يجمع خبراء ماليون ووسطاء على أن أسعار الأسهم تراجعت إلى مستويات متدنية خلال الأيام الماضية دون أي مبررات منطقية لمثل هذه التراجعات سوى ارتباك في سلوك المتعاملين الذين وبمجرد انخفاض أسعار الأسهم القيادية يتسابقون في عمليات البيع بغض النظر عن خسائرهم رغم تأكيد المنطق عدم صحة هذا الأسلوب في المتاجرة بالأسهم.

ومع انخفاض أسعار الأسهم إلى هذه المستويات فإن الشعار الذي بات يرفعه الخبراء الماليون والوسطاء يتمثل في أن الأسهم في الوقت الراهن للشراء وليس للبيع نظراً لجدوى الاستثمار فيها سواء على المدى القصير أو المتوسط، ومن هنا فإن الخاسر الوحيد جراء عملية التدافع في بيع الأسهم التي نشهدها حاليا في الأسواق هم المستثمرون أنفسهم فيما تشكل هذه التراجعات فرصة للمحافظ وصناديق الاستثمار الأجنبية لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب.

ولعل من أهم الأمور اللافتة للنظر في تعاملات الأسواق حالياً هو عدم التفاعل بشكل إيجابي مع النتائج المالية التي أعلنت عنها العديد من الشركات المتداولة في الأسواق وذلك نظرا لسيطرة حالة الإرباك والقلق على سلوك المتعاملين في الأسهم مما فوت الفرصة على الأسعار للارتفاع وبناء مراكز سعرية جديدة كخطوة أولى نحو تعظيم مكاسب الأسواق التي باتت تعد من أكثر الأسواق العربية والخليجية جاذبية للاستثمار بشهادة المؤسسات المالية المحلية والدولية.

ولعل حالة الإرباك التي سيطرت على سلوك المستثمرين كانت السبب الرئيسي لعدم قدرة الأسواق على تحقيق انجازات خلال النصف الأول من العام الجاري مكتفية بالمحافظة على مستويات إغلاق عام 2007 الأمر الذي زاد من حدة التوتر في أوساط المتعاملين في السوق ما انعكس سلبا خلال النصف الأول من الشهر الجاري على تعاملات السوق التي أخذت أحجام التداول فيها بالتراجع وذلك بالتزامن مع انخفاضات الأسعار، علما بأن المحافظ الأجنبية الرابح الأكبر جراء هذه الأوضاع نظراً لتوفر السيولة لديها مما منحها فرصة الدخول والخروج في الوقت المناسب مع جني أكبر قدر ممكن من الأرباح.

وفي ظل هذه الأوضاع يتوقع الخبير المالي في الشركة الوطنية للوساطة المالية ياسر الجندي استمرار الضغوط على مؤشرات أسواق المال الإماراتية والتي من شأنها أن تقلل من أية تأثيرات إيجابية قد تحدثها أرباح الشركات عن النصف الأول من العام الجاري والتي بدأت فعلياً الإعلان عنها منذ مطلع الشهر الجاري، مشيراً إلى أن أسواق الأسهم بالدولة أنهت تعاملات النصف الأول من العام على نفس مستوياتها المسجلة بداية عام 2008 بعد تخلى المؤشر العام عن مكاسبه المسجلة خلال الشهور الأولى من العام الجاري.

وأكد أن عمليات المضاربة كانت السمة الرئيسية التي سيطرت على غالبية تعاملات النصف الأول وقد بدا ذلك من خلال تذبذب الأسعار بين الارتفاع والانخفاض الأمر الذي حال دون نجاح الأسهم ببناء مراكز سعرية جديدة، وبالتالي أدى إلى تفويت الفرصة على الأسواق لتعظيم المكاسب التي حققتها خلال 2007.

وقال إن الربع الثاني يعد بداية مسلسل التراجع الذي شهده الأسواق بعدما كان قد حقق بعض المكاسب في الربع الأول، حيث لعبت العوامل النفسية دوراً مؤثراً وكبيراً في تراجع الأسعار إلى مستوياتها السابقة المسجلة في بداية العام مما ساهم في التأثير سلباً على ثقة المتعاملين في السوق وأدى إلى انخفاض أحجام التداولات خلال الأسابيع الأخيرة بشكل ملحوظ.

وطبقا للإحصائيات الرسمية المتعلقة بأداء الأسهم القيادية فقد شهد سهم شركة إعمار العقارية أكبر الشركات المدرجة في سوق دبي المالي خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري أداء سلبياً أنهاه عند أدنى مستوى اقفال له خلال العام 2008 عند 85,10 دراهم، حيث بلغت نسبة انخفاض السهم أكثر من 30% مقارنة مع أعلى مستوى له خلال العام الحالي، وظل يراوح مستويات دون ال12 درهماً لأكثر من 4 أشهر، وهي أطول مدة يقضيها السهم في هذا النطاق منذ اختراقه صعوداً لأول مرة عام 2005.

وأثر الانخفاض المتواصل لسهم إعمار خلال النصف الأول على الأداء العام لمؤشر سوق دبي، نظراً للثقل الذي يمثله في السوق وبالرغم من ارتفاع العديد من الشركات المدرجة إلا أنها لم تتمكن من قيادة السوق إلى التحسن، وقد شهد المؤشر تراجعاً ملحوظاً في قيمة التداولات بسبب تراجع إقبال المستثمرين على سهم إعمار.

ويرى الجندي أنّ انخفاض سهم شركة إعمار يرجع بشكل رئيسي إلى فقدان ثقة المساهمين بمجلس إدارة الشركة بعد تتابع القرارات المحبطة، كنسبة توزيع الأرباح السنوية التي تم تحديدها عند مستوى ال20% نقداً سنوياُ، وعدم توزيع أسهم منحة، إضافةً إلى طريقة إدارة صفقة أراضي دبي العقارية.

وعلى الرغم من حصول إعمار في بداية العام الحالي على موافقة الهيئة لإعادة شراء نسبة 10% من أسهمها، بعد انتهاء فترة الطلب الأول دون استغلالها، وبالرغم من تراجع سهم إعمار خلال المدة الأخيرة إلى أسعار منخفضة إلاّ أنّ الشركة لم تبد رغبتها بعد في إعادة الشراء، ويبدو أنّ إدارة الشركة لا تزال تتابع السوق وتنتظر وصول السهم إلى سعر مناسب لإعادة الشراء.

وبرغم هذه المؤشرات إلا أن الجندي يشعر بالتفاؤل حيال مستقبل أداء أسواق الأسهم في الدولة وأن الأسهم للشراء حاليا وليس للبيع، إلاّ أنه عاد وحذر من تنامي محتمل من المخاطر في ظل التدهور الاقتصادي العالمي وتزايد ارتباط أسواق الأسهم في الدولة بالأسواق العالمية.

ويرى أنّ التأثير الحقيقي الناتج عن تباطؤ النمو الاقتصادي وأزمة الائتمان العالمية يمكن أن يتحقق من خلال زيادة صعوبة الحصول على التمويل من الأسواق الدولية وتراجع عائدات الشركات المدرجة في الأسواق المحلية من أنشطتها بالخارج، وأكد أنه وفي الحالتين لا يتوقع سوى تأثير محدود ومؤقت على أرباح الشركات الإماراتية، بل وترى أنّ بعض الشركات في المنطقة مرشحة للاستفادة من الوضع الراهن وذلك مع تقلص المنافسة الدولية في الأسواق المحلية.

من جانبه أكد المدير التنفيذي للمركز الدولي للأسهم والسندات عامر الديسي أن أداء الأسواق في النصف الأول من العام الجاري كان مخيباً للآمال بالرغم من النتائج المالية الجيدة لأغلب الشركات المساهمة، كما كان العامل النفسي للمستثمرين الأثر الأكبر في حركة السوق. وقد أثرت عوامل كثيرة بدءاً من هبوط الدولار الأميركي وموضوع فك ارتباط الدرهم أو إعادة تقييمه ثم تلتها هبوط الأسواق الأميركية والأوروبية وأخيراً التوترات السياسية في منطقة الخليج.

وأوضح أن الجو العام السائد في السوق قد سبب الارتباك للمستثمرين مما أثر سلباً على قراراتهم الاستثمارية خاصة مع تضارب التقارير المقيمة للأسهم والتي تصدر من بيوت الخبرة.

كتب ـ ناصر عارف