يأتي اضطلاع شركة أبوظبي للعمليات البترولية البرية «أدكو» بمسؤولية الاستثمار في المستقبل، على خلفية المكانة المهمة التي تشغلها، حيث تعتبر مسؤولة عن إنتاج أكثر من 60 % من إنتاج النفط في إمارة أبوظبي، وتعد كذلك من كبريات الشركات المنتجة للغاز المصاحب والغاز الطبيعي في الإمارة، إذ تضخ في الوقت الحالي ما بين 4 إلى 5 مليارات قدم مكعب قياسي من الغاز يوميا إلى شركة أبوظبي لصناعات الغاز المحدودة (جاسكو).
ويتحدث عبد المنعم الكندي المدير العام لشركة أدكو عن هذا المنحي الإستراتيجي في السياسة النفطية بقوله: إن زيادة القدرة الإنتاجية بأسلوب مستدام لا يعني فتح الصنابير أكثر لزيادة تدفق النفط، حيث انه بإمكاننا القيام بذلك، ولكنه لا يتلاءم مع توجهاتنا للمحافظة على المكامن على المدى البعيد، إذ يعتبر النفط الثروة الحقيقية لأجيال اليوم والمستقبل، ولهذا، يعد استدامة الإنتاج الإضافي لمدة 25 عاما على الأقل مطلبا أساسيا يجب أن يكون جزءا من خطط التوسع.
وتابع قائلا: لقد أنعم الله تعالى على هذه البلاد بالنفط والقيادة الحكيمة ذات الرؤية الثاقبة، وكانت توجيهات الوالد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة تغمده الله برحمته وطيب ثراه، الموجه الأساسي الذي يحكم طريقة إداراتنا للمكامن النفطية، عندما عبر عن رغبته في المحافظة على هذه الثروة، وأن تكون آخر قطرة من النفط نابعة من الإمارات.
وقد أكد المجلس الأعلى للبترول ـ والكلام مازال له ـ برئاسة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة على نفس الأولويات، وتتجلى القيادة الفذة ذات البصيرة الثاقبة في طريقة تعامل إمارة أبوظبي مع ثروات الغاز الطبيعي، إذ انها مضت قدما في أعمال تطوير مشاريع الغاز مع عدد قليل من الشركاء الذين قاسموها الرؤية ذاتها.
ومن بينهم شركة شل، وذلك قبل أن يلتفت الآخرون لأهمية الغاز الطبيعي بزمن بعيد، ورغم التوصيات السلبية التي أوصي بها الاقتصاديون آنذاك، ونتيجة لذلك، تأسست شركة أبوظبي لصناعات الغاز المحدودة (جاسكو) لتتعامل مع غاز الحقول البرية.
كما تأسست شركة أبوظبي لتسييل الغاز المحدودة (أدجاز) لتتولى معالجة غاز الحقول البحرية، وكانت أدجاز من أوائل الشركات التي طبقت تكنولوجيا تسييل الغاز، واستطاعت هاتان الشركتان تحقيق خفض ملحوظ في الأثر البيئي للعمليات عبر تقليل عمليات حرق الغاز، وتساهمان بشكل ضخم في توفير وتأمين الطاقة التي تحتاجها البلاد.
تحديات مستقبلية
ويرى عبد المنعم الكندي أن أحد أهم التحديات التي ستواجه إمارة أبوظبي هي المحافظة على مستويات الإنتاج الحالية لزمن أبعد من عام 2030، ولتحقيق ذلك، يجب التوسع في استخدام تقنية الاستخلاص المعزز للنفط والاستخلاص المحسن للنفط.
واستدرك في حديثه بقوله: نحن الآن بصدد غربلة التقنيات القابلة للتطبيق، وتدريب أطقم العاملين، وإجراء دراسات واختبارات تتعلق بتقنية الاستخلاص المعزز للنفط، وبالتالي، تتيح هذه التقنيات فرصا ضخمة لاستدامة مستويات الإنتاج، ونحن نعكف على دراسة أي من التطبيقات التي يمكن استخدامها بشكل أفضل. وتجسد استثمار الشركة في المستقبل في العديد من المشروعات التي أعلنت تدشينها مؤخرا، حيث تتحرك بقوة لتنفيذ مشروع توسعة عملياتها البترولية استجابة لتوجيهات المجلس الأعلى للبترول والشركات المساهمة.
ويتحدث عبد المنعم الكندي عن سجل شركة أدكو في هذا المجال بلهجة مفعمة بالفخر والاعتزاز قائلا : لم تفوت أدكو ولا شحنة واحدة من النفط الخام أكثر من 45 عاما، ونجحت في الوفاء بالجدول الزمني المحدد، مع المحافظة على واحد من أنصع السجلات في مجال الصحة والسلامة والبيئة، ولقد كنا طوال الوقت قادرين على الوفاء بوعودنا، ونحن عاقدون العزم على المحافظة على سجلنا الناصع وسمعتنا الطيبة.
خطط التوسع
ويسلط عبد المنعم الكندي المزيد من الضوء على مثل هذا التوجه الإستراتيجي بقوله لمجلة «شل» في عددها الأخير : نعكف على تنفيذ مشروع توسعة عملياتنا البترولية بمقدار 400 ألف برميل إضافية، ومن المخطط أن تظهر باكورة إنتاج مشروع توسعة القدرة الإنتاجية للنفط في عام 2011 ليرتفع الإنتاج بحلول عام 2016 إلى 8,1 مليون برميل يوميا، كما تتواجد خطط مماثلة لدى الشركتين الشقيقتين شركة أبوظبي للعمليات البحرية (أدما العاملة) وشركة تطوير حقل زاكوم (زادكو)، هذا إلى جانب بعض المساهمات الصغيرة في إنتاج أبوظبي من النفط من شركات أخرى عاملة في هذا القطاع.
وتتصاعد طاقة الإنتاج في الدولة على نحو مستمر نتيجة للطلب المتزايد على موارد الطاقة محليا وعالميا، ولكن من وجهة نظر عبد المنعم الكندي سوف يكون من المتعين على المدى القصير البحث عن مصادر أخرى، وهو الأمر الذي تقوم به الدولة بالفعل، وذلك من خلال استيراد الغاز الطبيعي عبر خط أنابيب دولفين من قطر، فضلا عن أن الخطط والدراسات الحالية تركز على كيفية مواجهة الطلب على الغاز على الأمد الطويل عبر تطوير مكامن جديدة وتحسين مستوى إدارة التوريدات الحالية.
ولا يقف استثمار شركة في المستقبل عند حدود إطالة إعمار الآبار النفطية من خلال حمايتها من التآكل وإدارة عمليات التخطيط والتطبيقات الهندسية، بل يمتد الأمر كذلك إلى السعي نحو زيادة الاحتياطيات من خلال عمليات التنقيب والاستكشاف.
حيث تعتبر شركة أدكو من أكبر الشركات البترولية العاملة في المناطق البرية بإمارة أبوظبي، وتقوم الشركة بممارسة نشاطاتها في المناطق البرية ومناطق المياه الضحلة في الشواطئ التابعة لامارة ابوظبي، وبحسب تقديرات عبد المنعم الكندي، تحتوي جعبة أدكو في الإجمالي على 2500 بئر، من بينها 20 حقلا لم يتم تطويرها بعد، وهي في أغلبها من الحقول الصغيرة نسبيا والتي تتطلب الكثير من العمل والتقييم قبل البدء بتطويرها.
ويرى عبد المنعم الكندي أن تحديات تطوير الحقول الصغيرة تتمثل في ارتفاع التكلفة والتي يجب العمل على خفضها إلى أدنى حد ممكن، وذلك من خلال توظيف التقنيات ذات الصلة مثل تقنيات الإكمال الذكي للحقول والضخ ثلاثي المراحل والمعايرة والتحكم عن بعد.
ولقد نجحت شركة أدكو خلال العام الجاري - والكلام مازال على لسانه - في بدء التشغيل الفعلي لحقول الضبعية والرميثة وشنايل الواقعة شمال شرق أبوظبي، وأصبحت هذه الحقول الآن من الحقول العاملة والمنتجة.
وتحدث عبد المنعم الكندي عن الخطط المستقبلية بشأن تطوير الحقول بقوله : تخطط شركة أدكو حاليا بتطوير حقلين من هذه الحقول، هما جسيورة وبدع القمزان، وتستأجر حاليا 17 حفارة للقيام بأعمال الاستكشاف والحفر التطويري والصيانة، وسيتم في وقت قريب استئجار حفارة جديدة من شركة الحفر الوطنية.
تطوير الآبار
وتتحرك شركة ادكو في استثمارها المستقبلي على محور صيانة وتطوير الآبار النفطية، ويأتي عبد المنعم الكندي على شرح هذا التوجه بقوله : تبنت شركة أدكو منذ عدة سنوات مضت تقنية شل الرامية إلى تحقيق أفضل أداء ممكن على صعيد الحفر والمعروفة باسم «الحفر إلى أقصى حد» ْيٌٌيَه شيٌٌ جةحةش، ومازالت هذه التقنية مطبقة في الحقول حتى الآن، وبفضلها، تمكنت أدكو من توفير ملايين الدولارات في برامج الحفر.
وتابع حديثه بقوله : نحن ندرس حاليا إمكانية الاستفادة من غاز ثاني أكسيد الكربون، ومن بين الخيارات، حقن غاز ثاني أكسيد الكربون في مكامن النفط، وهي عملية تنطوي على الكثير من التحديات، بالنظر إلى ضرورة توافر متطلبات أساسية حتى نكون على ثقة بعدم إلحاق الضرر بالمكامن أو إتلافها، ومن ثم، نحن ندرس مع أدنوك وبقية حملة أسهم الشركة إمكانية تطبيق تقنية استخدام غاز ثاني أكسيد الكربون بدلا من الغاز في عمليات الحقن، وتم في هذا السياق، إجراء بعض الدراسات الأولية، فضلا عن مباشرة بعض المجسمات للمحاكاة، بهدف تقييم أثر هذه التقنية على المكامن النفطية.
وفي رأي عبد المنعم الكندي، يعتبر غاز ثاني أكسيد الكربون أحد التحديات الماثلة ليس فقط في الإمارات، وإنما كذلك على مستوى العالم، وعليه، تعطي شركة بترول أبوظبي الوطنية ( أدنوك ) أولوية قصوى لخفض انبعاثات الغاز المسببة للاحتباس الحراري، خاصة غاز ثاني أكسيد الكربون. علاوة على ماسبق، نحن نعمل - والكلام مازال له - على تقييم بعض التقنيات القابلة للتطبيق، وذلك بخصوص تجميع غاز ثاني أكسيد الكربون، سواء من الهواء الجوي أو من غاز المداخن أو الغاز المنبعث من عوادم التوربينات.
وتتحرك شركة ادكو في استثمارها المستقبلي على محور صيانة وتطوير الآبار النفطية، وهو ما يأتي عبد المنعم الكندي على شرحه بقوله : ان شركة أدكو تتولى إدارة بعض من أكبر المكامن النفطية في العالم، حيث يغطي بعضها مساحة تزيد على 1000 كيلومتر مربع، ونظرا لعدم سهولة دراسة مكمن بهذه الضخامة بين عشية وضحاها، فالأمر بحاجة إلى الكثير من الوقت لجمع المعلومات، ويسهم كل بئر نقوم بحفره في إثراء معرفتنا ومعلوماتنا.
وتابع حديثه بقوله : نحن نعمل على توظيف الاختبارات المتكررة للآبار وبرامج مراقبة المكمن ونتائج بيانات المسح الزلزالي في المجسمات التي جرى تطويرها على مر الزمن، وهي مهمة لا حدود لها، ويجب أن تبقى دائما على رأس الأولويات. ويزداد الوضع تعقيدا - والكلام مازال له - كلما اتجهت المكامن نحو مرحلة النضج، وهنا يكون تدخل حاملي أسهم الشركة على درجة عالية من الأهمية في توفير الدعم والمساندة وتقديم المقترحات الملائمة.
وتعكف شركة أدكو على معالجة التحديات التي تعترض تنفيذ خطط وبرامج التوسع، يبرز من بينها، نقص العمالة الماهرة، والارتفاع الهائل في أسعار المعدات والمواد والوقود. ويتحدث هنا عبد المنعم الكندي قائلا : نحن نعمل على دمج موظفينا من المواطنين الإماراتيين الذين تم توظيفهم مؤخرا في العمليات بأسرع وقت ممكن، إذ تصل نسبة التوطين إلى أكثر من 50 %، فيما تصل هذه النسبة في المراتب الإدارية إلى 90 % تقريبا.
وقد وضعت شركة أدنوك ومجموعة شركاتها نظام إدارة ضمان الكفاءة الذي يضمن استيعاب الخريجين الجدد من مواطني الدولة في عمليات الشركة، حيث يخضع أبناء الدولة الذين يلتحقون في العمل لدي الشركة إلى سلسلة إجراءات تستهدف ضمان اكتسابهم للمعرفة.
ويعطي عبد المنعم الكندي تقديرا خاصا لخريجي الجامعات والمعهد البترولي بقوله : أن التقدم الذي يحرزونه مثير للإعجاب، ومن ثم، ستواصل مجموعة شركات أدنوك، وشركة أدكو على وجه الخصوص توفير أفضل الفرص لمواطني الدولة في تحقيق مستقبل وظيفي مرموق يلبي جميع طموحاتهم، كما فتحت الشركة أبوابها أمام العنصر النسائي للعمل الميداني في حقول الشركة البرية، وهو ما حقق لها قصب السبق بأن تكون الشركة الأولى التي تتخذ هذه المبادرة على المستوى المحلي، حيث تعمل موظفتان في حقول شمال شرق أبوظبي، وهما متحمستان للغاية وفرحتان بهذا النجاح.
ارتفاع التكاليف
يشكو عبد المنعم الكندي من ارتفاع التكاليف بقوله: إن النقص لا يقتصر على الموارد البشرية، بل صار من المتعين علينا كذلك أن نواجه مشكلة الارتفاع الهائل في أسعار المعدات والمواد والوقود، ونتيجة لذلك، رأينا أن تقديرات الموازنات والجداول الزمنية تزداد إلى ثلاثة أضعافها، فمثلا عملية تأمين المكونات الرئيسية للمعدات مثل مضخات الضغط العالي والتي كان جلبها يستغرق في العادة نحو 6 شهور، أصبح يستغرق عامين في الوقت الحالي.
تقاعد العاملين
%50
تواجه شركة أدكو عددا من التحديات، فمن جانب لدينا خريجون إماراتيون جدد يريدون الإلتحاق بالشركة، ومن جانب آخر، لدينا عدد لا يستهان به من أفراد الطاقم ذوي الخبرة العالية الذين وصلوا إلى سن التقاعد، وبالفعل، فان أكثر من 50 % من موظفي شركة أدكو سيحالون إلى التقاعد خلال الأعوام العشرة المقبلة.
مجدي عبيد

