الفضول كان أكثر ما دفعني إلى التقاء هذه الوزيرة الشابة التي جاءت إلى دبي مفعمة بدرجة كبيرة من النشاط والحيوية بغية الترويج لاقتصاد بلادها بأفضل شكل يتسنى لها.
غير أن الأمر الذي استرعى انتباهي بعد المقابلة، والتي كانت وزيرة المالية في جمهورية ترينداد وتوباجو كارين نونيز حريصة كل الحرص على اقتناص كل لحظة فيها للترويج لدولتها كمركز مالي يمكنه استيعاب حجم هائل من الاستثمارات المالية ـ أقول إن الأمر الذي استوقفني هو أن الوزيرة التي تأتي من أقصى بقاع الأرض لم تختر سوى دبي من دون كل دول المنطقة لتقتدي بها وتستفيد من خبرة مركز دبي المالي العالمي في إنجاح مركز بلادها المالي الوليد الذي سيحمل اسم مركز ترينداد وتوباجو المالي العالمي.
«الأشهر القليلة الماضية كانت حُبلى بالتحديات والأحداث المهمة، وجاء تأسيس مركز ترينداد وتوباجو المالي العالمي ليضيف إلى المهام الكبرى الموكلة إلى وزارتنا التي تعتبر حجر الزاوية في خطة التنمية الكبيرة التي تعمل الحكومة على تنفيذها والتي تهدف إلى تحويل ترينداد وتوباجو إلى مركز اقتصادي عالمي رائد بحلول 2020، وهي الخطة التي نطلق عليها في ترينداد رؤية 2020. ومنذ تولي منصبي في العام الماضي تعمل وزارتنا على تنفيذ هذه الرؤية بكل حذافيرها».
وتضيف كارين: «ثمة عوامل مشتركة عديدة تربط بين ترينداد وتوباجو ومنطقة الشرق الأوسط، أهمها على الإطلاق هو أن الطرفين يعتمدان على النفط والغاز كعنصر أساسي في بناء اقتصاد الدولة.
وفي ضوء التقلبات الحاصلة في سوق النفط وتراجع المخزون، فإن حكومتنا تعمل بشكل حثيث على تنويع مواردها الاقتصادية شأن دول المنطقة هنا، وذلك وفقا لرؤية 2020، حيث نعتزم بناء اقتصاد قائم على المعرفة، الأمر الذي يدفعنا إلى تبادل الخبرات والتجارب الاقتصادية مع دول المنطقة هنا والتي تمر بالتجربة ذاتها.
وما أود التركيز عليه في إطار هذه الرؤية هو أن إنشاءنا لمركز ترينداد وتوباجو المالي العالمي كان أحد الأركان الرئيسية لتنفيذ رؤية 2020 وقد جئنا لدبي لأنها تعد مثالا يُحتذى به في خطط التنويع الاقتصادي والتحول إلى مركز مالي رئيسي في المنطقة، وهو الأمر الذي يتجلى في الدور الكبير الذي يلعبه مركز دبي المالي العالمي في نهضة دبي، حيث نعول نحن في بلادنا كثيرا على القطاع المالي الذي ساهم بنسبة 2, 14% في إجمالي الناتج المحلي لترينداد وتوباجو.
ومن خلال هذا المركز نعمل على تعزيز علاقتنا بجميع دول العالم ونسعى إلى التعاون مع الدول التي برعت في هذا المجال لاسيما دبي، والتي خطت خطوات واسعة في طريقها لتصبح أحد أكبر المراكز المالية في العالم. ومنذ أن توليت وزارة المالية في تريدناد وتوباجو، فإن تعزيز المركز المالي للدولة هو إحدى أهم أولوياتي.
وفي بداية تولي منصبي، قمت بتنظيم ندوة دعونا فيها مسؤولين من مراكز مالية عالمية رأينا أنها خطت خطوات واسعة في الارتقاء باقتصاد بلادها، وقد كان مركز دبي المالي العالمي إحدى الجهات الحاضرة بقوة في تلك الندوة التي تأكدنا من خلالها من أهمية الاستفادة من النموذج الذي تمثله دبي على الصعيد المالي العالمي، حيث تم طرح سبل التعزيز التجاري والسياحي بين الطرفين وأهمية تبادل الزيارات، ومن هنا نشأت فكرة قيامي بزيارة إلى دبي لوضع أسس تعاون مستقبلي مثمر.
وأثناء زيارتي هذه التقيت كوكبة من مسؤولي الدولة والإمارة، على رأسهم، محافظ البنك المركزي، ومحافظ مركز دبي المالي العالمي، ورئيس غرفة تجارة وصناعة دبي وعدد من مسؤولي وزارة المالية ومصرف دبي الوطني، وتوصلنا إلى اتفاقية من مركز دبي المالي العالمي.
وقد نقلت أثناء تلك الاجتماعات رغبة رئيس الوزراء في جمهورية ترينداد وتوباجو القوية في تعزيز التعاون المشترك والاستفادة من خبرات دبي والعمل من أجل وجود قوي لمركز دبي المالي العالمي في مركز ترينداد وتوباجو المالي الجديد.
وأنني على يقين من أن الاتفاقية التي تم التوصل إليها ستدفع التعاون بين الطرفين إلى آفاق أكثر رحابة في المستقبل وجذب مزيد من رجال الأعمال في دبي والعالم العربي للعمل في جمهوريتنا».
واستطردت: «إن أهم الوسائل التي ارتأينا أنها ستلعب دورا رئيسيا في عملية التنويع الاقتصادي لترينداد وتوباجو هي تأسيس مركز ترينداد وتوباجو المالي العالمي.
وقد رأينا أن هناك ثلاث دول لعب فيها مثل هذا المركز دورا حيويا في وصولها إلى ما وصلت إليه حاليا من تقدم اقتصادي يشار إليه بالبنان. هذه الدول هي ايرلندا وسنغافورة وإمارة دبي في دولة الإمارات العربية المتحدة».
«إذا نظرنا إلى الأمر من منظور اقتصادي فإننا سنرى أن هناك تيارات عالمية وأخرى محلية قد اجتمعت سويا لتسهيل وتشجيع قيام مثل هذا المركز. ففيما تواصل الدولة تحديث وتنويع اقتصادها، فإن القطاع المالي كان يواصل بشكل غير منقطع لعب دور متنامي الأهمية.
فمنذ عام 2000 كان هذا القطاع هو أسرع القطاعات غير النفطية نموا وذلك بمتوسط معدل نمو بلغ 2, 8% سنويا خلال الفترة من 2000 إلى 2007. وقد تفوق بهذه على معدل نمو القطاع غير النفطي بأكمله والذي سجل متوسط معدل نمو خلال الفترة نفسها لم يتعد 6, 5%».
وأضافت: «إن موقعنا الاستراتيجي بين الأميركتين سيساعد على جذب المزيد من رؤوس الأموال وتحويل ترينداد وتوباجو إلى سوق جذابة. بعبارة أخرى فإنه يمكن التأكيد على أنه ستتدفق إلى البلاد رؤوس أموال أجنبية كبيرة من خلال هذا المركز ليصبح بديلا إقليميا لنيويورك وميامي».
وفي هذا الصدد أكدت الوزيرة على قوة الوجود العربي والمسلم في ترينداد، حيث أشارت إلى أنه على الرغم من أن العرب والمسلمين في ترينداد لا يمثلون أكثر من 10% من القوام الكلي للسكان، إلا أنهم يتمتعون بوجود قوي على مستوى أنشطة المال والأعمال.
فهم يمثلون أطرافا فعالة وقوية ويتمتعون بنفوذ قوي على مستوى اقتصاد الدولة. «كما أن الثقافة العربية لاسيما المسلمة موجودة بقوة، فنحن نحتفي بأعياد المسلمين بشكل متواصل، مثل رمضان وعيد الفطر وعيد الأضحى، وغيرها من المناسبات الإسلامية والعربية، حيث يوجد عدد كبير من المساجد في مختلف أنحاء البلاد».
«إحدى أبرز الإشكاليات المشتركة بين دولتنا ومنطقة الشرق الأوسط أيضا تتمثل في مشكلة التضخم، وفي هذا الصدد أود التأكيد على أن أهم عوامل التضخم لدينا هو السيولة الهائلة المتوافرة في الدولة، وهو الأمر الذي يجعل من التضخم تحديا هائلا تسخر الدولة قدراً كبيراً من إمكاناتها لمجابهته والعمل على تكريس جزء كبير من إمكانات الدولة لمواجهته بالشكل الأمثل.
وفي هذا الصدد عملت الحكومة بشكل فعال خلال السنوات القليلة الماضية على علاج مشكلة البطالة وتقليصها قدر الإمكان. ولاشك أن تنويع الاقتصاد من خلال إنشاء هيئات مثل مركز ترينداد وتوباجو المالي والتي من شأنها خلق فرص عمل وتنشيط بيئة العمل هو الحل الأمثل لعلاج تحدي التضخم بما يمثله من عبء كبير ليس على ترينداد وتوباجو وحدها وإنما على مختلف دول العالم».
«نحن لدينا جميع الأدوات التي تؤهلنا إلى لعب دور فعال في الاقتصاد العالمي وجذب الاستثمارات العالمية من شتى أنحاء العالم. فترينداد وتوباجو هي أحد أكبر مصدري الغاز المسال في العالم إلى جانب كوننا أكبر مصدر للميثانول وفي طريقنا لنحتل مكانة عالية في تصدير الحديد والصلب».
«احتياطات النقد الأجنبي لدينا تصل إلى 1, 6 مليارات دولار، أي ما يكفي لتأمين واردات الدولة لعشرة أشهر مقبلة، وهو ما يفوق المعيار العالمي الذي ينص على توفير نقد عالمي يكفي الواردات لثلاثة أشهر مقبلة. وقد استطعنا خفض الدين العام من 3, 58% من إجمالي الناتج المحلي في العام المالي 2002 إلى 3, 28% في 2007 وتقليص الدين الخارجي من 17% في 2002 إلى أقل من 7% في 2007.
وأشارت الوزيرة إلى أهمية الموقع الاستراتيجي المتميز الذي تحظى به ترينداد وتوباجو، «تماماً كما هي الحال مع دبي، والموقع الوسط الذي تحتله بين الأميركتين الشمالية والجنوبية».
وفيما يتعلق بأزمة الغذاء العالمية، قالت الوزيرة: «اقتصادنا القوي قلل بشكل كبير من آثار الصدمة التي تجتاح عددا كبيرا من دول العالم. وتقدم حكومة ترينداد أنواعا متعددة من الدعم لشعبها، سواء في مجال الغذاء أو التعليم أو الكتب المدرسية أو على مستوى الرعاية الصحية.
لقد ساهم اقتصادنا القوي على توفير هذه الخدمات بشكل مجاني لأفراد شعبنا ومن ثم فإنك تجد ثقة كبيرة من جانب أفراد الشعب في سياسات الحكومة. فعلى الرغم من ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، إلا أننا ملتزمون بمنح دعم الوقود الذي تمتنع دول كثيرة عن منحه لشعوبها».
«اقتصادنا مرتبط بشكل كبير باقتصاد الولايات المتحدة الأميركية على مستوى الصادرات والواردات، الأمر الذي يجعلنا متمسكين بالارتباط بالدولار الأميركي كعملة. غير أن هذا لا يمنع وجود مناقشات حول الارتباط بسلة عملات أجنبية متعددة».
«لدينا بورصة مالية محلية عاملة بالفعل منذ سنوات، ستكون جزءا في المستقبل من بورصة الكاريبي التي ستجمع عددا من دول منطقة الكاريبي مثل جامايكا وغيرها. ولدينا مصارف تعمل وفقا للشريعة الإسلامية، الأمر الذي من شأنه تسهيل الاستثمار وعقد الصفقات مع دبي وغيرها من بلدان المنطقة».
وعن ثمار التنمية الاقتصادية في الدولة، قالت الوزيرة: «نتيجة للتحسن الذي طرأ على مستوى البطالة، زادت نسبة الاستهلاك بين المواطنين على امتداد السنوات الأخيرة، وذلك بعد أن انخفضت نسبة البطالة إلى 6, 5% من التعداد الكلي للشعب. كما ساهمت ثقة المواطنين في سياسات الحكومة في توسيع قاعدة الائتمان والقروض».
ولم تنكر الوزيرة أنه على الرغم من التحسن الكبير الذي طرأ على الاقتصاد في ترينداد وتوباجو ووجود عدد من التحديات الكبيرة والمتمثلة في زيادة الإنفاق العام وتعاظم معدلات الطلب وإدارة السيولة الخارجية.
«أولوية الحكومة في المرحلة الحالية ليست متركزة على هذه المرحلة فحسب وإنما على مستقبل اقتصاد الدولة بشكل عام. فنحن لدينا ما يعرف باسم صندوق الاستقرار والتراث، والذي من خلاله يجري التعامل مع ما سيستجد من تحديات.
فما يجري عمليا الآن هو أن الأرباح القادمة من إيرادات النفط يجري إيداعها في هذا الصندوق ومن ثم استثمارها. وتشير الإحصائيات إلى أن حجم الإيداعات في هذا الصندوق ارتفعت بنهاية العام المالي 2007 إلى 766, 1 مليار دولار أميركي».
«ونتيجة القفزات النوعية التي حققها اقتصاد ترينداد وتوباجو، فإننا حصلنا على تقديرات عالية من كبرى هيئات التصنيف المالي في العالم مثل موديز وستاندارد أند بورز، التي منحت ترينداد وتوباجو «تصنيفا ممتازا» اعترافا بما تم تحقيقه من انجازات اقتصادية قوية».
اتفاقية مع مركز دبي المالي العالمي
قالت وزيرة المالية في جمهورية ترينداد وتوباجو الواقعة في منطقة الكاريبي إنها تعمل منذ توليها حقيبة وزارة المالية على تعزيز المركز المالي للدولة، حيث بادرت في الأشهر الأولى لتوليها المنصب إلى تنظيم ندوة دعت فيها مسؤولين من مراكز مالية عالمية خطت خطوات واسعة في الارتقاء باقتصاد بلادها، وقد كان مركز دبي المالي العالمي إحدى الجهات الحاضرة بقوة في تلك الندوة.
وأضافت في هذا الشأن: «تأكدنا من خلال هذه الندوة من أهمية الاستفادة من النموذج الذي تمثله دبي على الصعيد المالي العالمي، حيث تم طرح سبل التعزيز التجاري والسياحي بين الطرفين وأهمية تبادل الزيارات، ومن هنا نشأت فكرة قيامي بزيارة إلى دبي لوضع أسس تعاون مستقبلي مثمر.
وأثناء زيارتي إلى دبي التقيت كوكبة من مسؤولي الدولة والإمارة، على رأسهم، محافظ البنك المركزي، ومحافظ مركز دبي المالي العالمي، ورئيس غرفة تجارة وصناعة دبي وعدد من مسؤولي وزارة المالية ومصرف دبي الوطني، وتوصلنا إلى اتفاقية مع مركز دبي المالي العالمي.
وقد نقلت أثناء تلك الاجتماعات رغبة رئيس الوزراء في جمهورية ترينداد وتوباجو القوية في تعزيز التعاون المشترك والاستفادة من خبرات دبي والعمل من أجل وجود قوي لمركز دبي المالي العالمي في مركز ترينداد وتوباجو المالي الجديد».
