حذر البنك الدولي في تقرير حديث له من ارتفاع كلفة التجارة العالمية. وقال أن حجم التجارة والاستثمار في العالم زاد خلال العقود القليلة الماضية. غير أن النقيض حدث في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء وذلك بسبب زيادة تكلفة التجارة الناجمة عن الحواجز الجمركية وغير الجمركية.
فقد تراجعت حصة أفريقيا من الصادرات العالمية نحو الثلثين خلال ثلاثة عقود من 9. 2 في المائة عام 1976 إلى 9. 0 % عام 2006. ولو كانت حصة إفريقيا من الصادرات العالمية بقيت على نفس مستواها عام 1970، لكانت عائدات صادراتها أكبر 10 مرات من مستواها الحالي. وتظهر أبحاث حديثة أجراها البنك أن للصادرات أهمية في خفض أعداد الفقراء.
فالمزارعون الذين يزرعون محاصيل تصديرية عالية الغلة، أقل فقرا في المتوسط من نظرائهم الذين يعيشون على زراعة الكفاف. وأعلنت منظمة التجارة العالمية عن الانتهاء من إعداد المسودات النهائية الخاصة بطرق تخفيض الضرائب على الزراعة والمنتجات غير الزراعية.
حيث من المتوقع أن يعقد في جنيف يوم 21 يوليو الجاري اجتماع يضم نخبة من الوزراء المعنيين مباشرة بهذه المفاوضات للبت فيهما، وسوف تفتح الموافقة على هذه المقترحات الباب واسعا أمام إزالة أهم العقبات التي تعترض طريق أجندة التنمية التي أطلقها المؤتمر الوزاري الرابع في الدوحة عام 2001. أما في حالة فشل المفاوضات، فإن الأبواب سوف تكون مفتوحة على المجهول بالنسبة لمفاوضات المنظمة حول الكثير من القضايا وليس قضايا الدوحة فحسب.
وعلى خلفية التأجيلات الكثيرة التي شهدتها مفاوضات التعرفات الخاصة بالزراعة والمنتجات الزراعية منذ إطلاقها قبل سبع سنوات، فضل مدير عام المنظمة باسكال لامي أخذ جانب التحفظ وأعطى نسبة نجاح المفاوضات 50% فقط، وطلب قي نفس الوقت من الوزراء المعنيين تكثيف المفاوضات خلال ما تبقى من أيام قبل الاجتماع لرفع نسبة النجاح إلى 75%.
وتعتبر المسودات المقدمة لاجتماع يوم 21 يوليو هي الرابعة التي يعاد تنقيحها منذ عام 2007، حيث شهد العامان الماضيان جولات مكثفة بعدها تقدم مسودات جديدة كما حدث في اجتماعات يوليو 2007 ثم فبراير 2008 ثم مايو 2008 وأخيرا في يوليو 2008.
وفي كل مرة تنشب خلافات جديدة. وتهدف هذه المسودات الأخيرة بشأن الزراعة إلى التوصل إلى طرائق ومعادلات مركبة يتم بموجبها إلغاء الدعم الزراعي من قبل الدول الصناعية تماما بحلول العام 2013 مع إلغاء جانب هام من الدعم يتراوح ما بين 60-70% مع حلول عام 2010. أما المفاوضات بشأن المنتجات غير الزراعية، فإن الهدف هو إلغاؤها تماما مع حلول العام 2013.
وتعقيبا على هذه الأهداف، يقول لامي إن جولة مفاوضات الدوحة للتنمية الجارية حاليا في المنظمة تعد أصعب بكثير بالمقارنة بجولة أورجواي، حيث تهدف هذه الجولة إلى تحقيق مستوى أعلى من الطموحات، وأنها جولة أكثر عمقا واتساعا وعدالة. ومن ثم تثير هذه الدورة تعقيدات سياسية لكل الدول المشاركة.
ويذكر أن المؤتمر الوزاري الرابع في الدوحة الذي عقد عام 2001 وضع إطار عام لجولة جديدة من المفاوضات. كما أمكن للمجلس العام لمنظمة التجارة العالمية التوصل في أول أغسطس 2004 إلي صفقة تضمنت أسسا عامة لمبادئ المفاوضات وموضوعاتها عرفت باسم حزمة أو صفقة يوليو. واحتدمت الخلافات بعد ذلك حول الأسس التي سيتم التفاوض وفقا لها.
وقد نجح مؤتمر هونغ كونغ الوزاري (ديسمبر 2005) في التوصل لقرارات محددة بشأن بعض مبادئ وأسس المفاوضات وتحديد عدد من التواريخ لإتمام الاتفاق علي تفصيلات هذه المبادئ وخاصة بصدد الموضوعات الثلاث الرئيسية في جولة المفاوضات متعددة الأطراف الجارية وهي: الزراعة، الوصول للأسواق للمنتجات غير الزراعية، وتجارة الخدمات، فضلا عن إضافة موضوع تسهيل التجارة إلى موضوعات المفاوضات.
وبالنسب للزراعة تم الاتفاق على الإلغاء التام التدريجي لدعم الصادرات الزراعية قبل نهاية عام 2013، وبحيث يتم إجراء خفض جانب جوهري من الدعم التصديري مع نهاية النصف الأول من الفترة الكلية لإلغاء الدعم.
وبالنسبة للمنتجات غير الزراعية أقر إعلان هونغ كونغ استخدام الصيغة السويسرية (وهي أحد الصيغ المطروحة لإجراء خفض في التعريفة الجمركية على المنتجات غير الزراعية). وطالب الإعلان بتكثيف الجهود للانتهاء من تحديد قواعد المفاوضات ، وأن تتقدم الدول الأعضاء بمشروعات جداول تحرير تجارة منتجاتها غير الزراعية على أساس هذه القواعد.
وبالنسبة للخدمات استحدث إعلان هونغ كونغ مبدأ المفاوضات متعددة الأطراف إلى جانب المفاوضات الثنائية التي اقتصرت عليها مفاوضات تحرير تجارة الخدمات منذ قيام المنظمة والتي كانت تتم على أساس العرض والطلب في إطار مفاوضات ثنائية بين الدول الأعضاء، الأمر الذي كان يعطي الدول النامية قدرا كبيرا من المرونة في تحديد قطاعات الخدمات التي ترغب في تحريرها وتحديد درجة التحرير المناسبة لكل قطاع.
وقد أثار هذا التعديل مخاوف العديد من الدول النامية لإمكانية استخدام الضغط الجماعي من قبل مجموعة من الدول الأعضاء لإلزام دولة ما بتحرير قطاعات معينة وتوسيع نطاق التحرير بقدر تعتبر هذه الدولة نفسها غير مستعدة للقيام به على الفور لتعارضه مع ظروفها ومصالحها الاقتصادية.
وقد حدد الإعلان عددا من المواعيد خلال عام 2006 لتقديم الدول لمطالبها الجماعية لتحرير الخدمات لدى الأعضاء الآخرين، ثم للجولة الثانية لتقديم العروض المراجعة لتحرير الخدمات، ثم لتقديم الدول لمشروعات جداول الالتزامات النهائية لتحرير تجارة الخدمات.
وفي ما يتعلق بتسهيل التجارة، فإن المفاوضات الجديدة تدور حول عدد من الموضوعات مثل مراجعة قواعد اتفاقيات منظمة التجارة العالمية ذات العلاقة بتسهيل التجارة ومنها اتفاقية جات1994، واتفاقيات التقييم الجمركي، والمعاينة قبل الشحن، وتراخيص الاستيراد، وقواعد المنشأ، والعوائق الفنية على التجارة كالمقاييس والمعايير وإجراءات الصحة والصحة النباتية.
كذلك تبسيط إجراءات الاستيراد والتصدير ومتطلباتها بما في ذلك المستندات وإجراءات الجمارك والحد من استخدامها . إلا انه ومنذ شهر يوليو 2006، وهو الشهر الذي كان من المقرر أن يتم مع نهايته التوصل إلى اتفاق حول كافة موضوعات المفاوضات، تفاقمت الخلافات بين وفود الدول الأعضاء المتفاوضين، وتمسك كل طرف بمواقفه، وتبادل الاتهامات بين جميع الأطراف بالعجز عن تقديم تنازلات مقبولة يكون من شأنها التوصل إلى توافق رأي حول موضوعات التفاوض الهامة. وانتهى الأمر إلى شلل كامل في المفاوضات.
وتتهم الولايات المتحدة الاتحاد الأوروبي بعدم الاستعداد لفتح أسواقه بالدرجة التي تحتاجها واشنطن لتقديم تنازلات كبيرة فيما يتعلق بالدعم. أما المفوض التجاري للاتحاد الأوروبي بيتر ماندلسون فاتهم الولايات المتحدة الأميركية بالتشبث بموقفها، وقال: «إن أغنى وأقوى بلد في العالم، والذي لديه أعلى مستويات المعيشة، يستطيع أن يعطي كما يأخذ».
وتأمل دول مجموعة العشرين أن تواصل ضغوطها من أجل خفض الرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية في الاتحاد الأوروبي فضلا عن حمل الولايات المتحدة على اتخاذ إجراءات داخلية لخفض دعم القطاع الزراعي وفي المقابل تأمل دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في مزيد من الانفتاح في دول مجموعة العشرين على الصادرات الصناعية والخدماتية.
حسن العالي ـ المنامة
