يعيش الشارع الليبي منذ أربع سنوات تغييرات واسعة في محيطه من ناحية الأداء والشكل الإداري والقوانين والتشريعات والتحول من الاقتصاد الاشتراكي الذي ظل يهيمن على أداء الدولة الليبية وهيمنة الدولة على كافة الأمور الاقتصادية مما أحدث نوعاً من التضخم والفشل أحياناً في بعض المشاريع وخلق أزمات اقتصادية.

لكن بعد أن أنهت ليبيا مشكلات الحصار الذي فرض عليها من قبل الغرب بدأت الانفتاح الواسع على العالم وفتحت ليبيا أسواقها أمام كافة السلع والمنتجات الدولية وانفتحت للاستثمارات الدولية وأصبحت قبلة للشركات العالمية تتصارع للفوز بعقود سواء في النفط أو الغاز أو مشروعات البنية التحتية في مختلف القطاعات الاقتصادية التي رصدت لها الحكومة الليبية 150 ملياراً خلال عامين، وأصبحنا نشاهد يومياً اتفاقيات هنا واجتماعات هناك.. قوانين جديدة تصدر وأخرى تلغى..

كل هذه مؤشرات تدل على وجود نوع من الحراك في الاقتصاد الليبي.. المسؤولون الليبيون يسمون هذا الحراك «الرأسمالية الشعبية»، ولكن الواقع بعيداً عن خلاف المسميات يقول إنه اتجاه نحو اقتصادات السوق بعد نحو 40 عاماً قضاها الاقتصاد الليبي في كنف الاشتراكية، معتمداً على مصدر واحد فقط هو النفط.

الأسباب التي أدت إلى هذا التحول مهد لها تقرير مصرف ليبيا المركزي لعام 2006 والذي ألقى باللائمة على الأجهزة الحكومية والشركات العامة في مشكلة تدني الإيرادات الحكومية غير النفطية، واتهمها بعدم الكفاءة، وحتى يمكن رصد هذه الأسباب لابد من التعرف على ملامح الاقتصاد الليبي، وكيف قادت هذه الملامح لمظاهر التحول التي نختم بعرض أسبابها.

فالنفط يشكل عصب الناتج المحلي الإجمالي، فبحسب بيانات تقرير المصرف المركزي في لعام 2006 بلغ الناتج المحلي 56 مليار دينار ليبي (الدولار الأميركي يعادل 2. 1 دينار)، واتضح أن مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي بلغت 4. 30%، وهي أعلى نسبة بين القطاعات الاقتصادية المختلفة.

بينما كانت مساهمة قطاع الزراعة والغابات وصيد الأسماك في حدود 8%، وقطاع الصناعات التحويلية 5. 3%، ومن هنا يتضح أهمية النفط كمكون أساسي في الاقتصاد الليبي، فهو مصدر نحو 98% من النقد الأجنبي في ليبيا، ونحو 75% من الإيرادات الحكومية، وتشكل نسبة قطاع الخدمات في التعليم والصحة المرتبة الثانية في الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 9. 15%.

ومن المظاهر التي تبين أهمية النفط للاقتصاد الليبي أن الصادرات الليبية غير النفطية بلغت 7. 2% من حجم الصادرات في عام 2005. يبلغ عدد السكان في ليبيا حسب بيانات عام 2005 نحو 2. 5 ملايين نسمة، ويقدر نصيب الفرد من الدخل القومي بنحو 8400 دولار سنوياً، كما يصل معدل البطالة إلى نحو 13%.

على الرغم من أن تقرير الأمم المتحدة عن التنمية البشرية في العالم لعام 2007/2008 قد صنف ليبيا ضمن مجموعة التنمية البشرية العالية، وحصلت ليبيا على ترتيب 56 من بين 175 دولة على مستوى العالم، فإن معدلات الأمية لا تزال عالية، فتصل لنحو 30%، وفي إطار التنمية البشرية فبعض الدراسات تشير إلى أن 12% من سكان ليبيا يعيشون تحت خط الفقر المدقع.

وذلك حسب البيانات التي أجريت من خلال المسح الاقتصادي والاجتماعي في عام 2002/2003. وحتى تنجح التجربة الليبية في التحول نحو اقتصادات السوق فإنها تحتاج، مثل بقية التجارب العربية والبلدان النامية، إلى نوع من التهيئة والتدرج بما يجعل للقطاع الخاص المحلي دوراً فعالاً وحقيقياً بحيث يكون له دور تنموي.

طرابلس ـ سعيد فرحات