هناك دورة حياة لكل شيء، ولكل ابتكار نقطة بداية (الولادة) عادة ما تتسم بالحماسة والتفاؤل، ومرحلة الطفولة أو الحضانة التي تتفاقم خلالها التوقعات والتنبؤات بمستقبل هذا الطفل الوليد، وصولا إلى مرحلة الشباب التي تشكل ذروة التفاؤل والإبداع، وقليل من المنتجات أو الابتكارات تصل إلى تلك المرحلة، وجلها لا تعيش سوى أشهر في مرحلة الحضانة ثم يعلن خبر وفاتها الإكلينيكية.
والغريب في عالم التقنية أن ذاكرته قصيرة جدا، فما أن يفشل في الوصول إلى نقطة حتى يباغتنا بإعلان جديد واكتشاف تقنية خارق سيغير مجرى حياتنا، وسرعان ما تتبخر تلك الجعجعات وتخفت الأصوات وكأن شيئا لم يكن.
وهذا ما يحدث اليوم في قطاع الاتصالات اللاسلكية أو النقالة، فمنذ سنوات وشركات التقنية تبشرنا بعالم متصل بلا أسلاك أو حواجز، فولدت الواي فاي والواي ماكس وقد نسمع غدا بالواي إكس، ومن يدري ماذا بعد، لكن الواضح للعيان أن هناك مشاكل خطيرة تواجه هذه التقنيات، وأن الوعود لا تعكس الواقع، وأن الاستثمارات التي تضخ يوميا فيها قد تذهب في الفراغ، أو أنها فعلا قد ذهبت.
في هذا التحقيق حاولنا الاستماع إلى وجهتي نظر متناقضتين، الأولى تبشرنا والثانية تنفرنا، ولكن المعطيات على أرض الواقع تشير إلى وجود خلل كبير، وأن التفاؤل ليس الوقت الصحيح في ظل التعقيدات الفنية والتقنية لمد شبكات الواي ماكس على الأرض.
فالواجب على شركات الاتصالات في الدولة والمنطقة أخذ هذه التحذيرات، وبصرف النظر عن هدف أصحابها غير المعلن، على محمل الجد، والتفكير بالبدائل التقنية الممكنة في حال بقيت المشاكل موجودة، لأن شراء التقنية بدعوى أنها أقل كلفة شيء، والتأكد من جدواها السوقية شيء آخر.
محمد بيضا