تشهد أوروبا سباقاً محموماً بين مشروعي خطين عملاقين للأنابيب، سينقلان الغاز الطبيعي، إلى القارة الأوروبية من بحر قزوين وما وراء تلك الحدود. لكن أحد المشروعين، الذي رسم في أوروبا، ورعته واشنطن، وسمي باسم أوبرا فيردي، تعثر بسبب البيروقراطية، فيما يسير الآخر الذي يدعمه الكرملين، قدما بسرعة ونجاح إلى درجة أذهلت الغرب وأدخلته في جو من الحيرة والإحباط.
وقالت صحيفة وول ستريت جورنال، إن المحصلة، قد تعيد صياغة موارد الطاقة، والنفوذ السياسي، في أوروبا لعقود قادمة. وأضافت الصحيفة أن أوروبا كانت متلهفة لخفض اعتمادها على الوقود الروسي منذ أن أوقفت موسكو صادرات الغاز إلى أوكرانيا منذ ما يقارب العامين، في نزاع على الأسعار نجم عنه انقطاع الواردات إلى أوروبا الغربية منتصف الشتاء، وقد جاء رد الاتحاد الأوروبي على شكل اقتراح لتمديد خط أنابيب نابوكو والذي سينقل الغاز من آسيا الوسطى، وبحر قزوين دون مروره بالأراضي الروسية.
غير أنه وفي وقت مبكر من العام وقبل انتهاء ولايته بشهرين، صعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ضغوطه الدبلوماسية بالأصالة عن خط الأنابيب الذي اقترحه الكرملين، والمسمى ساوث ستريم، وحصلت موسكو على دعم بعض دول أوروبا الشرقية التي كانت تسير في فلكها، والتي سيمر الخط الجديد في أراضيها ومن بينها هنغاريا أحد الموقعين على مخطط نابوبكو المنافس.
وفي هذا الصدد قال آبل جاراماهيجي، أحد كبار المسؤولين في وزارة الاقتصاد الهنغارية «إن الروس كانوا أكثر سرعة». وأشارت وول ستريت جورنال إلى أن أسعار الوقود الخام المرتفعة، عززت مكانة روسيا التي تمتلك أكبر مخزون للغاز الطبيعي في العالم، لتصبح قوة عالمية في مجال الطاقة.
حيث تزود جازبروم، حاليا أقل ربع احتياجات الاتحاد الأوروبي من الغاز. وفي المقابل، يتخوف البعض في العواصم الغربية القلقة أصلا من هيمنة جازبروم، من أن وجود خطوط أنابيب إضافية قد يمكن موسكو من استيلاء روسيا على أكبر عملائهم.
وفي هذا الصدد قال مات برايز، مساعد وزير الخارجية الأميركية، للشؤون الأوروبية والروسية، الذي قاد الحملة لإفشال خط ساوث ستريم، «إن المسألة تتعلق بممارسة جازبروم، احتكارية الغاز الحكومية لضغوط احتكارية، لتقييد المنافسة»، مضيفا «بأن الروس يريدون الإبقاء على اعتماد حلفائنا على جازبروم، للمحافظة على ارتفاع أسعار الغاز».
ومن الجدير بالذكر أن خط نابوكو، كان مفترضا أن يساعد الأوروبيين في تنويع وارداتهم. ففي عام 2002، رسمت خمس شركات لنقل الغاز، من تركيا والنمسا وبلغاريا هنغاريا ورومانيا، خطة لإقامة خط للأنابيب طوله 3300 كيلو متر، وبكلفة 5 مليارات يورو، من شأنه نقل الغاز من حوض قزوين، والشرق الأوسط عبر تركيا إلى وجهة الغاز الأوروبية بالقرب من فيينا، وقد طلب التحالف إجراء دراسة للجدوى، والتقوا بعد عامين في فيينا، للمصادقة عليه.
واحتفالا بالمناسبة ذهب الفرقاء، لمشاهدة نابوكو، أوبرا فيردي. وإعجابا منهم بالأوبرا أطلقوا اسمها على المشروع. وقد رد الرئيس بوتين على ذلك بقوله، «لا يسعكم بناء خط للأنابيب، إلا إذا كان عندكم الغاز لنقله» وكان محقا في ذلك، فالشركات التي ستبني نابوبكو، لا تستخرج الغاز بنفسها، وأنظمة الاتحاد الأوروبية الخاصة بمكافحة الاحتكار، تمنع منتجي الغاز من بناء وامتلاك بنية تحتية لنقل وقودها.
في غضون ذلك بدأ الروس بدراسة خطة منافسة، مستوحاة من بلو ستريم، خط أنابيب جازبروم المكلف الذي بنوه مع عملاقة الطاقة الإيطالية، إيني، لضخ الغاز الروسي إلى تركيا على امتداد البحر الأسود. وفي نوفمبر، 2005، عندما التقى الزعماء الروس والأتراك، والإيطاليين، في ميناء سامسون التركي لتدشين الخط، قال الرئيس بوتين متباهيا، بأنها مجرد البداية.
وأضاف متسائلا' لم لا نبني خطا آخر يمر بالبحر الأسود مباشرة إلى بلغاريا. وبعد خمسة أشهر، وفي احتفال في روما وقع رؤساء جازبروم، وإيني، على صفقة بعشرة مليارات يورو، لبناء خط تحت البحر الأسود لنقل الغاز من روسيا إلى أوروبا.
وكان ألكساندر مدفيديف، رئيس جازبروم، انتقد معارضة الولايات المتحدة، لمشروع خط الأنابيب قائلا «إن معارضة ساوث ستريم ونورد ستريم تقود أوروبا إلى مجاعة في الطاقة. وأضاف متسائلا كيف سيمكن بعد ذلك إرواء ذلك الجوع، مشيرا إلى مثل روسي يقول «لا يمكن إطعام العنادل بالحكايات الخرافية».
ترجمة ـ وائل الخطيب
