تزداد أهمية الإذاعة أو الراديو في الإمارات إعلاميا وإعلانيا، ويتنامى دورها وترتفع أعداد مستمعيها بنسب عالية ومتسارعة، حتى باتت تمتلك جمهورا يفوق مستمعي هذه الوسيلة الإعلامية في أي مكان آخر في العالم بالمقارنة مع عدد السكان.

وكشفت دراسة حديثة صادرة عن شركة «إبسوس» عن وصول حجم الإنفاق الإعلاني عبر الإذاعات المحلية إلى نحو 144 مليون درهم (ما يعادل 39 مليون دولار) خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2008. وأن 80% من سكان الدولة يستمعون إلى محطة إذاعية واحدة على الأقل في اليوم. وأكد مسؤولون في إذاعات محلية لـ «البيان الاقتصادي» ان ازدياد الزحام المروري في الدولة، أسهم في رفع عدد المحطات الإذاعية خلال سنوات قليلة، وفي ضخ دماء جديدة في الإعلام المذاع، وكذلك في استقطاب مختلف شرائح المستمعين، وبالتالي ازدياد حجم الإنفاق الإعلاني عبرها.

«راديو متري»

وكشفت الدراسة التي أعدتها شركة «إبسوس ستات» للدراسات التسويقية والإحصائية، لقياس نسب الاستماع إلى الراديو (راديو متري) في الإمارات، عن ان 80% من سكان الدولة يستمعون لمحطة إذاعية واحدة على الأقل في اليوم.

وصرح مصدر مسؤول في الشركة لـ «البيان الاقتصادي» بالقول، إن نتائج الدراسة أظهرت ارتفاعا في أعداد مستمعي الراديو في الإمارات بنسب عالية ومتسارعة، وبالتالي تنامي دورها وازدياد أهميتها إعلاميا وإعلانيا، على الرغم من دخولها الحديث على الساحة الإعلامية في الدولة.

وأشار المصدر إلى أن المعلن وأصحاب المحطات الإذاعية سيستفيدون من نتائج هذه الدراسة، فهي من جهة، تبين للمعلن الوقت الأنسب لبث إعلانه ليصل إلى الفئة العمرية والجنس والمنطقة التي يستهدفها ويحقق النتائج المرجوة منه. ومن جهة ثانية، توضح الدراسة للمحطات الإذاعية نقاط ضعفها وقوتها، بما يساعدها على بناء خططها المستقبلية وزيادة أرباحها.

وبينت الدراسة التي استهدفت 2797 شخصا في مختلف إمارات الدولة، ممن تزيد أعمارهم على 15 سنة، والذين قدّرت الدراسة عددهم في الدولة بنحو 3 ملايين نسمة، ان الاستماع إلى الراديو يبلغ ذروته في الفترة الصباحية، وتحديدا عند الساعة السابعة، وفي الفترة المسائية في التوقيت عينه. كما بيّنت الدراسة أن الذكور يستمعون إلى الراديو أكثر من الإناث في أغلب الأوقات.

أما من ناحية الفئات العمرية، فقد أظهرت الدراسة أن الأشخاص الذي تتراوح أعمارهم ما بين 25 و34 سنة هم الأكثر استماعا إلى الراديو. وبيّنت الدراسة ان الوافدين العرب في الإمارات يستمعون إلى الراديو أكثر من المواطنين والأجانب في الفترة الصباحية، فيما يستمع الاجانب إلى الراديو أكثر من سواهم في الفترة المسائية.

من ناحية أخرى، رأى المصدر ان رغبة المعلن في رؤية إعلانه صورة وصوتا لا تزال تجتذبه، ولهذا يتوجه المعلن أولا إلى الإعلان المطبوع أو التلفزيوني المرئي قبل الإذاعي.

أوقات الذروة

من جهته، أكد محمود الرشيد، نائب المدير العام في «شبكة الإذاعة العربية» لـ «البيان الاقتصادي»، ان إعلانات الراديو في الإمارات تزداد يوما بعد يوم نتيجة للطفرة الاقتصادية المتسارعة ونمو الأعمال وازدياد عدد السكان، التي تؤدي إلى نشوء ازدحامات مرورية في بعض الأماكن وفي بعض الأحيان، تستفيد منها الإذاعات من خلال المردود الإعلاني فيها.

وقال ان أرقام شبكة الإذاعة العربية، التي تضم تحت مظلتها 9 محطات، تشير إلى أن جميع الأوقات الإذاعية في دبي هي أوقات ذروة (أوول تايم إز بيك تايم)، حيث تضج الدولة وتحديدا دبي بالحياة على مدار الساعة، بعكس أوقات الذروة العالمية المتعارف عليها، والتي تمتد من الساعة 7 إلى 10 صباحا، ومن الساعة 6 إلى 8 مساء.

وأوضح الرشيد أن أعداد مستمعي الشبكة ترتفع في أوقات الزحام المروري، حيث يشكل السائقون أكثر من 90% من مستمعي الإذاعات بشكل عام، على اعتبار أن الراديو هو الوسيلة الترفيهية الأولى أثناء القيادة (درايف تايم)، وتحديدا عند انتقال الأفراد من منازلهم إلى أعمالهم، وبالعكس، حيث تستغرق هذه الرحلة اليومية ما لا يقل عن الساعة في أغلب الأوقات بحكم الازدحامات المرورية.

مؤكدا ان أكثر المستمعين هم من الذكور بطبيعة الحال، لأنهم يشكلون النسبة الأكبر من السائقين مختلف إمارات الدولة. من جهة أخرى، أكد الرشيد أن دراسات شبكة الإذاعة العربية أظهرت عدم وجود مستمع دائم لإذاعة واحدة، لأن أغلب مستمعي الراديو «يغيرون» من إذاعة إلى أخرى في حال لم يعجبهم البرنامج المبثوث أو الأغنية او الإعلان على إذاعة ما.

الإعلانات منفّرة

من جانبه، أكد عبدالله الزعابي، نائب المدير في شبكة أبوظبي الإذاعية لـ «الاقتصادي»، ان الإعلانات تلعب دورا رئيسيا في حياة الإذاعات المحلية من خلال الإعلان المباشر في المحطات او عبر رعاية البرامج بمختلف أنواعها.

مشيرا في الوقت عينه إلى ان كثرة الإعلانات باتت مشكلة لا غنى عنها عند كثير من المحطات، نظرا لما تسببه من نفور جزء كبير من مستمعي الإذاعات، وتشتيت انتباه وتركيز المذيعين والمخرجين والمستمعين إلى الموضوع محور البث، داعيا إلى إجراء دراسة ميدانية شاملة ودقيقة على مستوى الدولة، لتسأل الناس إن كانت الإعلانات الإذاعية منفرة ام لا؟.

وأكد عبدالله أن دراسات شبكة أبوظبي الإذاعية، التي تضم تحت مظلتها 4 إذاعات، وفي طريقها لإطلاق محطة إنجليزية خامسة قريباً، بينت أن اتصالات المستمعين ومرسلي الرسائل النصية القصيرة إلى الإذاعة تختفي أو تنقطع عندما يبدأ بث الإعلانات أو ما يعرف بـ «البرايك الإعلاني».

مشيرا إلى ان الإذاعة عمدت إلى «تنقية» بعض البرامج الإذاعية من الإعلانات للحفاظ على مستمعيها، واقتصار بث الإعلان قبل انطلاق الإعلان وفي وسطه وبعد ختامه وخلال الإعلان عن البرنامج نفسه، نظرا إلى ان العمل الإعلامي الإذاعي بحاجة إلى مساحة من الفن والإبداع والتركيز.

وقال الزعابي أن الفترة الصباحية تشهد أعلى نسبة استماع إلى الراديو في الإمارات، لأن أغلب الناس في هذه الأوقات هم من الفئة السكانية القادرة على العمل من المواطنين والعرب والأجانب ومن طلاب الجامعات وتلامذة المدارس، الذين يتوجهون إلى أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم، وتفرض عليهم أعمالهم ودراستهم الخروج من بيوتهم عند السادسة أو السابعة.

وتستغرق رحلاتهم ساعة من الوقت كمعدل عام. مشيرا إلى ان السائق يقطع المسافة الفاصلة بين أبوظبي ودبي بنحو ساعة من الوقت، فيما تستغرق رحلته من مدخل الإمارة إلى مطارها في بعض الأحيان ساعة أخرى، وخاصة خلال أوقات الذروة، ما يجعل الراديو الوسيلة الترفيهية الأمثل وشبه الوحيدة للسائقين.

وقفة مع البرنامج.. ونعود لمتابعة إعلاناتنا!

عادة ما أخرج من بيتي عند الساعة 30 ,5 صباحاً. تستغرق رحلتي للخروج من «أوّل» الشارقة في منطقة الخان إلى «مدخل» دبي في منطقة القصيص، أكثر من ساعة، مع العلم أن هذه المسافة لا تزيد على 6 كيلو مترات. فيما تستغرق باقي الرحلة، التي تزيد على 25 كيلومتراً، 20 دقيقة بالكثير للوصول إلى مقر العمل على شارع الشيخ زايد.

وبعيدا عن هذه الأرقام، هناك طقس تشغيل الراديو الذي يبدأ مع تشغيل محرك السيارة وينتهي بإطفائه.

ولهذه العادة ما يبررها، الاستماع لفيروز، أنيسة الصباح. تجعلني أنتقل بين إذاعة وأخرى باحثا عن أغنية لها، يصل صوتها فتتوقف عملية البحث. يذهب صوتها، يأتي الإعلان، أبحث عن إذاعة أخرى تبث أغنية أخرى لها. وعندما يأتي الإعلان أبحث عن محطة ثالثة.. وهكذا.

حصل في مرات كثيرة أن خرجت في أوقات، تعتبر بالنسبة للمحطات الإذاعية «وقت ذروة»، لم أجد محطة يمكن أن أستمع فيها إلى «جملة مفيدة». خاصة وان القاسم المشترك بين اغلب المحطات كان وفقا للمعادلة التالية: «وقفة مع البرنامج.. ونعود لمتابعة إعلاناتنا!.

لا يلبث المرء أن يختار برنامجا ما أو اغنية، وتنقضي دقيقة، وربما أقل، حتى تنهمر عليه الإعلانات... أتفهم أن الإعلان هو وقود الوسائل الإعلامية، لكني لا أفهم أن تتحول المحطات الإذاعية إلى وسيلة إعلانية بحتة.

على امتداد الرحلة الصباحية أرى مشاريع هيئة الطرق في دبي تسابق الوقت لإنجاز وتشييد شوارع وجسور وأنفاق جديدة.. وال«مترو». أبتسم عند رؤية هذه المشاريع، التي ستريحني من مشكلتين، الزحمة، وأوقات الذروة التي تتعامل معي كمستهلك وليس كإنسان مستمع.

ضياء عبدالعال

diyaa@albayan.ae