توقع فاتح بيرول كبير الاقتصاديين في وكالة الطاقة الدولية أن يشهد العقد المقبل تدشين محطات نووية في منطقة الخليج لتوليد الطاقة الكهربائية، وذلك إذا ما حظي الخيار النووي في هذه المنطقة بقوة زخم، وأوصى بأن تتفحص الإمارات والدول الخليجية الأخرى بعمق الخيار النووي.

وذلك في إطار القواعد والأطر التنظيمية للمجتمع الدولي، واصفا إياه بأنه خيار مهم، في ظل ضخامة الطلب على الطاقة الكهربائية لدى دول الخليج، بما في ذلك الإمارات. وأعرب فاتح بيرول في حديث خاص لـ «البيان الاقتصادي» عن اعتقاده بأن الوقت ليس متأخرا بالنسبة للإمارات والدول الأخرى في الخليج، إذا ما شاءت دخول المجال النووي، وشرح وجهة نظره قائلا: أن النمو الاقتصادي والسكاني في الإمارات يتسم بالديناميكية التي من شأنها أن تسهم في صعود الطلب على الطاقة الكهربائية خلال العقد المقبل، وأن بناء محطة نووية يستغرق فترة زمنية تتراوح بين 5 إلى 8 سنوات.

تحقيق التوازن

وينظر فاتح بيرول إلى الخيار النووي بمثابة أحد الحلول الممكنة والمتاحة للدول الخليجية، بما في ذلك الإمارات، لكي تواجه التحديات المرتبطة بتصاعد الاستهلاك المحلي لمواردها من النفط والغاز، وما قد يرافق هذا الأمر من تأثيرات سلبية على حصتها في أسواق النفط العالمية، وما قد يتبعه من تراجع في حصيلة العائدات البترولية التي تشكل مصدرا رئيسيا للدخل.

ومن ثم، يعتبر هذا الخيار من وجهة نظر فاتح بيرول أحد البدائل المتاحة لتحقيق التوازن بين تلبية الطلب المحلي المتصاعد على الطاقة الكهربائية، والحفاظ على حصيلة العائدات البترولية، وذلك في إطار مراجعة هذه الدول لاستراتيجياتها في مجال تأمين وتنويع موارد الطاقة للتحوط ضد مخاطر زيادة الاعتماد على مورد للطاقة بشكل أكبر من مورد آخر.

وتنطلق توصية فاتح بيرول من أرضية أمن إمدادات الطاقة، أي تنويع مصادر الطاقة وعدم تركيز الاعتماد على النفط والغاز الطبيعي (الوقود الأحفوري) في تلبية الطلب المتصاعد على الطاقة الكهربائية المدفوع بالنمو الاقتصادي الضخم والتوسع السكاني بمعدلات كبيرة.

سياسات حصيفة

وتأتي توصيته في هذا الخصوص ضمن حزمة سياسات وصفها بالحصيفة والتي تنشد تحقيق الكفاءة في استهلاك موارد الطاقة، وإضفاء الاستقرار على أسعار النفط، وجاء على ذكرها في النقاط التالية:

أولا: أن تقوم الدول الخليجية بإلغاء الدعم على المنتجات البترولية، حيث تفيد تقديرات وكالة الطاقة الدولية بأن دول منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى الهند والصين قد أنفقت ما يزيد على 50 مليار دولار لدعم المنتجات البترولية، ومن شأن هذا الدعم أن يكبح حدوث تغييرات في سلوكيات المستهلكين، وهو ما يقلل الكفاءة في استهلاك الطاقة على نحو يبطيء وتيرة صعود الطلب على النفط.

ثانيا: هناك مهام ومسؤوليات ملقاة على عاتق الدول المستهلكة والمنتجة على حد سواء، وإذا ما جرى تنفيذ هذه المهام، سيكون هناك حيزا أقل لصعود أسعار النفط، إذ إنه بقدر ما تكون الدول المنتجة لموارد الطاقة مطالبة بإلغاء الدعم للمنتجات البترولية، فإن الدول المستهلكة مطالبة هي الأخرى بترشيد استهلاكها لموارد الطاقة وبالتالي.

إذا ما جرى وضع السياسات الكفيلة بتنفيذ هاتين المهمتين، فإنها ستترجم على هيئة رسائل إلى السوق التي من شأنها أن تسهم في تهدئة صعود الأسعار، وتقليل الحيز المتاح للمضاربين في التكهن بالأسعار، وبالتالي، أصبح مهما أن يجتمع المستهلكون والمنتجون معا لأجل أن يطلع كل طرف على بواعث قلق الطرف الآخر، وذلك حتى يكون بمقدور الجانبين العمل سويا، بما يكسب السوق المزيد من الاطمئنان والاستقرار.

ثالثا:أن تعمل هذه الدول على توظيف تكنولوجيات الطاقة البديلة كالطاقة النووية والشمسية، وذلك على نحو يسهم في تنويع سلة مصادر الطاقة بالنسبة للدول الشرق الأوسطية، ومن ثم، نحن نشجع على النظر إلى مصادر أخرى، فربما تكون دول المنطقة قادرة على تصدير الغاز، إذا ما استعانت بمصادر أخرى في توليد الطاقة الكهربائية، كالطاقة النووية، وهو ما يمثل رافدا للعائدات.

رابعا: أن الطلب على الكهرباء في المنطقة آخذ في الصعود نتيجة لثلاثة عوامل رئيسية، تتعلق بتسجيلها نموا اقتصاديا قويا، وزيادة معدلات نموها السكاني، وتزايد الطلب على تحلية المياه، ومن ثم، ربما تحتاج هذه الدول من الآن وحتى عام 2030 إلى استثمارات في قطاع الطاقة بقيمة تريليوني دولار، تستأثر منها صناعة النفط بحوالي النصف، أي ما يعادل تريليون دولار.

مضاعفات سلبية

ويرى فاتح بيرول أنه إذا ما انتهجت الدول الخليجية مسارا مختلفا، فإنها ستكون عرضة لمضاعفات خطيرة فيما يتعلق بقدرتها على تصدير النفط، وهو الأمر الذي سيفضي إلى تداعيات سلبية على موازناتها، ولكن إذا ما قامت هذه الدول باستكشاف آفاق تكنولوجيات الطاقة البديلة.

وإذا ما قامت بإلغاء الدعم للمنتجات البترولية، فإنه سوف يكون بمقدورها توفير فرص ضخمة فيما يتعلق بزيادة طاقتها التصديرية للنفط، باعتبار أن هذه الطاقة تعد نتاج العلاقة بين مستويات الاستهلاك المحلي وحجم إنتاجها من النفط، فإذا ما كانت مستويات الاستهلاك المحلي منخفضة، فإنه سيكون بمقدورها تصدير المزيد من النفط إلى الخارج.

ولعل أحد أسباب تشجيع فاتح بيرول الإمارات والدول الخليجية على النظر بجدية إلى الخيار الكهرونووي يتمثل في تصاعد استهلاك هذه الدول لموارد الطاقة الهيدروكربونية، وما يحمله ذلك من انعكاسات تتعلق بتصاعد الطلب العالمي، وارتفاع أسعار النفط.

ويتحدث بيرول عن هذه النقطة بقوله: تشير أرقامنا هنا إلى أن طلب كل من الهند والصين ودول الشرق الأوسط خلال العامين أو الأعوام الثلاثة الأخيرة قد ساهم بما يزيد على 80% من نمو الطلب العالمي على النفط، فيما كانت مساهمة دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية متواضعة للغاية، وهو ما يجعلنا نتوقع بأن القدر الأكبر من النمو في الطلب على النفط في المستقبل سيأتي من هذه المناطق، وعليه.

فإن زيادة كفاءة استخدام موارد الطاقة في الشرق الأوسط، من شأنها أن تؤدي إلى تلطيف آفاق الطلب العالمي على النفط، فضلا عن أن هذه الكفاءة لا تعتبر أمرا طيبا بالنسبة لميزانيات دول الشرق الأوسط فحسب، بل تعد كذلك مسألة مهمة بالنسبة للصورة المستقبلية لكفاءة استهلاك الطاقة على الصعيد العالمي، حيث تعتبر أسعار المنتجات النفطية منخفضة جدا في دول الشرق الأوسط.

معجزة اقتصادية

يعتبر فاتح بيرول أن الإمارات نجحت في تحقيق معجزة اقتصادية كبرى في المنطقة بتنويع اقتصادها من خلال ضخ استثمارات في القطاعين الخدمي والصناعي، وذلك على نحو قاد إلى خفض مساهمة القطاع الهيدروكربوني بمعدل النصف في الناتج المحلي الإجمالي الذي تضاعف مرتين خلال فترة الربع قرن الماضية .

حيث تقلصت نسبة مساهمة هذا القطاع من 62% في عام 1980 إلى حوالي 25% في عام 2006، ومن ثم، أصبح الاقتصاد الإماراتي ليس معتمدا على مصدر دخل واحد ، بل صار أكثر تنوعا،وبالتالي، أضحت دول الخليج الأخرى مطالبة باحتذاء حذو هذا النموذج، بأن تعمل على النهوض بالقطاعات الاقتصادية غير النفطية ، بما يزيد مساهمتها في جلب النمو الاقتصادي، وأن توظف عائداتها النفطية في ضخ استثمارات في القطاعات الاقتصادية غير النفطية.

الخفض التدريجي للدعم

دعا فاتح بيرول حكومات دول المنطقة إلى تقليص مخصصات الدعم للمنتجات البترولية، وتحقق المزيد من الكفاءة في استهلاك موارد الطاقة، وجعل سياستها في هذا المجال أكثر توافقا مع حقائق السوق. وقال إن هذه الإجراءات لن تفضي إلى خفض الطلب على النفط بشكل ضخم، ولكنها ستؤدي إلى تقليص وتيرة نمو الطلب، وتجعل استهلاك الطاقة أكثر كفاءة.

مشيراً إلى أن الكثير من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قد انخرطت في عملية اقتصادية تهدف إلى جعل أسعار الطاقة أكثر انعكاسا لعامل التكلفة، وينسحب الوضع ذاته على الدول التي أحرزت تقدما كبيرا في بناء بنيتها التحتية، حيث أنها اتخذت قرارا بأن تعكس أسعار الطاقة عامل التكلفة.

وأقر بيرول بأن اقتصاد السوق لا يمثل كل شيء في الحياة، إذ تبرز هنا وهناك صعوبات تتعلق بتقليص الدعم، وبالتالي، نحن نوصي بأن يتم النظر إلى الجوانب الاقتصادية الوثيقة الصلة بالدعم، وذلك عند تحديد الدول نوعية استجابتها إزاء مسألة الخفض التدريجي للدعم.

زيادة الثقة في الخيار الكهرو نووي

أعرب فاتح بيرول في رده على سؤال بشأن المخاوف المتعلقة بتأمين المنشآت النووية عن اعتقاده بأنه لا توجد مشكلة بالنسبة للإمارات والدول الأخرى في المنطقة في استخدام الطاقة النووية، مشيرا إلى أن قضية تأمين المنشآت النووية تشغل بال الجميع، وأن الطاقة النووية في فرنسا تسهم في توليد 75% من إجمالي طاقتها الكهربائية. وتوقع فاتح بيرول أن تكون الطاقة النووية جزءا من الأجندة المستقبلية بين الدول الخليج ودول الصناعية.

ويذكر في هذه المناسبة أن ثقة عامة الناس قد ازدادت باطراد في تشغيل محطات الطاقة النووية بالترافق مع ازدياد الإدراك للفوائد الاقتصادية والبيئية المتأتية عنها ومع تحسن مأمونيتها. وأظهرت بعض استطلاعات الرأي أن نسبة 70 بالمئة من الأميركيين يؤيدون استمرار تشغيل محطات توليد الكهرباء بالطاقة النووية القائمة حالياً وأن نسبة تزيد على 50 بالمئة منهم تدعم بناء محطات جديدة لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية.

وهناك اليوم 440 محطة طاقة نووية تولد 16% من مجمل ما يحتاجه العالم من الطاقة الكهربائية. وقد بدأ تنفيذ برامج نشطة لبناء محطات جديدة للطاقة النووية، وعلى وجه التخصيص في دول شرق آسيا، وروسيا، والهند. وأصبحت الولايات المتحدة نفسها على وشك استئناف بناء محطات جديدة تعمل بالطاقة النووية، وهي العملية التي بقيت جامدة لمدة تزيد على 25 سنة. وتُشكِّل هذه التطورات بداية الحقبة الثالثة، حقبة انبعاث أو إعادة إحياء الطاقة.

وتعد المفاعلات النووية بشكل عام باهظة من ناحية تكاليف إنشائها لكن تكاليف تشغيلها تعتبر معقولة نسبيا وتعتمد المنافسة الاقتصادية على عدة عوامل منها بناء المحطة في الوقت المحدد وبالسرعة المطلوبة وتشغيلها بسعات عالية علي فترات طويلة من الزمن.

وبالمقابل فإن محطات الغاز والنفط رخيصة وسريعة البناء ولكن تشغيلها مكلف نتيجة كلفة وقودها ومن العوامل التي تؤثر أيضا على التكلفة وبالتالي على سعر الكهرباء المنتجة بالطاقة النووية هي أوقات التوقف للصيانة وهي شهر في السنة أو السنتين تقريبا وكذلك عمر المحطة ( 35 - 04 عاما) وفي بداية إنشاء المحطة تكون أسعار الكهرباء المنتجة مرتفعة نسبيا ولكن بعد تسديد كل الديون المستحقة عليها يبدأ السعر في الانخفاض.

أن اتجاه أسعار الطاقة النووية نحو الانخفاض واتجاه أسعار النفط إلى الارتفاع بسبب زيادة الطلب عليه قد يؤدي إلى جعل أسعار الكهرباء المولدة بالطاقة النووية مزاحمة لأسعار الكهرباء المولدة بالوقود الاحفوري.

لقد أعطت الطاقة الذرية كمصدر لتوليد الطاقة الكهربائية فوائد جمة للبيئة وبالتحديد فإأن الطاقة النووية لا تساهم في رفع درجة حرارة الأرض عن طريق انبعاث الغازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون وكذلك فإنها لا تنتج أي من اكاسيد الكبريت والنيتروجين أو الجسيمات الملوثة للبيئة وبالتالي تسهم الطاقة النووية في خفض انبعاث الغازات المتسببة في ظاهرتي الاحتباس الحراري والأمطار الحمضية.

دبي ـ «البيان»