أكد خبير استثماري واقتصادي بارز أن ارتفاع معدلات التضخم باتت من أبرز التحديات التي تواجه الانشطة الاقتصادية وخطط التنمية المتسارعة الطموحة بالدولة داعياً إلى وضع آلية محددة واضحة لعلاج مشكلة التضخم التي وصفها بأنها أصبحت «كابوساً يؤرق الجميع.. سواء الجهات الحكومية.. أو القطاع الخاص.. او الافراد المقيمين بدولة الإمارات ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بوجه عام.
وقال الدكتور كريم الصلح الرئيس التنفيذي لشركة «جلف كابيتال» في حوار مع (البيان الاقتصادي) أنه رغم المؤشرات الاقتصادية الممتازة خلال العام الماضي والفترة المنقضية من العام الحالي واهمها تحقيق معدلات نمو قياسية بالناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات نتيجة تسارع نمو قطاع النفط والغاز والقطاعات غير النفطية على حد سواء الا ان هذا النمو صاحبه ارتفاع معدلات التضخم إلى أكثر 10 في المئة نتيجة النشاط الاقتصادي والعمراني الكبير بشكل رئيسي إضافة إلى انخفاض قيمة العملة المحلية المثبتة بالدولار الأميركي بالنسبة للعملات الرئيسية الأخرى.
ويرى الدكتور كريم الصلح ان تخفيض سعر الفائدة على إعادة شراء شهادات الايداع وبالتالي على الدرهم بنسبة إجمالية بلغت 25,3% على سبع مرات متتالية خلال حوالي سبعة اشهر من 25,5% إلى 2% فقط بالنسبة للودائع قصيرة الاجل يشكل ضغطا جديدا على الدرهم نظرا لانه خفض لا يتماشى مع الأوضاع الاقتصادية بالإمارات التي تشهد انتعاشا كبيرا وزخما كبيرا وبالتالي فان هذا الخفض من شانه ان يرفع معدلات التضخم.
ويقول: «لاشك ان ارتباط العملات الخليجية ومن بينها الدرهم الإماراتى تجعل دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مضطرة للاقتداء بالخفض الأميركى على أسعار الفائدة على عملاتها..ومع انخفاض أسعار الفائدة أصبحت تكلفة الاقتراض منخفضة مما شجع الشركات على الحصول على سيولة كبيرة لاستثماراتها.. وبالتالي ارتفع الطلب على الخدمات والإيجارات ومواد البناء والمواد الخام بشكل عام وارتفع مستوى التضخم واذا استمر المنحنى التنازلي لأسعار الفائدة سيزداد المنحنى التصاعدي للتضخم مما سيؤدي إلى اثار سلبية عديدة..»
ويضيف الدكتور الصلح: «من غير المنطقي ان يكون النمو الاقتصادي بالدولة يقترب من 10% ونقوم باتباع نفس السياسات النقدية التي تتبع في الولايات المتحدة الأميركية التي تعانى من مشكلات اقتصادية وتباطؤ مشيرا إلى ان خفض الفائدة قد يكون مفيدا للاقتصاد الأميركي في وضعه الراهن لكنه ضار للاقتصاد الإماراتي لاختلاف الأوضاع حاليا.. ورغم ذلك ففي ظل ارتباط الدرهم وتثبيته أمام الدولار ليس أمام المصرف المركزي خيار اخر سوى الاقتداء بنفس سعر الفائدة حتى لا تحدث مضاربات على الدرهم». ويخلص إلى انه «لا يجب تسيير اقتصادنا وفقا لاقتصاديات الغير خصوصا إذا تفاوتت المؤشرات».
واكد ان الإمارات تستعد لانطلاقة كبرى جديدة ستحدث طفرة غير مسبوقة في كافة القطاعات الاقتصادية موضحا أن الاقتصاد الوطني دخل مرحلة انتعاش جديدة يتوقع أن تستمر لسنوات عديدة قادمة نظرا لان معدلات السيولة في الدولة مرتفعة وهناك تخطيط عام جيد لتنشيط مختلف القطاعات الاقتصادية بشكل متوازن وعلى أسس مدروسة.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة «جلف كابيتال» ان هذا الانتعاش والنمو يأتي مدفوعا بعوامل اقتصادية عديدة أبرزها ارتفاع أسعار النفط وإطلاق مجموعة كبيرة من المشاريع الجديدة في مختلف القطاعات الاقتصادية تشمل إمارات الدولة كافة مما أشاع حالة من التفاؤل بشأن مستقبل الوضع الاقتصادي العام خلال المرحلة المقبلة حيث تشهد الدولة حالة من الازدهار والتحسن الحاصل في أداء ونشاط القطاعات الاقتصادية النفطية وغير النفطية ولاسيما قطاعات السياحة والعقارات والتشييد والصناعة والتسهيلات المقدمة في مجالات المال والأعمال وتواصل حركة الاستثمار المكثف في تطوير البنية التحتية.
وأضاف أن دولة الإمارات وضعت خلال الفترة الأخيرة استراتيجية وطنية لتنويع مصادر الدخل وبالتالي انتهجت سياسة اقتصادية قائمة على التعاون وتبادل المصالح المشتركة وتحسين البيئة الاقتصادية والتجارية والمالية والاستثمارية ومواصلة عملية التنويع في البيئة الإنتاجية وتوقيع اتفاقيات للتعاون الاقتصادي مع عدة دول عربية وغربية وزيادة الاهتمام بتطوير مكانة الدولة كموطن للعلوم والتكنولوجيا العالمية.
وأكد ان الإمارات نجحت بدرجة كبيرة في استقطاب استثمارات أجنبية ضخمة الأمر الذي يعكس سلامة السياسات والتوجهات والإجراءات الاقتصادية التي تتبناها الدولة وايضا التطور الاقتصادي الايجابي المتواصل. وقال الدكتور كريم الصلح ان القطاع العقاري والسياحي في الإمارات قطاع واعد جدا وينمو بنسب مرتفعة ومتسارعة وتوقع ان يشهد هذا القطاع طفرة كبيرة خلال السنوات العشر المقبلة في الدولة بصفة عامة في ظل الاهتمام الكبير الملحوظ بالقطاع السياحي على كافة الأصعدة والمستويات مشيرا إلى ان القطاع العقاري بمثابة القاطرة التي تقود الاقتصاد الوطني إلى مزيد من الانتعاش في المرحلة المقبلة فقد أسست الشركة قسما خاصا للاستثمار العقاري يضم خبراء متخصصين في هذا المجال.
واكد ان القطاع الخاص يلعب دورا أساسيا في النهضة الاقتصادية في الدولة ودول مجلس التعاون بشكل عام حيث تشير التقديرات إلى ان حجم المشروعات الجديدة المتوقع تنفيذها في دول المجلس خلال السنوات الخمس المقبلة تقدر قيمته بنحو 4,2 تريليون دولار مشيرا إلى ان الحكومات لن تقوم بمفردها باستثمار هذه المبالغ الضخمة لذلك فان القطاع العام مدعو إلى زيادة استثماراته خصوصا في المشاريع الاستراتيجية والسعي باستمرار لبناء شراكات عمل بناءة مع شركاء استراتيجيين في المنطقة والعالم.
ويشير إلى ان الدولة انتهجت منذ البداية سياسة الاقتصاد الحر الذي يعطي القطاع الخاص دوره وحريته الكاملة في ممارسة الأنشطة الاقتصادية بشقيها الإنتاجي والخدمي واتخذت الدولة دور الإشراف على الحياة الاقتصادية بسنها التشريعات اللازمة التي تجعل الأفراد والمؤسسات يمارسون عملهم بحرية تامة.
وأوضح انه من ابرز السياسات والتوجهات التي تبنتها الدولة لتشجيع ودعم القطاع الخاص تشجيع رأس المال الخاص على الاستثمار في مختلف القطاعات الاقتصادية مقابل إعفائه من الضريبة على الدخل والأرباح إضافة إلى حرية التحويل دون قيد أو شرط وإعفاء السلع والمكائن والآلات الداخلة في عمليات الإنتاج والسلع الوسيطة والسلع الغذائية مهما كان نوعها من الرسوم الجمركية واستكمال البنية التحتية وفق أرقى المستويات والمواصفات العالمية وأعلى مستويات التقنية الحديثة بما فيها الطرق البرية والموانئ البحرية والمطارات والشحن الجوي وكذلك الاتصالات بشبكتها العالمية المتطورة وتحفيز الاستثمار في إقامة مناطق حرة التي تستطيع المشاريع التواجد فيها مستفيدة من كافة المستلزمات الخدمية والنظم والإجراءات الميسرة المتاحة.
ويعرب عن اعتقاده بأن القطاع الصناعي يحتل أهمية متزايدة في الهيكل الاقتصادي لدولة الإمارات حيث يساهم بما لا يقل عن 15% من الناتج المحلي الإجمالي ليأتي في المرتبة الثانية بعد القطاع النفطي وتشكل مساهمة الصناعات الكبيرة كالألمونيوم ومنتجات النفط والأسمدة الكيماوية الجزء الأكبر من القيمة المضافة لقطاع الصناعة على مستوى الدولة عموما مما يظهر أهميتها للقطاع الصناعي بشكل خاص والاقتصاد الوطني بشكل عام.
ويضيف «على الرغم من الأهمية البالغة للصناعات الكبيرة الا أن ذلك لا يقلل من أهمية الصناعات الصغيرة والمتوسطة والتي تقوم بتزويد السوق المحلية بالكثير من احتياجاتها الأساسية وبالأخص مواد البناء والتشييد والمواد الغذائية.. ومن الملاحظ ان الجهات المختصة أصبح لديها رؤية متكاملة للتنمية الاقتصادية تتضمن الدور المطلوب من قطاع الصناعة القيام به خلال السنوات من ناحية المجالات الصناعية المناسبة للدولة واعداد الكوادر البشرية المطلوبة والتركيز على التعليم الفني لاستبدأل العمالة الوافدة بعمالة مواطنة تدريجياً واعداد التشريعات المطلوبة».
ويقول «منذ انضمام الإمارات إلى منظمة التجارة العالمية تسعى الدولة إلى إعادة هيكلة بعض القطاعات الاقتصادية لتستجيب للتغيرات الجارية في العلاقات الاقتصادية والتجارية في العالم وضمن عملية إعادة الهيكلة لابد من التركيز على اقامة المزيد من الصناعات التي تملك فيها الدولة أفضليات إنتاجية لزيادة الصادرات الصناعية وفتح أسواق جديدة حول العالم حيث تتطلب إعادة الهيكلة بذل جهود كبيرة لتكثيف رؤوس الأموال الصناعية في القطاعين العام والخاص ووضع برنامج زمني لإعادة النظر في القطاعات الصناعية التي لا تتوفر لها أفضليات إنتاجية ولا تتمتع بقدرات تنافسية في الأسواق المحلية والخارجية».
وتوقع الدكتور كريم الصلح ان تدخل أسواق الأسهم المحلية مرحلة استقرار وتوازن خلال الفترة المقبلة بعد ان بدأت الأسواق المحلية تمر بمرحلة تطهير ذاتية للتخلص من عوامل التذبذب وبدأا المستثمرون الساعون للمكاسب السريعة حتى لو كانت ضئيلة في الخروج تدريجيا من الأسواق مشيرا إلى ان هذا التوجه من شأنه ان يعيد الاستقرار إلى أسواق الأسهم المحلية وان المسألة تحتاج بعض الوقت.
ويضيف: «رغم الحركات التصحيحية الكبيرة التي حدثت في أسواق الأسهم المحلية خلال العام الماضي الا أننا نتوقع يدخل السوق مرحلة استقرار وتوازن خلال العام الحالي..وما يحدث في أسواق الأسهم المحلية من ان لآخر أمر يحدث في معظم الأسواق العالمية خصوصا بعد ان حقق قطاع الأسهم المحلية انتعاشا كبيرا لفترة طويلة شهدت اتجاها تصاعديا مستمرا
وساهم انتعاش قطاع الأسهم بشكل رئيسي في عملية النمو والتطور الاقتصادي في الدولة من خلال مساهمته الأساسية في تدبير زيادات العديد من الشركات العاملة في قطاعات اقتصادية متنوعة لأغراض توسعها الإنتاجي والخدمي وأيضا تأمين رساميل لشركات اقتصادية حديثة النشأة وكذلك توفير الموارد المالية المناسبة للشركات المطروحة للخصخصة من أجل إعادة هيكلتها اقتصاديا لتتماشى مع التوجهات الاستراتيجية للدولة.
وحول تقييمه لنشاط «جلف كابيتال» في العام الماضي والفترة المنقضية من العام الحالي يقول الدكتور كريم الصلح إن الشركة نجحت في تنفيذ إستراتيجيتها الاستثمارية التي تقوم على توليد عائدات مالية مميزة من خلال بناء شركات إقليمية أقوى وأكثر ربحية في المنطقة حيث تأسست في أبوظبي عام 2006 كشركة مساهمة خاصة برأسمال أساسي قدره 225. 1 مليار درهم ساهم فيه حوالي 250 من المؤسسات الاستثمارية ومجموعة من المستثمرين الأفراد في دول مجلس التعاون.
ويوضح إن جلف كابيتال تركز على شراء حصص مهيمنة وإستراتيجية في الشركات ذات الربحية العالية والنمو السريع العاملة ضمن عدد من القطاعات المزدهرة المختارة في منطقة الخليج وتشمل مجموعة استثمارات الشركة شركات مثل ميتيتو وشركة الخدمات البحرية الصناعية والخليج للخدمات البحرية وديبا المتحدة مشيرا إلى أن جلف كابيتال طرحت أول شركة قامت بتطويرها وهي شركة أم آي إس للنفط والغاز ومقرها الشارقة وقامت بإدراجها في سوق أسلو النرويجية.
وتوقع أن يتم إدراج شركة ديبا المتحدة الإماراتية خلال أسابيع في لندن وان يتم طرح شركة ميتيتو الإماراتية التي تعد من كبريات الشركات في العالم في مجال تحلية المياه كشركة مساهمة عامة في سوق أبوظبي للأوراق المالية أو أسواق عالمية أخرى خلال عام 2010.
تركيز
قال الدكتور كريم الصلح الرئيس التنفيذي لشركة «جلف كابيتال» ان الشركة تركز على الاستثمار في شركات قائمة وليس اطلاق شركات جديدة حيث تتميز الشركات التي تساهم فيها «جلف كابيتال» حاليا بالعراقة ويتراوح عمر كل منها بين 30 سنة و50 سنة مما يعطي فرصا كبيرة لنجاح هذه الشركات بعد تطويرها وإعادة هيكلتها.
حوار ـ عبد الفتاح منتصر

