تتميز كعكة الذهب في دبي بأنها من الكبر بمكان بحيث تكفي جميع مصافي التكرير الموجودة.. تجسد هذه العبارة التي وردت على لسان كوري كيلر مدير عام مصفاة الغرير - جيجا في حديثه الخاص مع (البيان الاقتصادي) النجاح الذي سجلته دبي بإضافة لقب «مركز تصنيع الذهب» إلى الألقاب الأخرى التي اشتهرت بها والمستوحاة من مكانتها كمدينة للذهب في العالم ، حيث قطعت دبي في هذا المجال شوطا كبيرا، من خلال تطويرها للبنى التحتية ، وإنشاء مصاف جديدة ومعامل ومختبرات، وتقديم حزمة من التسهيلات والحوافز، وساهمت هذه العوامل مجتمعة في تعزيز الصناعة المحلية للذهب بشكل خاص والمجوهرات بشكل عام.

ويقر كوري كيلر بأن هناك عوامل كثيرة ساهمت في توطيد مكانة دبي كمركز لتصنيع الذهب، إلى جانب شهرتها العريضة كمركز لتجارة المعدن الأصفر، ويأتي كيلر على ذكر هذه العوامل بقوله: هناك عدة عوامل، يبرز منها أولا: توافر السيولة في الشرق الأوسط والتي من شأنها أن تسهم في تعزيز ازدهار أسواق السلع. ثانيا: نجاح مركز دبي للسلع المتعددة في خلق بيئة تداول تتميز بالشفافية والأمان من خلال اللوائح التنظيمية وأنظمة الشهادات، وبرامج ترويج السلع الرئيسية. ثالثا: بلوغ سوق الذهب في دبي مرحلة متقدمة من النضج، بما يضعه في مصاف أسواق عتيدة مثل لندن وزيورخ.

رابعا: توافر إمكانية النفاذ إلى الخدمات المصرفية الدولية، في ظل تأسيس كبار المصارف العالمية مكاتب تمثيلية لها في دبي، وهو الأمر الذي أتاح إمكانية النفاذ إلى هياكل تمويلية بالغة الحداثة، فعلى سبيل ترتبط بنوك على غرار «بنك دبي الوطني» و«اتش.اس.بي.سي» و«استاندارد تشارترد» بعلاقات وثيقة مع سوق السبائك الذهبية الدولي.

أخيرا، ومع صعود تكلفة الشحن والتأمين بشكل ضخم، أصبح نفاذ مصافي تكرير الذهب إلى الأسواق سواء في أوروبا أو جنوب أفريقيا أو أميركا الشمالية مسألة تتزايد كلفتها بشكل يومي، في حين، تقدم دبي المشترين الراغبين في الشراء، والبيئة المستقرة، والسوق البالغ الحداثة، والنفاذ إلى البنوك الدولية، ونحن ننظر إلى دبي بأننا الأكثر قربا إليها من الآخرين، ويعود إلى كل شخص قرار الاستفادة من كل هذه المعطيات.

وبينت دراسة أجرتها شركة «آي.سي نيلسون» بالنيابة عن كل من مجموعة دبي للذهب والمجوهرات ومركز دبي للسلع المتعددة ومجلس الذهب العالمي، أن المجوهرات المصنعة محليا ساهمت بحصة نسبتها 42 % من إجمالي مبيعات تجار التجزئة، والمجوهرات المستوردة 85 %.و

تراجعت حصة المجوهرات المصنعة محليا بالنسبة لتجار الجملة إلى 27 % من إجمالي المبيعات، وزادت حصة المجوهرات المستوردة إلى 73%.

وتتضمن قائمة شركات تكرير الذهب العالمية المعتمدة والحاصلة على شهادة معايير دبي لتسليم الذهب كلاً من «إيه جي.آر ماثي» الأسترالية، وجونسون ماثي هونغ كونغ المحدودة، و«بي.تي أنتام» من إندونيسيا، وراند ريفايناري المحدودة، بالإضافة إلى 4 شركات سويسرية هي: أرجور-هيراوس وبامب وفالكامبي وميتالور.

ويتطلب الحصول على الترخيص من مركز دبي للسلع المتعددة، تطبيق مصافي الذهب مقاييس صارمة من حيث المقدرة المالية والائتمان والكفاءة العملية وإجراءات رفيعة المستوى في مختلف مراحل الإنتاج ، إلى جانب استيفاء المعايير المؤهلة التي صممت لتضمن مستويات مقبولة ومعترف بها دوليا بالنسبة للوزن ودرجة النقاء والمظهر العام والعلامات المميزة لسبيكة الذهب.

وتنبع أهمية هذا المعيار من أنه يعزز تجارة وتوزيع السبائك الصغيرة ويدعم السمعة الجيدة التي تمتلكها مصافي الذهب المعتمدة، ويسهم هذا النظام، من خلال تعزيز الثقة بجودة سبائك الذهب في الأسواق المحلية والإقليمية، في تشجيع ظهور نشاطات مالية جديدة، وباعتبار أن السبائك المعتمدة تلبي جميع متطلبات بورصة دبي للذهب والسلع، فإن ذلك من شأنه أن يسهل على المشاركين عمليات التداول .

برنامج التوسع الرأسمالي

وقاد كبر حجم كعكة ذهب دبي إلى بروز سوق يتميز بالتنافسية العالية الأمر الذي أجج المنافسة بين مصافي الذهب لزيادة شريحتها من هذا السوق، وحفز بعضها على غرار مصفاة الغرير ـ جيجا إلى استراتيجية أعمال تنهض على ركائز متعددة، من بينها إطلاق برنامج للتوسع الرأسمالي الذي يهدف إلى زيادة الطاقة الإنتاجية بأدنى تكلفة ممكنة من ناحية التشغيل والتوظيف، وإتباع استراتيجية تسويق عالمية تتسم بالجرأة، فضلا عن إرساء آلية تمكنها من مواجهة التحدي الرئيسي الذي يعترض مصافي الذهب والمتمثل في بروز فجوة خلال أوقات ارتفاع وانخفاض أسعار الذهب.

يتحدث كوري كيلر عن التحدي الناجم عن تقلبات أسعار الذهب بين الانخفاض والارتفاع بقوله: تؤثر أسعار المعدن الأصفر بشكل ضخم على مصافي تكرير الذهب، خاصة في ظل سوق يتسم بضخامة حجم إمدادات خردة الذهب على غرار سوق دبي، وذلك بالمقارنة مع الأسواق الأخرى التي تتميز بوجود توازن بين إمدادات ذهب الخردة وتلك المستخرجة من المناجم، وبالتالي، تتغير مراكز الأشخاص من مشترين إلى بائعين للذهب،عندما تكون أسعار الذهب مرتفعة، وهو ما يعني بلوغ الطاقة الإنتاجية لمصافي تكرير الذهب إلى أقصى مستوياتها، ولكن من الصعب إعادة إنتاج هذه المصافي إلى السوق من دون إجراء تخفيضات كبيرة في الأسعار.

بيد أن الجميع يحجم عن تزويد السوق بإمدادات ذهب الخردة، في حالة ما إذا كانت أسعار الذهب منخفضة، في الوقت الذي يكون فيه السوق في أمس الحاجة لإنتاجنا من السبائك الذهبية، وهو ما يجعل هناك إمكانية لبيع إنتاجنا بأسعار أفضل، ولكن من المتعين توافر مخزون لمصافي تكرير الذهب على نحو يتيح لها إمكانية شراء وإعادة بيع الذهب، ونحن نمتلك علاقة شراكة استراتيجية مع تاجر سبائك ذهبية دولي وهو اسكوتيا ماكوتا (بنك دبي الوطني).

تتيح لنا هذه الشراكة الاستراتيجية إمكانية ملء مثل هذه الفجوة، وتحقيق النجاح في السوق في كافة الأوقات، ويعد هذا الوضع بمثابة ميزة بالنسبة لنا، وكذلك بالنسبة لعملائنا الذين يستفيدون من التخفيضات الصغيرة في أوقات الازدهار ، ومن العلاوات الكبيرة في أوقات العجاف.

وقد استطاعت دبي أن تعزز سمعتها كمدينة للذهب على المستوى العالمي، وباتت المكان الأمثل لمتسوقي الذهب والمجوهرات إقليميا وعالميا،وارتقت أهمية هذا القطاع ليشكل أحد الروافد المهمة لاقتصاد الإمارة، وذلك بفضل الدعم الحكومي الذي تمثل في إرساء البنية التحتية للقطاع وتحديث الأسواق القائمة وإقامة مراكز وأسواق جديدة والتي تعتبر نتاج مشاركتها الجادة مع شركات القطاع الخاص العاملة في قطاع المجوهرات.

تعزيز التنافسية

ويواصل حديثه عن معالم استراتيجية مصفاة الغرير جيجا الرامية إلى تعزيز تنافسيتها في مواجهة مصافي التكرير الأخرى بقوله:ترتبط مجموعتي الأعمال الغرير وجيجا بروابط أعمال مربحة وطويلة الأجل في العديد من المشروعات، وتتمتع كلا المجموعتين بمكانة محترمة وموثوقة في المنطقة.

وقد تأسست العلامة التجارية لمصفاتنا استنادا إلى سجل انخراط المجموعتين في العديد من المشروعات المشتركة الناجحة، ولقد تمكنا من بناء تحالفات مع بنوك السبائك المحلية، ونتبنى استراتيجية تسويقية تتميز بالجرأة على الصعيد الدولي، ونحن نباشر إدارة أعمالنا بناء على ثلاثة مبادئ وهي «التكامل» و«الثقة» و«الدقة»، وفي تقديري أن المنافسة توفر خدمة ممتازة للعملاء، ونحن نفعل ما في وسعنا لضمان تقديم مثل هذه الخدمة في مصفاة «الغرير - جيجا».

وتنتج مصفاة »الغرير جيجا« الحائزة على شهادة الجودة »آيزو» )1009- 0002( و(آيزو 14001) الذهب النقي الذي يستخدم في تصنيع سبائك من طراز «10 تولات 999» و«100 غرام 999» و«1 كيلوغرام 999».

ويقفز هدف زيادة الطاقة الإنتاجية في قلب استراتيجية مصفاة الغرير - جيجا الرامية إلى تعزيز تفوقها التنافسي، وهو ما يسلط كوري كيلر الضوء عليه بقوله: ستسهم خطة التحديث الرأسمالي التي من المقرر تنفيذها بالكامل في الربع الأخير من العام الجاري في زيادة قدرتنا الإنتاجية، وذلك بحد أدنى من زيادات العمالة والمواد الهالكة، ونحن ندرك الإمكانيات التي تتيحها دبي.

وقد استثمرنا لإنجاز مثل هذه الرؤية، وذلك على نحو يساعدنا في الحفاظ على التكاليف وزيادة إنتاجنا في الوقت ذاته ،وتحولنا نحو استخدام تقنية «التكرير الكهربائي» ، وهو الأمر الذي من شأنه أن يحقق فوائد كبيرة من جراء خفض تكلفة إنتاج الأونصة الواحدة من الذهب، فضلا عن تحسين قواعد وظروف التشغيل.

كما يسهم برنامج التوسع الرأسمالي في تقليل كمية المياه المستخدمة، وتحسين سجل أدائنا القوي في مجال التوافق مع المعايير البيئية، ويجري في الوقت الحالي توظيف نحو 70 عاملاً يعملون في 3 فترات عمل مدة كل منها 10 ساعات، وذلك على مدار 5 أيام في الأسبوع، ومن ثم لم يترتب على زيادة حجم الإنتاج أية أعباء أضافية على العاملين، كما لم تؤد إلى زيادة كبيرة في عدد العاملين.

آفاق المستقبل

وبناء على هذه الاستراتيجية المتعددة المحاور في مباشرة الأعمال، ينظر كوري كيلر إلى أفاق المستقبل بنظرة مليئة بالتفاؤل، وهو ما يتحدث عنه بقوله: نحن متفائلون للغاية بشأن النمو، ونتوقع تسجيل إنتاجنا معدل نمو من رقمين، ورغم تواضع عائداتنا من عمليات تكرير الذهب التي تشكل جوهر أعمالنا، إلا أن أفق مصفاة الغرير - جيجا خلال السنوات الثلاث المقبلة يبدوا مشرقا للغاية.

وذلك نتيجة لقيامنا بتنويع مدخلات الإنتاج، ومراعاة إضافة قيمة على منتجاتنا النهائية شبه المصنعة، وتزويد عملائنا بمنتجات ذات قيمة.

وبالفعل، قطفت مصفاة الغرير - جيجا بعض الثمار الآنية لمثل هذه الاستراتيجية، حيث نجحت في الحصول على شهادة (معايير دبي لتسليم الذهب) خلال الشهر الجاري، فضلا عن إنجازها متوسط إنتاج عن كل ربع من عام 2008 بلغ نحو 10 أطنان مترية، ووصل إنتاجها في الربع الأول نحو 13 طناً مترياً، ومن المتوقع الحفاظ على هذا المعدل من الإنتاج خلال عام 2008 بأكمله، كما أنه من المتوقع ان يتضاعف هذا المعدل مرتين في عام 2009 نتيجة لزيادة الطلب على خدماتها.

2008

جلب برنامج التطوير الرأسمالي معدات أكبر ساهمت في خفض التكلفة وزيادة الكفاءة، ومع المضي قدما في تنفيذ هذا البرنامج، ستصبح قيد التشغيل خلال الربع الثالث من عام 2008 أفران ومفاعلات أكبر من شأنها أن تسهم في مضاعفة الطاقة الإنتاجية خلال العام المقبل

البناء على سجل العلامة التجارية

علي الرغم من امتلاك مصفاة الغرير ـ جيجا علامة تجارية تحظى بالتقدير والاحترام في أوساط الأعمال، إلا أنها تعمل على البناء على هذه العلامة بما يعزز مكانتها في السوق، وذلك من خلال إستراتيجية تنويع سلتها من خامات التغذية والمنتجات، وهو ما يأتي كوري كيلر على ذكره بقوله : تمثل أعمال تكرير الذهب في السوق المحلي مكونا مهما في أجندة أعمالنا، ولكننا بصدد التحرك الآن لتزويد السوق بالمنتجات شبه المصنعة.

فضلا عن المنتجات ذات القيمة المضافة، بيد أن النمو الحقيقي لأعمالنا سيكون في الأسواق الدولية، فمع تمتع الشركة بوضع المنطقة الحرة الذي أسبغه عليها مركز دبي للسلع المتعددة، أصبحنا في مكانة تنطوي على مزايا ممتازة بالنسبة لعملائنا الدوليين الذين لا يرغبون في استيراد المعدن من دول تفرض أنظمة ضرائبية عقابية.

تأمين إمدادات الذهب الخام

بسؤاله عن الاستراتيجية التي تتبعها مصفاة «الغرير - جيجا» لتأمين إمداداتها من الذهب الخام، أجاب كوري كيلر بقوله: على الرغم من وجود علاقة بين النفط الخام وسعر الذهب، إلا أن هذه العلاقة غير واضحة المعالم، ومن الناحية التاريخية، يعتبر الذهب وعاء استثماريا ذا قيمة في التحوط ضد مخاطر التضخم.

حيث يؤدي صعود أسعار النفط إلى رفع معدلات التضخم، وبالتالي، إذا ما صعد سعر النفط، فإنه غالبا ما يحذو سعر الذهب حذوه، ولكن بمقدور المضاربين في السوقين حرف مسار مثل هذه العلاقة التاريخية، وذلك من خلال أحداث تغييرات قصيرة الأجل، وهو ما يؤدي إلى شيوع حالة من الذعر في سوقي السلعتين، ولكن يحتفظ العديد من المستثمرين بمراكزهم كمشترين للمعدن الأصفر نتيجة قناعتهم بقيمته على المدى الطويل.

بوابة الذهب

عززت دبي مكانتها كمعبر للذهب مما دفع العديد من المحللين إلى تسميتها «بوابة الذهب»، ويرمز هذا المسمى إلى الدور الذي أصبحت تضطلع به الإمارة في سوق الذهب العالمي حيث لم يعد قطاع الذهب أحد موارد الدخل الحيوية لاقتصاد الإمارات والذي يحظي بدعم حكومي تجسد في تطوير بنية تحتية متقدمة لهذا القطاع وتحديث الأسواق الموجودة وإقامة أسواق جديدة ومراكز تجارية بل أضحى كذلك بوابة تمر من خلالها تجارة الذهب العالمية استيرادا وتصديرا.

ولعل التحدي الأكبر الذي تواجهه المدينة، هو كيفية الحفاظ على هذه المكانة المتميزة عملا بالمثل القائل بأن «الاحتفاظ بالقمة أكثر صعوبة من بلوغها»، ولهذا تعمل دبي ـ على مواصلة جهودها لتعزيز مكانتها كمدينة للذهب عبر إقامة مركز السلع والمعادن الذي يعد بمثابة يعد خطوة ايجابية ومدروسة لتعزيز وتطوير صناعة الذهب،وإطلاق بورصة الذهب التي تمثل قفزة نوعية في هذا الاتجاه.

فضلا عن تيسير سرعة إنهاء الإجراءات وتوفير البنية الأساسية المتطورة في قطاعات النقل والمواصلات والاتصالات بجانب الأمن والأمان الذي توفره دبي لمواطنيها والمستثمرين، وساهمت هذه الاعتبارات مجتمعة في جعل دبي قبلة عالمية وإقليمية للاستثمار في مجال الذهب. وتنهض تلك الجهود التي تبذلها المدينة للحفاظ على مكانتها العالمية، على اقتناع راسخ بان حركة تصنيع الذهب والمجوهرات بدأت تتجه شرقاً تاركة غرب الكرة الأرضية.

حيث إن صناعة الذهب سوف تتركز في السنوات المقبلة في كل من الإمارات والهند وتركيا راحلة من الولايات المتحدة وايطاليا وغيرها. وهو تحول نوعي يتيح لدبي إمكانية استثماره لدعم مكانتها في مواجهة المراكز المنافسة لتسويق الذهب في العالم، وبهذا، تمكنت دبي من سحب البساط من تحت أقدام الأوروبيين ودول عالمية في صناعة الذهب.

مجدي عبيد

magdy@albayan.ae