تماسك النفط في معاملات آسيا بعد ثاني جلسة على التوالي من الخسائر الحادة أمس حينما أظهرت بيانات أسبوعية للحكومة الأميركية زيادة غير متوقعة في مخزونات النفط الأميركية مما دفع السوق للهبوط. وفي إحدى مراحل التداول هبط الخام الأميركي في المعاملات الآجلة سبعة سنتات إلى 53 .134 دولاراً للبرميل بعد أن فقد 14 .4 دولارات أول من أمس الأول الأربعاء.

وبلغ إجمالي خسائر الثلاثاء والأربعاء 44 .6 دولارات ليفقد الخام الأميركي بذلك نحو 13 دولارا عن أعلى مستوى على الإطلاق الذي بلغه الأسبوع الماضي. وهبط مزيج برنت في عقود سبتمبر 23 سنتا إلى 57 .135 دولاراً للبرميل. وأدى هبوط النفط الذي يمثل أكبر خسائر في يومين بالنسبة المئوية منذ يناير 2007 إلى ارتفاع أسعار الأسهم في وول ستريت لتسترد بعض الخسائر التي منيت بها مؤخرا وسط مخاوف بشأن متانة قطاع البنوك الأميركي. وقال ديفيد مور المحل في كومنولث بنك أوف استراليا «أسعار النفط بلغت الآن مستوى سنبدأ معه في رؤية تعديلات في الطلب». وزاد من الضغوط على الأسعار أيضا تصريح مسؤول أميركي كبير منتصف الأسبوع بأن الولايات المتحدة تخطط لإرسال مبعوث إلى المحادثات المقررة مطلع الأسبوع القادم بين إيران والقوى الكبرى بشان برنامج طهران النووي. ويقبل المستثمرون على شراء النفط وسائر السلع الأولية هذا العام تحوطا من التضخم وضعف الدولار مما دفع سعر الخام صعودا نحو 50 في المئة ليتجاوز 147 دولارا

للبرميل في وقت سابق هذا الشهر. وقال العاهل السعودي الملك عبدالله في مقابلة مع صحيفة لا ريبوبليكا الايطالية إن السعودية تريد أن ترى أسعارا أقل للنفط.

وجاءت خسائر سوق النفط الأخيرة عقب تقرير لإدارة معلومات الطاقة الأميركية أظهر ارتفاع مخزونات الخام ثلاثة ملايين برميل الأسبوع الماضي بينما كانت السوق تتوقع انخفاض المخزونات. وارتفعت أيضا مخزونات البنزين ونواتج التقطير.

وأظهر تقرير حكومي زيادة مفاجئة في مخزونات النفط الخام الأميركية الأسبوع الماضي وذلك وسط تحسن غير متوقع في مستوى الواردات. وقالت إدارة معلومات الطاقة الأميركية في تقريرها الأسبوعي إن مخزونات الخام التجارية ارتفعت ثلاثة ملايين برميل إلى 9 .169 مليون برميل مخالفا توقعات لتراجع قدره 1 .2 مليون برميل.

وجاءت قفزة المخزونات مع صعود الواردات 24 .1 مليون برميل يوميا لتصل إلى 79 .10 ملايين برميل يوميا حسبما ذكر التقرير.

وارتفعت أيضا مخزونات البنزين ونواتج التقطير في ظل تحسن طفيف لمعدلات تشغيل مصافي التكرير واستمرار ضعف الطلب. وزادت مخزونات البنزوين 4 .2 مليون برميل إلى 2 .214 مليون برميل وارتفعت نواتج التقطير 2 .3 ملايين برميل إلى 7 .125 مليون برميل.

وزاد من الخسائر أيضاً إعلان شركة شيفرون إعادة أنبوبا نفطيا في نيجيريا يضخ 120 ألف برميل يوميا، وكذلك فعلت شركة شل الانكليزية-الهولندية في أنبوب يضخ 130 ألف برميل يوميا. وقال متحدث باسم «الإنتاج استؤنف بعد إجراء الإصلاحات اللازمة في منشأة ابيتيي اوليرو».

وكانت الشركة الأميركية أعلنت توقف الإنتاج في هذه المنشأة التي تضخ 120 ألف برميل يوميا بسبب «ظروف قاهرة» وذلك اثر اعتداء بالمتفجرات وقع في 19 يونيو. وتدير شيفرون 40% من 13 امتيازا تمتد على مساحة 8900 كلم مربع في منطقة دلتا النيجر النفطية (جنوب نيجيريا).

وكانت شل أعلنت الأسبوع الفائت رفع حالة «الظروف القاهرة» عن منشأة بونغا التي تنتج 200 الف برميل يوميا و150 مليون قدم مكعب (4 .2 ملايين متر مكعب) من الغاز. وتشهد منطقة دلتا النيجر التي تجني منها نيجيريا 95% من العملات الصعبة هجمات وعمليات خطف تنفذها مجموعات مسلحة وخصوصا «حركة انعتاق دلتا النيجر» ضد شركات النفط وموظفيها منذ بداية 2006 مطالبة بتوزيع أفضل للثروات.

وكانت منظمة أوبك قد خفضت توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في عام 2008 للمرة الرابعة هذا العام وقالت إن الاستهلاك سيتباطأ أيضا في العام المقبل مشيرة إلى توازن أكبر بين العرض والطلب. وأضافت المنظمة أن الحاجة لنفطها ستسجل العام المقبل أول انخفاض رئيسي منذ عام 2002 بسبب تباطؤ الطلب

العالمي وارتفاع الإمدادات من دول غير أعضاء فيها. وتعزز توقعات أوبك مؤشرات أن ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية يفضي إلى تباطؤ الطلب في العالم الصناعي وهي تنسجم مع تكهنات أخرى بانحسار شح الإمدادات في العام 2009.

وكان سعر النفط لامس ذروة قياسية عندما سجل 27 .147 دولارا للبرميل الأسبوع الماضي. وفي إطار الموقف العام للعرض والطلب أظهرت بيانات رسمية أن إنتاج النرويج من النفط انخفض وفقا للبيانات الأولية إلى 93 .1 مليون برميل يوميا في المتوسط خلال شهر يونيو الماضي من 18 .2 مليون في مايو بسبب أعمال صيانة.

وارتفع الإنتاج من 87ر1 مليون برميل يوميا في يونيو من العام الماضي. وتراجع إنتاج سوائل الغاز الطبيعي والمكثفات إلى 272 ألف برميل يوميا الشهر الماضي من 374 ألفا في مايو. والنرويج هي خامس أكبر دول العالم تصديرا للنفط وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية كما أنها ثاني أكبر مورد للغاز الطبيعي لأوروبا.

وفي ذات السياق قال مصدر بصناعة الشحن إن صادرات العراق من نفط كركوك عبر خط الأنابيب الشمالي إلى تركيا استؤنفت بعد توقفها في وقت سابق من هذا الأسبوع.

وأضاف أن النفط يتدفق بمعدل نحو 18 ألف برميل في الساعة أو 432 ألف برميل يوميا بعد استئناف الضخ. وكان مسؤول عراقي بقطاع النفط قال إن الصادرات عبر خط الأنابيب انخفضت مع استئناف تشغيل مصفاة بيجي أكبر مصافي النفط العراقية والتي تبلغ طاقتها 275 ألف برميل يوميا بعد انتهاء أعمال الصيانة.

وسمح تشديد الأمن لبغداد بزيادة الصادرات عبر خط الأنابيب منذ الصيف الماضي. وتعرض الخط لأعمال تخريب كما واجه مشكلات فنية عقب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في مارس 2003. وأضاف المسؤول أن سفينتين تنتظران تحميلهما بالنفط العراقي في ميناء جيهان التركي وأن الكمية بصهاريج التخزين تبلغ 300 ألف برميل.

تباين كبير في وجهات النظر بين منتجي النفط ومستهلكيه

سرع الارتفاع القياسي لأسعار النفط إطلاق موجة جديدة من الحوار بين منتجي ومستهلكي الطاقة لكن مواقف الطرفين مازالت متباعدة رغم اعتماد كل منهما على الآخر. ومنذ اجتمع الجانبان آخر مرة في السعودية أكبر بلد مصدر للنفط في العالم الشهر الماضي لمناقشة ارتفاع الأسعار تسبب تصاعد التوترات بين الغرب وإيران واستمرار صعود الأسعار إلى تآكل حسن النوايا الذي تولد عن الاجتماع. وكان بعض المشاركين متشككين منذ البداية.

ومن بين هؤلاء شكري غانم رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا الذي قال في ذلك الوقت إن محادثات قصيرة لن تحدث فرقا. وقد تمسك بهذا الموقف. وأوضح: قلت من البداية ان هذا موضوع أكبر من أن تجري مناقشته في اجتماع قصير. ستكون هناك مجاملات لا أكثر وكلمات قليلة هنا وهناك. لم ولن يتمكنوا من معالجة الموضوع بشكل ملائم. لكن المشكلة بالنسبة للدول المستهلكة هي أن امتلاك طاقة نووية جديدة يتطلب سنوات كما أنها لا تفي باحتياجات قطاع النقل. وحتى الدول المنتجة التي ارتفعت إيراداتها بشدة قلقة من التأثير المحتمل لارتفاع تكاليف الوقود على التضخم والنمو الاقتصادي وعلى الطلب من المستهلكين.

وقال مايك ويتنر من سوسيتيه جنرال الأمر مثل أي تجارة كبيرة أخرى. كبار المنتجين وكبار المستهلكين في حاجة ماسة إلى بعضهم بعضا وهذا هو العامل الأهم.

وصرح كثيرون بأن محادثات جدة كانت اعترافا أكبر بحاجة كل طرف الى الآخر وانها كانت خطوة للأمام في الحوار بين منتجي ومستهلكي الطاقة في روما في ابريل والذي عقد تحت مظلة منتدى الطاقة العالمي. وعرض أكبر موفد أجنبي بمحادثات جدة وهو رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون إجراء مزيد من الحوار باستضافة محادثات تكيميلية في لندن أواخر العام الحالي. وبناء على توصية من براون قال زعماء مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى انهم سيدعون الى عقد منتدى عالمي للطاقة تستضيفه اليابان في سبتمبر لمناقشة تحسين كفاءة استهلاك الطاقة وابتكار تقنيات جديدة.

وقال لورانس ايجلز من وكالة الطاقة الدولية التي تدافع عن مصالح مستهلكي الطاقة رغم أننا لن نشهد تغيرا جذريا بين عشية وضحاها بسبب اجتماعات جدة ومجموعة الثماني الا أنها قد توفر بعض الفوائد السياسية الحقيقية التي ستحسن التوقعات بينما نمضي قدما. وجون ميتشيل مراقب آخر للعلاقات بين المنتجين والمستهلكين وهو يتبع مؤسسة تشاثام هاوس البحثية ومقرها لندن وقام بدراسة للحوار بمنتدى الطاقة الدولي.

وقال ميتشيل إن محادثات جدة ربما زادت قوة الدفع. وأضاف لدي انطباع بأنه كان هناك جو من التعاون في جدة وبأنه كان هناك تركيز أقل على تحقيق مكاسب. وظل الجانبان متباعدين بشأن قضايا كبيرة مثل السماح لشركات النفط الرئيسية بالوصول إلى امتيازات مجزية أو تقديم المستهلكين ضمانات بشأن الطلب لكنهما حققا تقاربا فيما يتعلق بمشكلات أقل حجما.

آراء وتعليقات

قال وزير البترول السعودي علي النعيمي خلال اجتماع جدة إن على الجميع بذل ما بوسعهم لتخفيف تلك الظروف الصعبة. توقعت السعودية التي كانت المحرك للمحادثات ألا تشهد السوق رد فعل فوريا لكنها قالت إن من الضروري محاولة تهدئة الأسعار.

طالما اعتبر منتدى الطاقة العالمي الذي يجمع منتجي ومستهلكي الطاقة كل عامين منبر حوار فحسب ولم تخرج محادثات روما بأي إجراءات ملموسة، وارتفعت الأسعار عن مستوياتها منذ ابريل حتى موعد اجتماع جدة بواقع 20 دولارا للبرميل مما دفع المنتجين لتقديم ضمانات فورية بتوفير مزيد من الإمدادات.

تسعى الدول المستهلكة بشكل حثيث لتجنب الاعتماد على واردات النفط والغاز، فعلى سبيل المثال قال رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني مطلع الأسبوع الحالي إن على كبرى البلدان المستهلكة عقد اجتماع لتحديد سقف للسعر الذي يمكنها دفعه مقابل النفط وإلا فيتعين عليها الاستثمار في الطاقة النووية.