استبقت الإمارات مؤتمر جدة الذي أبرز جليا الوجه الإنمائي لمنظمة أوبك، بإطلاقها مبادرتين في اجتماع المجلس الوزاري لصندوق الأوبك للتنمية والذي عقد مؤخرا في مدينة أصفهان الإيرانية، عكستا الأولوية التي توليها الدولة باستمرار لتطوير برامج مساعداتها الخارجية لدعم التنمية والاستقرار في الدول النامية، وذلك من خلال تمويل مشاريع التنمية في العديد من بلدان منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، وهو ما يبرهن على أن الدولة قد أحرزت قصب السبق في الإضلاع بدور تنموي على المسرح العالمي، سواء من خلال صندوق أوبك للتنمية الدولية أو من خلال حزمة المساعدات الخارجية التي قدمتها على مدار عقود عديدة للدول النامية.
ورغم إبراز اجتماع جدة إدراك منظمة أوبك للعلاقة العضوية الوثيقة بين النفط والتنمية والتي جرى التعتيم عليها بفعل النظرة السائدة إليها بأنها منظمة تهتم أولا وأخيرا بالحفاظ على مصالح البلدان المصدرة للنفط، إلا أن سجل الإمارات الحافل بتقديم المساعدات الإنمائية سواء المتعددة الأطراف أو الثنائية، يظهر أن السياسة الخارجية للدولة قد أدركت على مدار عقود عديدة أهمية هذه العلاقة،من زاوية إدراكها بأن مساعدتها التنموية تعد بمثابة بادرة تضامن مهمة من جانبها مع العالم النامي. وتمثل كذلك اعترافا بأن قضية الحد من الفقر والجوع تشغل حيزا مهما ضمن دائرة أولوياتها الخارجية، وأن علاقات الشراكة هي المفتاح للتصدّي للمشكلات العالمية الملحّة، على اعتبار أن العالم يواجه أزمة تهدد الأمن والتنمية المستدامة، وتتعلق بكيفية تخفيف حدة الفقر، وبناء شراكة عالمية من أجل التنمية.
مساعدات خارجية
وتجلى هذا المنحي في السياسة الخارجية لدولة الإمارات جليا في الكتاب السنوي لدولة الإمارات العربية المتحدة الذي أصدرته إدارة الإعلام الخارجي بالمجلس الوطني للإعلام، حيث تضمن الإشارة إلى أن المساعدات الخارجية لدولة الإمارات بلغت 70 مليار درهم على شكل قروض ومنح لعدد من الدول العربية والإسلامية واستفادت منها أكثر من 95 دولة بهدف نشر ثقافة السلام والاستقرار لمواجهة تحديات التنمية.
ولا يعتبر صندوق أوبك للتنمية القناة الوحيدة التي تنساب عبرها مساعدات دولة الإمارات، بل هناك طيف متسع ومتنوع من المؤسسات، منها صندوق أبوظبي للتنمية ومؤسسة زايد للأعمال الخيرية وهيئة الهلال الأحمر ومؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيرية والإنسانية.
من جانب، وصل حجم قروض صندوق أبوظبي للتنمية والمنح والقروض التي قدمتها أبوظبي ويديرها الصندوق منذ إنشائه وحتى نهاية عام 2006 أكثر من 21 مليار دولار استفادت منها 52 دولة في الوطن العربي وأفريقيا وآسيا ودول أخرى. وأسهمت في تنفيذ 243 مشروعا تنمويا.
ومن جانب آخر، نفذت هيئة الهلال الأحمر لدولة الإمارات خلال الفترة من عام 1999 وحتى 2007 المئات من المشاريع الإنمائية والخيرية وعمليات الإغاثة العاجلة نحو 9 .1 مليار درهم. فيما نفذت مؤسسة زايد للبرامج الخيرية والإنسانية خلال العام 2006 والنصف الاول من عام 2007 أكثر من 9 .29 مليون دولار.
أما مؤسسة خليفة بن زايد للأعمال الخيرية التي تأسست حديثا في شهر يوليو من عام 2007 فقد قدمت العديد من المنح والمساعدات الدراسية للطلبة وإغاثة اللاجئين ومنها مبلغ عشرة ملايين دولار للهيئة الدولية لرعاية وإغاثة اللاجئين العراقيين الموجودين في سورية. كما أن مؤسسة محمد بن راشد للتنمية فقد اهتمت بإطلاق جهود التنمية العربية والإقليمية.
وقد خصص سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي نحو 10 مليارات دولار لتمويل مشاريع المؤسسة التي ستتولى إطلاق مجموعة من المبادرات والبرامج التي تعنى بتطوير الرصيد المعرفي وإيجاد أجيال من القيادات الفكرية والعلمية وقد أطلق سموه مبادرة إنسانية عالمية تتمثل في حملة دبي للعطاء التي استهدفت مليون طفل في المرحلة الأولى حرموا من نعمة حق التعليم، خصوصا في المناطق الفقيرة من قارتي آسيا وأفريقيا. وحظيت المبادرة بتجاوب واسع وجمعت تبرعات بمبلغ 7 .1 مليار درهم وزاد سمو الشيخ محمد على المبلغ تبرعا بمثله ليصبح نحو 4 .3 مليار درهم (أي ما يقارب المليار دولار).
شراكة دولية
وبحسب الأرقام الرسمية المعلنة في سبتمبر 2006، وذلك على هامش الاجتماعات السنوية لمجلس محافظي صندوق النقد والبنك الدوليين، قدمت دولة الإمارات على مدار الثلاثة عقود الماضية مساعدات سخية وغير مشروطة بلغت نحو 100 مليار درهم. وهو ما عكس الدور الذي تلعبه الدولة في الاقتصاد العالمي، وأيمانها الراسخ والعميق بالتعاون الدولي والشراكة مع الدول الأخرى في تحقيق أهداف التنمية خلال الألفية الثالثة.
ورغم إبراز اجتماع جدة الدور الإنمائي لمنظمة أوبك، وذلك من خلال إطلاق العاهل السعودي مبادرة الطاقة من أجل الفقراء، وتقديمه اقتراحا بإنشاء صندوق تديره أوبك برأسمال مليار دولار لهذا الغرض، فضلا عن تقديمه وعدا بتخصيص 500 مليون دولار أميركي لقروض ميسرة عن طريق الصندوق السعودي للتنمية لتمويل مشاريع تساعد الدول النامية على الحصول على الطاقة، إلا أن هذا الدور الإنمائي الذي تضلع به منظمة أوبك على مدار عقود عديدة لم يسترع انتباه الكثيرين، نتيجة النظرة السائدة إليها على أنها منظمة تهدف في المحك النهائي إلى الدفاع عن مصالح أعضائها في مجال النفط.
وعليه، لم يجذب صندوق أوبك للتنمية الكثير من الأضواء، رغم أن تأسيسه يعود إلى عام 1976، وذلك بهدف تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للنفط (الأوبك) والبلدان النامية الأخرى، وتقديم الموارد المالية لمساعدة الدول لتمويل مشاريع التنمية، فضلا عن المساهمة في تمويل مشاريع التنمية في الدول العربية، من خلال تقديم قروض ميسرة الشروط لتمويل المشاريع والبرامج ولدعم موازين المدفوعات.
وحتى نهاية عام 2007 كان مستوى إجمالي المساعدات الإنمائية التي قدمها صندوق الأوبك للتنمية الدولية 9.485 مليون دولار أميركي في أكثر من 121 دولة في قارات إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية والكاريبي والشرق الأوسط وأوروبا بالإضافة إلى أن الصندوق تعاون على مدى 30 سنة مضت منذ إنشائه مع عدد كبير من المنظمات المتعددة الأطراف والثنائية والوطنية وغير الحكومية وذلك في إطار سعيه لتقديم المساعدة للبلدان الفقيرة المنخفضة الدخل لمتابعة سعيها نحو التقدم الاجتماعي والاقتصادي.
الدور التنموي
وجاء التأكيد على الدور التنموي لمنظمة أوبك في البيانات الصادرة عنها، من بينها إعلان الرياض الذي أفرد فقرات خاصة بعنوان (الطاقة من أجل تحقيق التنمية المستدامة) تضمنت التأكيد على أن الطاقة ضرورية للقضاء على الفقر، وتحقيق التنمية المستدامة، وانجاز أهداف التنمية الألفية إلى جانب خطة تنفيذ مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة في جوهانسبيرج، ولفت البيان الانتباه إلى أن دول أوبك تشترك في جميع الجهود الدولية التي تهدف إلى ردم الفجوة التنموية بين الدول الغنية والدول الفقيرة وتمكين الدول الفقيرة من حرية الوصول إلى موارد الطاقة وحماية البيئة وصيانتها في ذات الوقت.
وأورد البيان إشارة إلى أن الدعائم الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للتنمية المستدامة تتطلب مفهوما شاملا لقضايا التجارة والتمويل الدوليين وقضايا الطاقة والتقنية، إلى جانب مد الدول النامية بالوسائل التي تساعدها على تحقيق التنمية وكذلك تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر فيها، وهو ما عكس التزام منظمة أوبك المستمر والمتواصل لتقديم المساعدات الإنمائية من خلال صندوق أوبك للتنمية الدولية وكذلك من خلال قنوات المساعدات الإنمائية الثنائية والإقليمية والدولية للدول الأعضاء في المنظمة.
وقد انطلقت هذه التوصيات من إدراك منظمة أوبك لأوجه الصلة الوثيقة بين الطاقة والتنمية والفقر، حيث أن الطاقة تسهم في التنمية، فيما تسهم التنمية في القضاء على الفقر، وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، هناك أربعة مليارات شخص لم يحصلوا على مصادر من الطاقة الحديثة وهم يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم مما يجعلهم يلجؤون إلى موارد الطاقة التقليدية والتي تسهم في تلوث البيئة.
وهكذا، مثلت برامج المساعدات الثنائية والمتعددة الأطراف البرهان على إيمان الإمارات الراسخ بأن امتلاك سلعة استراتيجية على غرار النفط يفرض مسؤوليات تتجاوز الأطر المحلية، بأن تسهم عوائده في تحقيق الازدهار الاقتصادي لمختلف مناطق العالم.
9.5 مليارات دولار مساعدات صندوق «أوبك»
بناء على التقديرات المعلنة في نوفمبر 2007 من جانب صندوق أوبك للتنمية، تذهب نسبة مقدارها 80% من مشاريع وبرامج الصندوق إلى الدول منخفضة الدخل، و20% إلى الدول المتوسطة الدخل، وتستأثر الدول الأفريقية الصحراوية بنسبة 50% من حصة الدول المنخفض، وتتجه برامج الصندوق إلى العديد من القطاعات الضرورية مثل محاربة ومكافحة مرض الإيدز والمساعدات الإنسانية في الحالات الناتجة عن الكوارث الطبيعية أو السياسية. كما هو الوضع في دارفور والبحوث والدراسات العلمية والفنية، وقد أقر الصندوق مؤخرا مساعدة مالية عاجلة إلى بنجلاديش بسبب ما تعرضت له من سيول
وقد أعلن رئيس صندوق أوبك، سليمان جسير الحربيش في ختام اجتماع أصفهان الأخير بان الصندوق سينفق حوالي 220 مليون دولار لتنميه الدول الأقل نموا في العالم، وان هذا الحجم من الاعتمادات سينفق من اجل تنفيذ مختلف المشاريع الزراعية والصحية وشق الطرق ودعم القطاع الخاص وان مساعدات بلا مقابل ستنفق في 15 دوله آسيوية وإفريقية.
وقد ناقش اجتماع أصفهان عدداً من الموضوعات المدرجة على جدول أعماله من ضمنها مناقشة التقرير السنوي لعام 2007 والذي يتضمن الميزانية العمومية وقائمة الدخل والمصروفات للصندوق عن العام المالي 2007.
وحتى نهاية عام 2007 كان مستوي إجمالي المساعدات الإنمائية التي قدمها صندوق الأوبك للتنمية الدولية 485 .9 ملايين دولار أميركي في أكثر من 121 دولة في قارات أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية والكاريبي والشرق الأوسط وأوروبا بالإضافة إلى أن الصندوق تعاون على مدى 30 سنة مضت منذ إنشائه مع عدد كبير من المنظمات المتعددة الأطراف والثنائية والوطنية وغير الحكومية.
توصيات بمكافحة الفقر العالمي
تضمن إعلان الرياض عددا من التوصيات تتعلق بسبل تحقيق التنمية المستدامة ، وذلك على النحو التالي:
1- التأكيد على أن مسألة القضاء على الفقر يجب أن تأخذ أولوية الاهتمام العالمي وان تكون الدافع لكافة الجهود المحلية والإقليمية والدولية.
2- الاستمرار في العمل مع المجتمع الدولي من اجل تطوير دعائم التنمية المستدامة ذات الاعتماد المتبادل وهي التنمية الاقتصادية والرخاء الاجتماعي وحماية البيئة.
3- التركيز على أهمية أن يحقق المجتمع الدولي أهداف التنمية بما فيها تلك الأهداف التي تضمنها جدول أعمال القرن الحادي والعشرين، وأهداف التنمية الألفية للأمم المتحدة، وخطة تنفيذ مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة في جوهانسبيرج، وتفاهم مونتيري ومبادرة الشراكة الجديدة للتنمية الإفريقية (نيبادا(.
4- حث الدول المتقدمة على تسهيل حرية حصول الدول النامية على التقنيات الحديثة الموثوقة ذات التكلفة والجدوى الاقتصادية المعقولة والمقبولة اجتماعيا والمضمونة بيئيا.
5- التأكيد على التزام منظمة أوبك المستمر والمتواصل لتقديم المساعدات الإنمائية من خلال صندوق أوبك للتنمية الدولية وكذلك من خلال قنوات المساعدات الإنمائية الثنائية والإقليمية والدولية للدول الأعضاء في المنظمة.
6- الاستمرار في ربط برامج مؤسسات العون الإنمائي في دول المنظمة بما في ذلك برامج صندوق أوبك للتنمية الدولية مع أهداف التنمية المستدامة والقضاء على فقر الطاقة في الدول النامية ودراسة السبل والوسائل التي ترمي إلى تعزيز هذه الجهود بالاشتراك مع صناعة الطاقة والمؤسسات المالية الأخرى.
7- توجيه وزراء البترول والمالية لدراسة الطرق والوسائل لزيادة التعاون المالي بين الدول الأعضاء .
دبي: مجدي عبيد

