استقرت أسعار النفط قرب مستوياتها المرتفعة حول 145 دولارا للبرميل في آسيا أمس مع استمرار المخاوف من مخاطر جديدة تتهدد إمدادات المعروض في نيجيريا والبرازيل وإيران وتأثيرات ارتفاع أسعار النفط على الطلب العالمي.

وفي إحدى مراحل التداول نزل سعر عقود النفط الخام الأميركي الخفيف 14 سنتا إلى 05 .145 دولارا للبرميل بينما صعد سعر عقود مزيج النفط الخام برنت ثمانية سنتات عند 144 دولاراً للبرميل. ومازال التجار يشعرون بالقلق لاحتمال تعطل الإمدادات من عضو أوبك نيجيريا التي تخلى فيها متشددون في منطقة إنتاج النفط عن هدنة ومن إيران وسط توترات مع إسرائيل والغرب بشأن البرنامج النووي لطهران.

وقال تيتسو ايموري الذي يدير صندوقا استثماريا في أستماكس كو في طوكيو «العوامل التي تدفع للهبوط مؤقتة. القلق بشأن توقف الإنتاج في نيجيريا وكيفية تعامل المستهلكين مع فقد الإنتاج الإيراني مازال يجعل عوامل الصعود أقوي». وارتفعت أسعار النفط لأكثر من سبعة أمثالها منذ العام 2002 مع تزايد الطلب من اقتصادات صاعدة مثل الصين ونمو تدفقات السيولة على أسواق السلع الأولية وسط سعي المستثمرين للتحوط من التضخم وضعف الدولار.

وكان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد قد قال إن أسعار الخام سترتفع بدرجة أكبر لعدة أسباب منها التهديدات بشن هجوم على بلاده لكبح برنامجها النووي الذي يقول الغرب إنه ستار لتصنيع قنابل. وأوضح «أسعار النفط سترتفع لأسباب مختلفة يعلمها الجميع لكن أحد الأسباب هو التهديد بهجمات عسكرية على برنامجنا النووي».

لكن من المتوقع أن تستطيع بعض البلدان تعويض أي فاقد قد يحدث في المعروض في حال تفاقم الأوضاع السياسية. وقال مسؤول بقطاع النفط السعودي إن المملكة ستتمكن من إنتاج 5 .12 مليون برميل يوميا مادامت الأسواق تحتاج لذلك ما أن يبدأ تشغيل طاقة الإنتاج الجديدة في العام المقبل.

وكانت مجلة بيزنس ويك قالت الأسبوع الماضي إن المملكة لن تتمكن من إنتاج النفط بالطاقة القصوى إلا لفترة قصيرة قبل أن تعاود خفض حجم الإنتاج. وقال المسؤول إن المملكة بسبيلها إلى تحقيق القدرة على إنتاج 5 .12 مليون برميل يوميا بحلول منتصف العام المقبل وان هذه الطاقة قابلة للاستمرار مادام هناك طلب على النفط.

وأضاف أن إنتاج السعودية في شهر يوليو الجاري يبلغ 7 .9 مليون برميل يوميا وانه ليس لديها خطط لتغيير الإنتاج في أغسطس المقبل. وبذلك يصل الإنتاج السعودي إلى أعلى مستوياته منذ عام 1981 بزيادة 550 ألف برميل في اليوم عن مستواه في شهر مايو.

ارتفعت أسعار مزيج برنت والخام الخفيف لتسجّل أرقاماً قياسية في النصف الأول من هذا العام، رافعة معها البدائل كالغاز الطبيعي والفحم الحجري والسلع الزراعية التي تستخرج منها الوقود العضوية الأمر الذي أثار موجة من الذعر. وقال تقرير صادر عن مجموعة «ميريل لينش» إن النمط التصاعدي في أسعار النفط سيستمر خلال الفترة المقبلة وأن العرض والطلب أظهرا تجاوباً بسيطاً بالنسبة إلى الأسعار الآخذة في الارتفاع.

وأشار التقرير إلى أن ارتفاع معدلات الفائدة الحقيقية السلبية للدولار الأميركي لا تساعد على وقف تصاعد الأسعار الاسمية للسلع. لذلك، فإن السياسة النقدية الميسّرة والتي يرافقها عجز في إمدادات الوقود وضعف في إمكانات التكرير المتطورة ومستويات المخزون قد تدفع بأسعار النفط المقومة بالدولار الأميركي إلى الارتفاع لتتجاوز 150 دولاراً أميركياً للبرميل في النصف الثاني من العام 2008.

لكن النمو المتباطئ في قطاع النقل الجوي والبري أدى إلى انخفاض الطلب بنحو 716 ألف برميل في اليوم، ونظراً لأنّ هذا التراجع في الطلب يعود بشكل أساسي إلى نقص في توفر العرض، فقد يكون أيّ انخفاض في الأسعار في المدى القصير محدوداً.

غير أنّ التراجع في الطلب قد يصبح أكبر مع حلول العام 2009 باعتبار أنّ المصارف المركزية في الأسواق الناشئة قد ترفع معدلات الفائدة لاحتواء التضخم. ففي هذه الظروف، نعتقد أنّ أسعار النفط الخفيف سينخفض ليبلغ مستويات متوسطها 107 دولارات أميركية للبرميل.

وفي حين لا تعاني الأسواق من نقص في النفط الخام في الوقت الراهن، فإنّ الشحّ الكبير في سوق المقطرات الوسطى لا يزال قائماً. ورأى التقرير أن الفوارق في أسعار الديزل ستبلغ أرقاماً قياسية قبل حلول الشتاء ذلك أنه ليس من المتوقع أن يزداد المخزون بشكل كافٍ في الأشهر المقبلة.

كما أن التوقعات الخاصة بالمنتجات النفطية الأخرى باتت غاية في الغموض، فالمخزون المرتفع والطلب المتباطئ والارتفاع في إمدادات الايثانول كلها عوامل ستضغط على أسعار البنزين وقد تسلك منتجات التدفئة اتجاهاً سلبياً بشكل موقّت.

وإجمالاً يمكن القول إن المصافي قادرة على التحوّل إلى إنتاج المقطرات بطريقة بطيئة وستظل أسواق المنتجات النفطية الحقيقية فاقدة لتوازنها لمدة تمتد من 6 إلى 9 أشهر.

وبفضل آثار التبديل بعيداً عن النفط، كانت أسعار الغاز الطبيعي والفحم الحجري الأفضل أداء في مركّب الطاقة حتى الآن في هذه السنة. فبالرغم من الارتفاع المطّرد في الأسعار، لا نرى أيّ تراجع في المدى القريب في سوق الغاز الأميركية.

وقد كان للطقس الشتائي البارد وللنقص في كميات الغاز الطبيعي السائل وللطلب الهائل على الغاز دور أساسي في تخفيض مخزون الغاز الأميركي بما يقدّر بـ 11 في المئة من المعدل الطبيعي في نهاية الموسم، الأمر الذي أدّى إلى بقاء الدعم لأسعار الغاز. أما الفحم الحراري فهو المنتج الأرخص ثمناً ولانزال نستطيع ملاحظة تأثير ضغطه على رفع أسعار الفحم العالمية في النصف الثاني من العام 2008 في ظل ميزان للعرض والطلب غير متكافئ.

التوترات السياسية تثير شكوكاً حول مستقبل صادرات الغاز الإيرانية

توقع محللون أن تبقى احتياطيات الغاز الإيرانية الضخمة دون استغلال إلى حد كبير مادامت التوترات السياسية تبعد الشركات الغربية بينما تمنع العقوبات الأميركية إيران من الحصول على التكنولوجيا التي تحتاجها لتطويرها منفردة. وتهافتت شركات النفط الأوروبية والآسيوية على الاستثمار في صناعة الغاز في إيران وكان اغراء ثاني أكبر احتياطيات في العالم يقلل من تأثير الضغط الأميركي لابعاد الاستثمارات الخارجية.

ولكن تصاعد حدة التوتر بشأن برنامج إيران النووي دفع الشركات الأوروبية لتنحية خطط مشروعات تصدير غاز طبيعي مسال بمليارات الدولارات جانبا رغم أنها مازالت تتوق لثروة إيران من الغاز.

ويقول سامويل كيزوك محلل الطاقة في الشرق الأوسط في جلوبل انسايت «لا يسع إيران الحصول على تكنولوجيا من الشركات الكبرى لأي من مشروعاتها للغاز الطبيعي المسال وستكتشف استحالة استيراد معدات وتطوير الخبرة بمفردها في ظل العقوبات الحالية». وفي الأسبوع الماضي أكدت توتال الفرنسية أنها لن تنفق المزيد على مشروعات الغاز الإيرانية في الوقت الحالي. وقال كيزوك «صغر عدد الشركات التي تمتلك خبرة في إدارة بناء مصانع تسييل يجعل مضي إيران قدما بمفردها أقرب إلى المستحيل».

ولم تصدر إيران بعد أي غاز طبيعي مسال ولكنها تقول انه سيكون بوسعها إنتاج 77 مليون طن سنويا بحلول عام 2014. وهو أكثر من مثلي الكمية التي تنتجها قطر أكبر مصدر في العالم للغاز الطبيعي المسال بعد نحو عقدين من الاستثمارات الثابتة.

واستثمرت شركات مثل توتال ورويال داتش شل وريبسول الاسبانية وشتات أويل النرويجية مليارات في قطاع الغاز والنفط في إيران متحدية تهديد الولايات المتحدة بفرض عقوبات.

ويزيد تصاعد المواجهة بشأن برنامج إيران النووي من مخاطر الاستثمار هناك. وتصر إيران على أن برنامجها النووي من أجل الطاقة بينما تقول الحكومات الغربية انه يهدف لإنتاج أسلحة. ويقول محللون ان تأجيل الاستثمارات يعني أن إيران ستحقق انجازا إذا صدرت أي غاز طبيعي في غضون سبعة أعوام سواء بمساعدة أجنبية أو بدونها.

وفي الأسبوع الماضي قال وزير النفط الإيراني غلام حسين نوذري بان بلاده مستعدة لتطوير حقل غاز بارس الجنوبي الضخم دون توتال ولكن المحللين يشكون ان بوسع إيران ان تفعل اي شيء مادامت العقوبات الأميركية مستمرة. وقال نيال تريمبل المتخصص في شؤون الغاز في شركة انرجي كونتراكت في لندن «من الصعب ان تفعل ذلك ليس فقط لان معظم التكنولوجيا أميركية ولكن هناك أيضاً المقاطعة».

وأكدت بتروناس ما أعلنته منذ فترة بشأن استمرار اهتمامها بالغاز الإيراني ولكنها احجمت عن المضي قدما في الاستثمار. ولكنها ذكرت ان التصاعد الحاد في التكلفة يجعل من المستحيل اخذ قرار فوري ولم تربط قرارها بالتوترات السياسية كما فعلت توتال في الأسبوع الماضي. وقال حسن ماريكان الرئيس التنفيذي لبتروناس «مازلنا مهتمين بالعمل في إيران. قرأت إعلان توتال لكن بصفتنا بتروناس مازلنا مهتمين بإيران».

صعوبات

في ظل عدم وجود مصانع لإنتاج غاز طبيعي مسال يشحن في ناقلات للأسواق الخارجية يمكن لإيران أن تضخ جزءا من إنتاجها لجيرانها من خلال خطوط أنابيب الأمر الذي يمكن أن يقلص الأسعار في تلك البلدان.

خلافات الأسعار والمخاوف الأمنية تعيق مشروع خط الأنابيب الضخم الوحيد الذي ينقل الغاز لباكستان وتدور شكوك حول موافقة الاتحاد الأوروبي على اقتراح طهران بربطها بخط أنابيب نابوكو الذي ينقل الغاز من اسيا الوسطى إلى أوروبا.

ستحاول شركات متعطشة للطاقة التدخل لتخفيف حدة العقوبات ولكن الشكوك مازالت قائمة بشأن قدرتها على أداء المهمة فضلا عن مشكلة الحصول على المعدات الضرورية ومعظمها يصنع في البلدان الغربية. وتهتم شركة البترول البحري الوطنية الصينية بتطوير مشروعات في حقل فارس.