أصيبت ماري بخيبة أمل، فالباندا الذي كانت تحلم برؤيته أدار لها ظهره وبدا «متسخا وغير جذاب كما في الصور«. كاتي، الفتاة الصينية التي درست علم النفس وخضعت لدورات تدريبية في تعليم اللغة الصينية للأجانب، والتي تعمل لدوام جزئي في شركة علاقات عامة، تضحك لإحباط ماري اللبنانية، وتكمل شرحها:« لقد تم نقل 10 من دببة الباندا حديثا من الشمال إلى هذا المكان، بعد خراب الحديقة التي كانت تأويهم بفعل الزلزال».

قبل أيام، انضمت دببة الباندا إلى 20 ألف حيوان تأويهم حديقة «شملونغ غيانجزنج» الضخمة جنوب مدينة جوانزوز.

ربما تكون هذه الحديقة من الأضخم في العالم وتنقسم إلى جزء تلجه بالسيارة، وسط الغزلان والزرافات والفيلة وحيوانات وحيد القرن والنعام وغيرها، وتتفرج في القسم الآخر على حيوانات نادرة في أقفاصها وعلى عروض حية موسيقية وفكاهية ابطالها.. قرود مدربون.

لا تعرف كاتي (وهو اسمها الانجليزي تستخدمه في التواصل مع السواح) كثيرا عن خارطة الشرق الأوسط، لكنها تسأل:« لماذا تركتم بلادكم وذهبتم إلى دبي؟».

يشرح لها البعض عن فرص العمل التي تتيحها المدينة، والتقدم الذي بوسع الفرد تحصيله على المستوى المهني، بينما يفضل البعض الآخر الحديث عن ال« اللايف ستايل» المريح الذي تتيحه المدينة، إضافة إلى فرصة الانفتاح على جنسيات مختلفة. تبدي دهشتها حين تعرف ان في دبي 180 جنسية يتشاركون العيش في مكان واحد. تقول:« الصين انفتحت على العالم منذ سنوات قليلة فقط. في الصين يعلموننا ان العالم كله بخير، وان الصين تعيش بسلام».

تزيد دهشتها حين يخبرها الشباب، الذين جاءوا من دبي إلى جوانزو على متن أول رحلة ل«طيران الإمارات» إلى المدينة، كيف ينظر العالم في الخارج إلى الصينيين:« نحن نتحضر من الآن لقيامة التنين الصيني. اعرف كثر يدرسون الصينية. نعرف أنه خلال سنوات قليلة سوف تنقلب موازين الأمور، وتنقلب شمس الإمبراطورية من الشمال الأميركي إلى الشرق الآسيوي».

تضحك وتبدي جهلها بقوة الصين الاقتصادية وثقلها العالمي، فيما ماري تحدق بحيوان الكوالو الذي ينام طيلة النهار ويستيقظ ليلا.

تتركز في الباحة الخارجية للمبنى التاريخي «شنغهاي تاور»، المقام عند السور القديم للمدينة، مدافع حديدية ضخمة تعود إلى العام 1856 استخدمت للدفاع عن جوانزو في وجه قوات الإمبراطورية الانجليزية الذين نجحوا باحتلال جزء من المدينة آنذاك، قبل ان يتركوها لقاء مبلغ كبير من المال ومكاسب اقتصادية.

يصحب فيكتور، الشاب الصيني، ضيوفه في جولة داخل المبنى الذي جهز ليروي قصة المدينة منذ نشأتها وحتى اليوم. ثمة خرائط تظهر تجارة حصلت قبل اكثر من ألف سنة بين مرفأ جوانزو ومنطقة الخليج العربي، في البحرين وعمان، كما شمال إفريقيا في مصر.

يسأل: «هل تملك سيارة في دبي؟». تأتيه الإجابة أن معدل امتلاك السيارة لسكان دبي يفوق العربة الواحدة، بينما يصل في الصين إلى أربع سيارات لكل مائة صيني، وفي ألمانيا 55 لقاء كل مائة ألماني، ويصل الرقم في الولايات المتحدة إلى 85: «هنا تقتصر حيازة السيارات على الأثرياء والمسؤولين في الدولة. اليس لديكم مشكلة ارتفاع أسعار بترول في دبي؟».

تنهال عليه الشروحات عن الارتفاعات المتتالية لأسعار الديزل، فيما يقود الشباب إلى صورة نادرة علقت في المتحف تعود إلى العام 1872 وتظهر أول طلاب صينيين انتدبوا للدراسة في الولايات المتحدة الأميركية. «امس، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن أساليب التعذيب التي يستخدمها الأميركيون في معتقل غوانتانامو قد استوحوها من الصينيين. هل هذا صحيح؟».

لا يجيب فيكتور، ويعود للسؤال عن دبي بانجليزية متقنة من النادر أن تجدها لدى الصينيين، حتى بين اوساط الشباب منهم.

كان أحمد يفضل السفر عبر لوفتهانزا، لكنه اليوم يفكر جديا باعتماد رحلات «طيران الإمارات» لإتمام شؤون تجارته بين الصين وليبيا وأوروبا.

جاء من طرابلس الغرب قبل 6 سنوات وكان في الثالثة والعشرين، وها هو اليوم يجلس على اريكة مريحة في مقهى «العمدة» في قلب جوانزو، ينفث دخان الشيشة عنبي النكهة، ويعبر عن ضيقه بطريقة تفكير الشباب العربي الذي لا يستهويه الا الترفيه واحدث أنواع الهواتف والسيارات:«اطلبوا الرزق ولو في الصين»، يقول حين تسأله ميرنا عن سبب تركه بلاده و«لجوئه» إلى الصين:« لا تفرقة هنا بين عربي وأجنبي وصيني.

الكل يعامل بالمثل طالما يحترم القانون. الكل يريد العيش بسلام واغتنام أكبر قدر ممكن من الفرص التاريخية». يصدر 3 شحنات شهريا مليئة بقطع الأثاث الصيني.

بينما يرسل الملابس إلى ليبيا بشكل يومي تقريبا، ومنها إلى مدن في ايطاليا وألمانيا:« اصدر الثياب الرياضية المفصلة خصيصا نقلا عن موديلات عالمية. انها تستهوي الشباب، وحتى الصينيين ينتجونها بكثرة هذه الأيام نظرا لاقتراب موعد الألعاب الاولمبية».

جوانزو (جنوب الصين)- إبراهيم توتونجي