «إن احد عناصر الأزمة الغذائية، أي الدعم، سيستمر في ملاحقتنا» معتبرا «أن دورة مفاوضات الدوحة يجب استئنافها في أول فرصة ممكنة».
فشل المفاوضات يريح الحكومات ويلحق الضرر بمصدري المنتجات الزراعية
فشل مفاوضات جنيف حول تحرير التجارة العالمية أراح بعض الدول والقطاعات، إلا أن البعض الآخر يأسف لعدم التوصل إلى اتفاق كان من شأنه تحريك اقتصاد العالم. وبحسب الخبراء فإن الحكومات كانت ستواجه مسائل عديدة تضاف إلى أعبائها في حال توقيع الاتفاق، في حين يعتبر المزارعون في الدول الفقيرة من أكبر الخاسرين، خصوصاً من منتجي القطن الأفارقة.
الأطراف الرابحة:
- الحكومات: لن يواجه غالبية قادة دول العالم عواقب توقيع اتفاق ينعكس بفتح قطاع الزراعة في الدول الغنية وقطاع الصناعة في الدول النامية أمام المنافسة بشكل متزايد.
- المزارعون الذين يلقون دعما: الاتفاق الذي كان يجرى التفاوض بشأنه ينص على خفض الدعم الداخلي الذي يدفع إلى المزارعين في الدول الغنية بنسبة تتراوح بين 50 و85%.
- الدول التي تعتمد الحمائية في القطاع الزراعي: الدول المتطورة التي تفرض رسوما جمركية عالية جدا على استيراد المنتجات الزراعية لحماية الإنتاج الداخلي مثل اليابان أو سويسرا كان الاتفاق سيحدد لها سقفا معينا في مجال الرسوم. وكان يفترض بدول نامية تعتمد كثيرا على بعض المنتجات الزراعية مثل الهند واندونيسيا أن تحد من رسومها الجمركية.
الاطراف الخاسرة:
- الاقتصاد العالمي: الاتفاق كان لينعكس ضخ 50 مليار دولار سنويا في الاقتصاد العالمي ومئة مليار دولار في غضون عشر سنوات عبر تخفيض الرسوم الجمركية على ما أفاد المدير العام لمنظمة التجارة العالمية باسكال لامي. وهذه المبالغ تشكل جزءاً ضئيلاً من إجمالي الناتج الداخلي العالمي المقدر بأكثر من 50 ألف مليار لكن الاتفاق كان ليشكل إشارة ايجابية في مرحلة الأزمة المالية الحالية.
- مصدرو المنتجات الزراعية: كانت البرازيل وكندا واستراليا والاوروغواي مثلا تنتظر بفارغ الصبر خفض الدعم في الدول الغنية لتصدير منتجاتها الزراعية إلى أسواق الدول المتطورة والدول النامية.
- الصناعة: الدول الصناعية كانت تنتظر بفارغ الصبر أن تخفض الدول الناشئة الرسوم الجمركية للوصول إلى أسواقها. وكان يفترض بالهند والبرازيل أن تخفض متوسط الرسوم الجمركية على المنتجات الصناعية إلى 11 أو 12%. وكانت الصين ستستفيد بشكل كبير من فتح أسواق جديدة لتصدير منتجاتها الصناعية.
- منتجو القطن الأفارقة: تجمعت أربع دول من إفريقيا الغربية (بنين وبوركينا فاسو ومالي وتشاد) للمطالبة بخفض الدعم في الولايات المتحدة إلى منتجي القطن الأميركيين ووقف الدعم على التصدير.
- باسكال لامي: المدير العام لمنظمة التجارة العالمية رهن بكل شيء من خلال دعوته إلى الاجتماع الوزاري مع إدراكه أن فرص النجاح لا تتجاوز 50%. وقد يختار عدم الترشح لولاية جديدة من أربع سنوات بعد انتهاء ولايته في 31 أغسطس 2009.
(الوكالات)
