تحتلّ الإمارات المركز الرابع عشر بين البلدان الأكثر ابتكاراً في العالم بحسب مؤشر الابتكار العالمي لمجلة وورلد بيزنس الصادرة عن جامعة INSEAD في فرنسا. وبقدر ما يجسّد التطوّر السريع الذي تشهده دبي الروح الابتكارية للمدينة، فهو يبرز الحاجة المستمرّة إلى تغذية القدرات الابتكارية في المنطقة.
وبلغت الإمارات اليوم موقعاً يخوّلها تصدّر الطليعة في مؤشر الابتكار العالمي، لما تنفرد به من قيم أُسَرية ومناخ ثقافي قلّ نظيرهما في بلدان أخرى، يمكن توظيفهما في تطبيق منهجية «الابتكار الذكي» الجديدة.
ولعلّ تبرّع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بمبلغ 10 مليارات دولار للنهوض بجهود البحث والتعليم خير شاهد على أنّ الظروف العامة مواتية لكي يدرك الزعماء في المنطقة سبل التوفيق بين التعلّم والابتكار.
في هذا السياق، تدعو دراسة حديثة أعدّتها الشركة الاستشارية «بوز أند كومباني» مديري الشركات في المنطقة إلى تعلّم الابتكار الفعليّ من أطفالهم من خلال المراقبة الدقيقة للظروف المحيطة بهم وإبداء الشجاعة والجرأة للتعلّم والاختبار وإيجاد المناخ الابتكاريّ الملائم، على غرار ما يفعل الأطفال.
وقال فابريس سابوريتو، وهو مدير أول في بوز أند كومباني في دبي، «يمتلك الأطفال قدرة على التعلّم بسرعة مذهلة تثير دهشة الأهل الذين يعتقدون أنّ قابلية أولادهم للتعلّم والابتكار مرتبطة بمرحلة نموّهم في الحياة. لكنّ التجارب الاختبارية مع مديرين كبار في شركات عالمية أثبتت أنّ القدرة الابتكارية تتأثّر بالسياق والظروف المحيطة أكثر منها بالسنّ».
ويضيف: «إنّ مراقبة الأطفال وسيلة ممتازة تستطيع الشركات من خلالها تطوير النواحي الأربع الأساسية في ما يعرف بمفهوم «الابتكار الذكي» فالمراقبة المتأنية للظروف المحيطة والقدرة على التعلّم من الآخرين عنصران جوهريان في العملية الابتكارية.
والاختبار، وهو أساس التعلّم العمليّ لدى الطفل، عامل ضروريّ في الإبداع، وغالباً ما يولّد نتائج غير متوقّعة لم تكن لتخطر ببال البالغين. أخيراً لا بدّ من تهيئة الظروف الملائمة لازدهار الشركة بما يضمن توظيف الابتكار على نحو مثمر».
وحدّد سابوريتو ثلاثة أنظمة مراقبة مختلفة تلخّص العملية الابتكارية في الشركات الحديثة وهي، المراقبة الإدارية التي تعتمد التقنيات الإدارية التقليدية في توجيه الجهود الابتكارية، ومراقبة التكلفة التي تكيّف العملية الابتكارية بغرض التركيز على الأداء في مجال محدّد، ومراقبة الرّبح التي تتولّى إدارة العملية الابتكارية كمجموعة مشاريع مختلفة.
ويتابع سابوريتو في الإطار نفسه « يشير روبرت ج. ستيرنبرغ في كتابه «الذكاء الناجح» إلى أنّ الذكاء البشري الناجح يقوم على توازن دقيق بين القابلية للاستيعاب التحليلي والاستيعاب العمليّ والاستيعاب الابتكاريّ»، مضيفاً «يتطلّب الابتكار الناجح بدوره الجمع بين القدرات التحليلية، مع ما تنطوي عليه من مهارات ابتكارية وفضول علميّ وحساسية ثقافية وميزات قيادية وسرعة خاطر، وآلية التعلّم التي تعرف بـ «الابتكار الذكي».
متطلّبات العملاء: عبّر نحو 50% من المجيبين في الدراسة الاستطلاعية الأخيرة لـ «بوز أند كومباني» وعنوانها «إتقان مهارات التعامل مع تحدّي الابتكار»، عن عدم اقتناعهم بالأساليب التي يتّبعونها حالياً لفهم احتياجات العملاء. ويدعو سابوريتو المبتكرين إلى «بذل قصارى الجهد لاستيعاب احتياجات عملائهم وأولويّاتهم المتغيّرة، وتشجيعهم على المشاركة في العملية الابتكارية».
وحدّد التقرير أربعة مجالات يتعلّم فيها المديرون من عملائهم في العملية الابتكارية. وفهم تجربة العميل في الشراء وكذا التعاون مع العملاء وجعل الموظفين في مكان المستخدمين بتقويم حسنات المنتجات وعيوبها باختبارها على الموظفّين والحرص على التواصل والتنسيق المستمرّ بين فريق تصميم المنتجات والعملاء. وفهم التأثير الماليّ من وجهة نظر العميل وهو محور أساسيّ في العملية الابتكارية يساعد على تقييم مدى ملاءمة منتج أو خدمة ما للقدرة الشرائية للعميل.
التعلّم من تجارب مماثلة: يجب أن يكون للشركة آلية أو شبكة فعّالة تمكّنها من مشاركة الآراء ووجهات النظر مع مختلف المعنيّين، وبخاصة العاملين في البحث والتطوير. ويوضح سابوريتو في هذا الإطار «يستلزم بناء شبكة ابتكارية ثلاثة عناصر هي قدرات البحث، والوصول إلى المعرفة والمهارات، والجمع بين الشركاء».
ويتميّز أصحاب «الابتكار الذكي» بقدرات حسيّة متقدّمة تدفعهم إلى البحث عن المعرفة والمهارات على مستوى شموليّ ودراسة التقدّم والتطوّر في مجالات قريبة من مجال نشاطهم. وهم يعتمدون في بحوثهم على مجموعة متنوّعة من القنوات تشمل مقدّمي الخدمات والهيئات والجمعيات والمؤتمرات والمؤلفات والمنشورات والإنترنت، ويراقبون القدرات الابتكارية لموظّفيهم وخبراتهم الفنية، ومدى إلمامهم بظروف العمل، والعلاقات القائمة فيما بينهم.
الوصول إلى المعرفة والمهارات حيث يختار أصحاب «الابتكار الذكي» السبيل الأمثل للوصول إلى المعرفة والمهارات الضرورية سواء عبر شراكات خارجية أو بالاعتماد على الموارد والقدرات الداخلية، وذلك على أساس توازن دقيق بين قيمة المعرفة وتكلفة الوصول إليها.
وغالباً ما تكون هذه الشراكات وسيلة أقل تكلفة لتحقيق الغاية المرجوّة، وتحثّ الشركات على الانفتاح على العالم الخارجي. والجمع بين الشركاء حيث يجمع أصحاب الابتكار الذكي بين الشركاء في إطار شبكة ابتكارية متناسقة توفّق بين الهيكليات والإجراءات المختلفة وتسهّل التعاون. ويؤكّد ذلك التزام الإدارة العليا تجاه الشركاء ويوفّر الحوافز الضرورية لقيام تعاون حقيقي.
ويؤكّد سابوريتو أهمية «استخدام طريقة التخطيط الاستراتيجي القائم على سيناريوهات مستقبلية افتراضية بهدف تحديد الفرص والمخاطر التي قد تطرحها السوق مستقبلاً وتشجيع الابتكار»، مشيراً إلى أنّ «هذه الطريقة تسمح بتحليل بيانات البحث، وإجراء بحوث إضافية تركّز على رسم رؤيً واقعية للمستقبل». ويقتضي التطّلع إلى المستقبل اتخاذ خطوات بسيطة:
جمع المعلومات مع التركيز على الاتجاهات العامة في مجال النشاط المعنيّ، بمشاركة وحدات العمل المختلفة وفريق البحوث وبالاستعانة بشبكات البحث المتاحة. وتحليل المعلومات عبر اللجوء إلى وسائل مثبتة كطريقة (Scenario planning) أو تمارين المحاكاة بهدف تصوّر الاتجاهات المستقبلية الممكنة والانطلاق منها لرسم خطط التطوير المستقبلية.
تنظيم الابتكار: يشعر 52% من المجيبين أنّهم يفتقرون إلى الثقافة الابتكارية على الرّغم من أنّها تحلّ رابعةً بين مجموعة التحسينات الضرورية في مؤسساتهم.
وبالنظر إلى أهمية إطلاق القدرات الابتكارية الكامنة، يسعى أصحاب الابتكار الذكي من أجل ترسيخ مبادئ الابتكار الذكي في «الحمض النووي» لمؤسساتهم. ويتضمّن مفهوم «الحمض النووي» للشركات أربعة محاور للتنظيم الفعّال، وهي حقوق اتخاذ القرارات، والمعلومات، والثقافة التحفيزيّة والهيكلية.
