أكدت إدارة الدراسات في دائرة تخطيط واقتصاد أبوظبي ان موجة التضخم التي تجتاح العالم والانخفاض المستمر في قيمة الدولار، ساهما في تغذية التضخم في السوق المحلية من خلال زيادة تكاليف الواردات، بينما السياسات النقدية المحلية، التي تشكل الآلية الفاعلة لتحجيم التضخم، تتحدد من خلال متغيرات خارجية وعلى أساس أولويات تختلف كثيراً عن أولويات الاقتصاد المحلي المزدهر.
حيث يواجه الدرهم ضغوطاً تصاعدية مع تدفق السيولة من صادرات النفط، ودعت إلى تقليل الاستيراد للحد من أثار التضخم. وأشارت في التقرير الأسبوعي الذي تصدره وخصص للحديث عن توظيف السياسة النقدية في مكافحة التضخم إلى انه نظراً لوفرة النقد الأجنبي في الدولة من ناحية، وتواضع المعروض المحلي من السلع والخدمات بالقياس إلى حجم القوة الشرائية من ناحية أخرى، درجت السياسة المحلية بقوة الأمر الواقع على تغطية الفجوة بين الطلب الكلي والعرض المحلي بالاستيراد من الخارج. مما نجم عنه صدمات تضخمية متعددة الوجوه، مؤكدة ان هذا التضخم المستورد لا يمكن التخفيف من وطأته إلا بالحد من الاستيراد أو تغيير مصادره، وهو ما يتطلب خططاً واستراتيجيات بعيدة المدى، قد تستغرق عدة سنوات، بينما لا يوجد علاج للتضخم الناشئ عن خفض قيمة العملة المحلية إلا بالعمل على ربطها بسلة متنوعة من عملات العالم الرئيسية.
وأكد التقرير أنه رغم الضغوط التي يحدثها انخفاض قيمة الدولار على الحركة الاقتصادية في الإمارات، فإن أي تغيير في السياسة النقدية، في الوقت الراهن، لن يحل بمفرده مشكلة التضخم التي تعانيها الدولة، بل من شأن أية خطوة غير مدروسة في هذا الاتجاه أن تتسبب في انخفاض مباشر في القدرة التنافسية للصادرات الإماراتية غير النفطية.
وفي الوقت نفسه تزيد من القيمة «الحقيقية» لمدخلات الإنتاج، خاصة المستوردة منها، بما في ذلك الأجور والمرتبات، كما تزيد كذلك التحويلات الخارجية، بالنسبة نفسها، بينما تظل القيمة الفعلية لإيرادات النفط من دون تغير، إذ إنها مقوّمة بالدولار.
وبذلك، فإن تقويم الدرهم بأقل من قيمته بمستوى «معقول» يعد أمراً جيداً لمنافسة الصادرات وإعادة الصادرات غير النفطية، كما أن انخفاض قيمة الدرهم ليس شراً كله، بل إن العديد من القطاعات الاقتصادية تستفيد من هذا الانخفاض.
ورغم كل ذلك، فإن اتخاذ أي قرار بتغيير السياسة النقدية أو تعديل قيمة الدرهم مقابل الدولار، بأي نسبة كانت، يتطلب دراسات فنية شاملة تتناول المكاسب والخسائر التي يمكن أن تترتب على مثل هذه الخطوة، إلا أن البحث في مستقبل العملة المحلية عملية بالغة التعقيد من الناحية العملية.
وأن القرار بشأنها يعد من أصعب القرارات، حيث يتطلب ذلك موازنة دقيقة لسلبيات وإيجابيات أية خطوة في هذا المضمار مهما كانت صغيرة.
وأشار التقرير إلى أن سعر صرف الدولار الأميركي ما زال يسجل تراجعاً مستمراً أمام معظم العملات العالمية الرئيسية، وفي ظل هذا الانخفاض المتتابع للدولار مقابل العملات العالمية الأخرى، شهدت السنوات الخمس الماضية تحولاً عالمياً للابتعاد عن الدولار تدريجياً.
حيث ظلت البنوك المركزية في العديد من دول العالم تعمل تدريجياً على تقليص مراكزها في العملة الأميركية. كما ظلت المؤسسات المالية الدولية ترى ضرورة النظر في السلبيات التي تترتب من الارتباط بالدولار وانعكاساتها في القدرة على السيطرة على معدلات التضخم الناجمة من تراجع الدولار وسرعة النمو الاقتصادي.
وتابع القول إنه «على الرغم من أن الإمارات، وعلى المستوى الرسمي، قطعت الطريق أمام تكهنات العديد من المؤسسات المالية الدولية والخبراء بشأن تحرير قيمة الدرهم أمام الدولار، وأكدت استمرار سياستها النقدية الراهنة، فإن هذه الجهات لا تزال ثابتة عند موقفها بضرورة أن تتبنى الدولة سلة عملات لمواجهة التضخم، إذ إن ثبات ارتباط الدرهم بالدولار يسفر باستمرار عن انتقال معطيات ارتفاع أسعار النفط مباشرة إلى أسعار المنتجات والخدمات الاستهلاكية في السوق المحلية».
ولا شك أن الفريقين ـ المصرف المركزي والأطراف الخارجية ـ ينطلق كل منهما من حقائق ومعطيات قوية تجعل من الصعب ترجيح كفة طرف على آخر من دون الاستناد إلى دراسات فنية شاملة ومعمقة، إذ إن تجربة الإمارات النقدية والمالية خلال العقود الثلاثة الماضية أثبتت أن ارتباط الدرهم بالدولار كان له العديد من الإيجابيات.
وأضاف ان قرار فك الارتباط مع الدولار ليس بالقرار السهل، حيث يتطلب ذلك وضع سياسة نقدية بديلة تمنع من عودة التضخم والتقلب في أسعار الصرف، وهما سببان رئيسيان كانا وراء ربط الدرهم بالدولار.
كما أنه من الصعب القول ان نظاماً بعينه هو الأنسب لدولة الإمارات من بين مجموعة أنظمة أسعار الصرف السائدة اليوم، إذ إن ذلك يتطلب بيانات وأرقاماً دقيقة للإمكانيات والمقومات الاقتصادية والأطر التنظيمية والإدارية الاقتصادية الكلية المتعلقة بالهيكل الاقتصادي للدولة وبأوعية تفريغها والسياسات المالية والنقدية. فهذه المقومات هي من دعائم الاستقرار العام التي تشكل صمام الأمان الأول لنظام سعر الصرف المنتخب.
إلا أن ذلك لا يعني أن يقف المصرف المركزي مكتوف الأيدي أمام استفحال ظاهرة التضخم في السوق المحلية، إذ إن هناك عدداً من السياسات النقدية والمالية التي بإمكان المصرف المركزي أن يبادر بها في هذا الخصوص، مع الاستمرار في سياسة ربط الدرهم بالدولار، وفي مقدمتها تحديد نسبة نمو السيولة التي يحتاجها الاقتصاد المحلي من دون إحداث ضغوط تضخمية.
ولا شك أن من مهام المصرف المركزي الحفاظ على قيمة العملة والحد من التضخم، غير أن عصر العولمة، بما يتميز به من تشابك وتأثير متبادل بين البنوك في أنحاء العالم، أدى إلى تقليص دور البنوك المركزية الوطنية مقابل المؤثرات الخارجية.
إن الواقع الذي تعيشه الإمارات حالياً يطرح تساؤلات مهمة حول مدى حدود المصرف المركزي في خفض حدة التضخم، في الوقت الذي تتسبب فيه نوبات الانخفاض التي تنتاب الدولار من حين لآخر في تغذية التضخم في السوق المحلية من خلال زيادة تكاليف الواردات المقومة بعملات أخرى.
وإذا استمر الدولار في التراجع لفترة طويلة مقبلة، فإن ارتباط سعر صرف الدرهم بالدولار سيظل يفرض على الاقتصاد الإماراتي وباستمرار مزيداً من التكلفة على المستويين المحلي والخارجي، وهو ما قد يحتم حينها اتخاذ خطوات عملية من شأنها التقليل من تأثير الدولار في الدرهم وبالتالي في الاقتصاد برمته، وقد يكون من هذه الخطوات ربط الدرهم بسلة عملات يكون من ضمنها الدولار.
ولا شك أن هذا التوجه وإن كان سيحدث عدم استقرار في الأجل القصير، فإنه بلا شك سوف يعمل، على المدى البعيد، على إيجاد استقرار اقتصادي أفضل مما هو عليه الآن، في ظل مزيد من عدم الاستقرار في سعر الدولار، واتجاهه نحو مزيد من الانخفاض في الأسواق العالمية.
إلا أن اتخاذ قرار في هذا الخصوص يبدو أكثر صعوبة وتعقيداً من جميع القرارات الاقتصادية الأخرى، إذ إن الأمر يتعلق بأحد أهم مكونات الإدارة الاقتصادية السليمة المتمثلة في السياسة النقدية التي يمثل سعر الصرف أهم أدواتها الفاعلة في ضبط وتنظيم إيقاع الدورة الاقتصادية واستقرارها.

