يرى دومينيك ستراوس مدير صندوق النقد الدولي أن اقتران التضخم باضطراب الأسواق المالية يمثل «الأزمة الأولى في القرن الحادي والعشرين»، وأن المشكلة بدأت في الولايات المتحدة و«التي كانت أقوى اقتصاد وكانت تتربع على قمة هرم القوة الاقتصادية إلا أن الهرم قد انقلب».

ويعتقد المسؤول الدولي أن الدول ذات الأسواق الناشئة تشهد نمواً طيباً رغم أن التضخم المرتبط بارتفاع أسعار النفط والمواد الغذائية مازال يمثل مشكلة خطيرة. مشدداً على أن التضخم يمثل «مشكلة كبيرة ومسألة حياة أو موت» ترجع إلى واردات النفط والغذاء، في ظل تحذيرات بنك التسويات الدولي في بداية الشهر الجاري من أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو تباطؤ أسوأ من المتوقع، معتبراً أن التساهل في الإقراض بفائدة منخفضة هو السبب في الأزمة المالية العالمية وليس الرهن العقاري عالي المخاطر بالولايات المتحدة.

ويشير البنك إلى أنه رغم أن أسوأ المراحل قد تكون انتهت، إلا أنه لا يزال هناك الكثير من التحديات أمام الاقتصاد ـ ومنها التضخم ـ بسبب الارتفاع القياسي في أسعار الطاقة والسلع، وانخفاض سعر الدولار الذي سيزيد من التضخم، مما سيقلل بدوره من إنفاق المستهلكين.

ويثير الارتفاع المتصاعد لمعدل التضخم العالمي علامات استفهام عريضة فالتضخم يؤدي إلى الارتفاع المتزايد في أسعار السلع والخدمات، سواء كان هذا الارتفاع ناتجاً عن زيادة كمية النقد بشكل يجعله أكبر من حجم السلع المتاحة، أو بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، فضلاً عن الدور المغذي للتوقعات التضخمية، ويعبر التضخم عن ظاهرة نقدية مما يعني أن مسؤولية الحد منها تقع على عاتق البنوك المركزية.

فالعديد من الخبراء الاقتصاديين يرون أن مهمة البنوك المركزية أصبحت أصعب في ظل تحول ظاهرة العولمة من سد يحد من مخاطر التضخم إلى رافعة تدفع بالتضخم نحو الارتفاع، في حين دفعت أزمة الرهن العقاري الأميركي أو ما بات يعرف بأزمة الائتمان العالمي البنوك المركزية الكبرى إلى ضخ ما يقارب نصف تريليون دولار على شكل نقود تم ضخها في الأسواق لتهدئة مخاوف المستثمرين، ومواجهة تداعيات تلك الأزمة،

والتي أدت إلى تدهور قيمة أسهم العديد من شركات الإقراض العقاري الكبرى وإلى توجه العديد من البنوك الأوروبية لتجميد صناديقها العاملة في المجال العقاري في الولايات المتحدة، حيث طالت الأزمة بنوك فرنسية وألمانية وبريطانية، وانعكس ذلك سلباً على أرباح البنوك التي قلت قدرتها على تمويل صفقات الاندماج الكبرى التي كانت قد أنعشت الأسواق. كما أضعفت قدرة البنوك على تمويل الشركات والأفراد، وهو ما قلل الإنفاق الاستثماري والاستهلاكي وهدد بحدوث كساد.

ويرى العديد من الخبراء الاقتصاديين أن المنطقة العربية لم تتأثر بهذه الأزمة لأنه لا توجد بنوك عربية لها علاقات مع بنوك أميركية في هذا الصدد، إلا أن هؤلاء لم يستبعدوا وجود مستثمرين عرب في محافظ استثمارية تعرضوا للأزمة وربما الإفلاس. ويخشى الخبراء من إمكانية حدوث انكماش فعلي في سوق الإقراض نتيجة هذه الأزمة لفترة غير محددة بعد قيام البنوك العالمية بإعادة تقويم مراكز المخاطر لديها، وهو ما قد يؤدي بالتبعية إلى حدوث تباطؤ بالنمو الاقتصادي العالمي.

وقد دفعت الأزمة مصارف أميركية رئيسية لإجراء مباحثات للحصول على استثمارات خارجية من حكومات أجنبية، فالمجموعة المصرفية سيتي غروب قد تحصل على 10 مليارات دولار، وميريل لينش على أربعة مليارات دولار، معظمها من صناديق استثمار حكومية من منطقة الشرق الأوسط. فيما وافقت بنوك أخرى ومنها بنك يو. بي. اس على استثمارات من صندوق سنغافوري حكومي بقيمة 75. 9 مليارات دولار، كما وافق بنك مورغان ستانلي على استثمارات صينية بقيمة خمسة مليارات دولار بعد خسائر وصلت إلى 4. 9 مليارات دولار. في حين تتفاوت التقديرات بالنسبة لخسائر قطاع الخدمات المالية في العالم، إذ يصل بعضها إلى 60 مليار دولار.

وفي ظل تصاعد القلق الأميركي والعالمي تجاه أزمة الائتمان العالمي وتبعاتها حيث يعتقد بعض الخبراء الاقتصاديين أنها قطرة لغيث عارم مقبل (وما خفي كان أعظم) تبقى الأعين موجهة نحو الخطة المالية التي أعدتها الإدارة الأميركية لتحفيز الاقتصاد الذي عصفت به أزمة الرهن العقاري، ويتوقع محللون أن تدفعه إلى فترة من الكساد إن لم يكن بالفعل على عتباتها.

وتوجد الخطة حالياً أمام الكونغرس، بعد أن وافق عليها الزعماء الديمقراطيون والجمهوريون في مجلس النواب، في خطوة قلما تحدث حالياً بالنظر إلى المنافسة بين مشرعي الحزبين في ظل اجتماع مؤشرات عدة تدل على تباطؤ نمو الاقتصاد الأميركي، منها زيادة عدد العاطلين إلى أعلى مستوى في عامين، وانخفاض مبيعات التجزئة، وهبوط نشاط المصانع. وقد تزامن ذلك مع انخفاض كبير في سوق العقارات لينهي فترة من النمو في هذا القطاع استمرت ست سنوات.

ويأمل المشرعون بأن يتم تنفيذ خطة الدعم الاقتصادي هذا العام، وتتضمن 100 إلى 125 مليار دولار بما فيها تخفيضات ضريبية تتراوح ما بين 250 و600 دولار للفرد، لإنعاش إنفاق المستهلكين، وهو أحد الركائز المهمة للاقتصاد الأميركي، ودعم ضمان البطالة وزيادة مساعدات الطعام للمحتاجين. وقال جمهوريون إن الخطة قد تتضمن تخفيضات ضريبية للشركات على المشروعات الاستثمارية الجديدة. وتهدف الخطة إلى ضخ الأموال في قنوات تستطيع إحياء الاقتصاد في أسرع وقت ممكن مع الأخذ بالاعتبار ضخامة الاقتصاد الأميركي.

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن نوري روبيني، وهو اقتصادي في كلية الأعمال التابعة لجامعة نيويورك، قوله: «إن خفض الضرائب يؤدي بالفعل إلى تشجيع الإنفاق، لكن الحكومة لا تستطيع خفض المبالغ الكبيرة التي أتصورها، وهي ثلاثمئة إلى أربعمئة مليار دولار، والتي تستطيع بالفعل ضمان تحويل وجهة الاقتصاد إلى الانتعاش»

دبي ـ كفاية أولير