تضافرت عوامل الفساد وإزالة المنازل غير المرخصة وارتفاع المعروض من العقارات باهظة الثمن لتوصل إلى حالة ركود في سوق العقارات الاسبانية، إلا أن انخفاض الأسعار لم يفتح شهية المستثمر الاماراتي لاقتناص الفرص على عادته.

وأصاب الركود المدن الساحلية السياحية الأسبانية التي كانت ذات مرة أهم سوق عقارات الوطن الثاني للمستثمرين من اوروبا. وقد يكون تخلي المستثمرين عن أسهم الشركات العقارية الاسبانية هو البداية الرسمية لانتهاء الطفرة العقارية الاسبانية التي استمرت 10 سنوات، بسبب أسهم شركة «استروك» للتطوير العقاري التي باع المستثمرون أسهمها بالجملة في مطلع العام الجاري مما أدى إلى انهيارها.

وأدى هذا بخبراء الاقتصاد إلى التذكير بالتحذيرات التي يطلقوها من فترة طويلة بشأن اعتماد اسبانيا الكبير على القطاع العقاري الذي يمثل 18% من اجمالي ناتجها المحلي، مما يجعله اقتصادا غير مستقر. وتضافرت عدة عوامل تشمل الفساد وإزالة المنازل العشوائية غير المرخصة وارتفاع المعروض من العقارات باهظة الثمن لكي تؤدي إلى هذا الانهيار في الأسعار وبالتالي الركود، الذي تفاقم بفعل أزمة الائتمان العالمية ايضا.

وقالت صحيفة الاندبندنت البريطانية إن المستثمرين يحجمون والأسعار تهبط بسرعة غير عادية. وانخفض بيع المنازل في اسبانيا بنسبة 27% في بداية العام الجاري مقارنة بنفس الفترة من العام السابق وفق احصاءات المعهد الوطني الاسباني للإحصاء. وقد يكون في هذا في نفس الوقت حافزا لمن يريد أن يشتري منزلا لوطن ثان في اسبانيا حسب قول الصحيفة البريطانية.

رهائن اللعبة

ولا يبدو المستثمر الإماراتي متحمسا لطرق أبواب السوق العقاري في اسبانيا حسبما ذكر مستثمرون محليون بقدر كونهم يفضلون الذهاب إلى بلدان المغرب العربي في تونس أو المغرب كما فعلت دبي القابضة باطلاق مشاريع عقارية ضخمة متعددة الاستخدامات. وقالوا ل«البيان» أن السوق العقاري الاسباني يعاني من جملة مشاكل تكفي لكسر ظهره!!».

وأوضحوا «بأن شيخوخة القوانين وعصابات غسيل الأموال والمضاربين تشكل أسبابا قوية تجعلنا لا نفكر بالتوجه إلى تلك السوق على الرغم مما يتمتع به ذلك البلد من بنية تحتية متقدمة ومناخ جيد وأسلوب حياة متوازن، وطبيعة ساحرة، وسهولة السفر منه واليه». مؤكدين «بأننا لا نريد أن نكون رهائن في لعبة لا نعلم عنها شيئا، لا سيما وان مجالس المدن الاسبانية ومطوري العقارات والمحامين يرتبطون معا بشبكة مصالح يغلب عليها الفساد احيانا، وغالبا ما يعمل اولئك لمصالحهم الشخصية وليس لمصلحة المستثمر».

وتساءل احد المستثمرين المحليين «كيف تريد أن نستثمر في سوق عقاري لم يتوان البرلمان الاوروبي عن وصف ما يحدث فيه بالمهزلة»؟! وقال مستثمر إماراتي فضل عدم ذكر اسمه أن نسبة النمو في السوق العقاري الاسباني تساوي نسبة هبوطه!! ولكنها استقرت الآن عند 7% سنويا بينما كانت قبل أعوام تصل إلى 17%».

ويوضح «ربما هذا التراجع صحي للغاية للسوق العقاري هناك على الاقل حتى تتوقف موجة البناء السريع (والتي كانت في اغلبها غير قانونية) كما انها قد تلجم رغبات المضاربين وتزيح عصابات غسيل الأموال وبائعي العقارات على الخريطة من المشهد العقاري المتهالك بسبب عدم وجود قوانين مشجعة على شراء العقار في ذلك البلد».

ولا يستطيع أحد بالطبع أن يؤكد متى سوف يحدث الارتفاع التالي. ويمكن أن تتراجع الأسعار بدرجة أكبر. غير انه إذا كان المستثمر يهتم بالفكرة وامتلاك عقار في اسبانيا فقد يدفع لكي يتعرف على مدى انخفاض الأسعار. من جهته، قال مانويل فايي، المستشار التجاري والاقتصادي في السفارة الاسبانية، إن بناء المساكن في اسبانيا خلال السنوات الخمس الماضية قد جاوز مثيله في ايطاليا وفرنسا والمانيا:» وبسبب أزمة الائتمان سوف نلجأ إلى بناء مساكن أقل بنسبة 30% هذا العام».

شراكة متميزة

وتحدث عن العلاقات الاقتصادية الوطيدة بين البلدين، أكد مانويل فايي، المستشار التجاري والاقتصادي في السفارة الإسبانية بدبي، في حوار خاص مع «البيان الاقتصادي» نمو العلاقات التجارية بين إسبانيا والإمارات، قائلا إن صادرات إسبانيا للإمارات نمت العام الماضي بنسبة 30 % لتسجل مليار يورو، مشيراً إلى أن إسبانيا تصدر للإمارات عشرة أضعاف ما تستورده منها، كونها لا تستورد النفط الإماراتي.

وقال: نحن سعداء بمستوى العلاقات التجارية بين البلدين، فقد نمت صادرات إسبانيا للإمارات العام الماضي بنسبة 30 % لتسجل مليار يورو، حيث يأتي استيرادنا النفطي بشكل أكبر من السعودية، نيجيريا وفنزويلا، وتستورد إسبانيا ما قيمته 100 مليون يورو من الإمارات، لذلك أرى أن هناك فرصة كبيرة متاحة لتحسين وتقريب أرقام التبادل التجاري بين البلدين. ونحن بالتأكيد نسعى لتوثيق أكبر للعلاقات التجارية بين البلدين.

وهناك أيضا وجود لأكثر من 100 شركة إسبانية في الإمارات، فيما تحتضن الإمارات أكثر من 1000 مواطن إسباني، والعدد في نمو متزايد، وقد لاحظنا مؤخرا وجود رغبة لدى الإسبان لدخول أكبر للسوق الإماراتية وأسواق المنطقة الخليجية، فالشركات الإسبانية لها وجود قوي في مراكز التسوق في الإمارات حيث تنتشر مخازن «زارا، مانغو، مارسيمو ديوتي، ساراخوم..الخ.

كما تعتزم سلسلة بنوك «سانتانديز» الإسبانية تأسيس مكاتب تمثيل لها في دبي قريبا وخاصة أن بنوك «سانتانديز» تعد خامس أكبر بنوك في العالم من حيث تسجيل الأرباح حيث كانت قد سجلت أرباحا العام الماضي بلغ إجماليها 9 مليارات يورو. ولم يتطرق إلى إحجام الاماراتيين عن دخول سوق العقارات، خاصة في ظل أزمات الفساد التي تسيطر على السوق.

وتمثل فضيحة ماربيلا أقوى حالة فساد في السوق العقاري الاسباني حيث قام بعض موظفي بلدية ماربيا السياحية بالتورط في قضايا فساد أودت بهم في السجن. وقامت السلطات عقب كشف تلك الحالات بعمليات إزالة للعديد من العقارات التي بنيت بطرق غيرمشروعة.وبعيدا عن ماربيا فقد كشفت صحف اسبانية بأن السلطات تدرس خططا لازالة مئات الوحدات السكنية.

الغريب حقا هو توجه المستثمرين الاسبان إلى الاستثمار في عقارات المغرب العربي والى درجة منافسة المستثمرين المحليين والأجانب ففي المغرب التي تنتج مليون وحدة سكنية ولا يزال الطلب فيها متفوقا جدا على العرض يرى المستثمر الاسباني فرص ربح كبيرة دفعته إلى مزاحمة الفرنسيين إذ بلغ حجم الاستثمارات الإسبانية نحو 15 مليار درهم عامي 2006 و2007، حسب أرقام وزارة السياحة المغربية.

نحو فرنسا

واستطاعت الشركات الإسبانية اختراق المجال الحيوي لفرنسا بفضل تحالفات وشراكات مع مجموعات عقارية مغربية كبرى.وإلى جانب التسهيلات المغربية تتمتع الشركات الإسبانية بدعم سياسي ومالي وإعلامي من طرف حكومتها لفتح جميع أبواب المغرب لهم. وتعتبر المملكة المغربية أول وجهة مفضلة لإسبانيا في مجال الاستثمار لقربها الجغرافي والميراث التاريخي المشترك.

وربما لم يشهد السوق العقاري الاسباني خطوة خليجية جريئة كتلك التي اتخذها رجال أعمال سعوديون ومستثمرون بالتوافد على تملك وحدات سكنية مؤثثة بالكامل تبعد عن العاصمة الإسبانية برشلونة 150 كم، حيث يبلغ حجم استثمارات السعوديين في أسبانيا نحو 7 مليارات يورو، ما دفع بشركة سعودية إلى تسويق مشروع عقاري في مدينة ماربيا بتكلفة 6 مليارات يورو وهو عبارة عن منتجعات سياحية.

يقول ديريك بيلاني من الوكالة المستقلة للعقارات إن المشترين الذين ظلوا بعيدا بسبب ارتفاع الأسعار يستفيدون الآن من الانخفاض الشديد فيها. وأكد أن كل الأسباب التي تجعل المستثمرين يحبون الشراء في اسبانيا لا تزال قائمة. فاسبانيا تبعد عن بريطانيا ساعتين بالطائرة والمناخ رائع والشواطئ خلابة وهناك كل المميزات التي يحبها الناس. لكن السوق تغيرت والذين سيحققون أكبر فائدة هم الذين يريدون منزلا للعطلات وليس الاستثمار فقط.

ومن الممكن الحصول على فيلات جميلة ومساكن فاخرة في مواقع طيبة انخفضت أسعارها بمقدار يتراوح بين 20 و80 ألف استرليني. وهناك بعض العقارات الفاخرة جدا تصل إلى مليون استرليني فقدت من سعرها 200 ألف استرليني على الأقل خلال الأشهر القليلة الماضية.

ويتجه البائعون ايضا إلى البيع بالمزادات حيث يمكن أن تباع العقارات بسرعة لكن بأسعار منخفضة. وتحتوي قوائم موقع ديركت اوكشن الالكتروني عقارات بأسعار تقل 60% عن أسعارها السابقة. وكانت البنوك بطيئة في تغير معايير التقييم والاستفادة من الانهيار في الأسعار غير أن بياناتها توضح التخفيضات المتاحة حاليا.

وكان سعر الشقة من غرفتي نوم بالقرب من فوينجريولا مثلا يصل إلى 148 الف استرليني لكن انخفض الآن إلى 84 الف استرليني فقط.ومع انخفاض الأسعار العقارية تقول شركة( ديركت اوكشن) إن البنوك بطيئة في بيع العقارات ( التي عجز السمتثمرون عن دفع رهوناتها العقارية) لتغطية قروضها العقارية لكن الشركة تتوقع طرح مزيد من العقارات في السوق خلال العامين المقبلين مما يعني أن من ينوي ممارسة لعبة الانتظار يمكنه أن يحصل على سعر منخفض جدا.

وغالبية العقارات التي انخفض سعرها بشدة هي بنايات جديدة اشتراها المستثمرون على أمل البيع قبل الانتهاء من تسديد القروض العقارية. غير أن هناك عقارات ريفية ايضا ممتازة تباع بأسعار شديدة الانخفاض لأن المستثمرين فقدوا القدرة على السداد.

وقال ديريك بيلاني انه أوقف البيع من بضع سنوات عندما رأى السوق تشتعل ويقول إن الوكالات التي تتحلى بمسؤولية اكبر سعيدة لحدوث الفضائح الأخيرة وجعلت قوى السوق تلك الصناعة أكثر شفافية. ولابد من نظافة السوق. فقد كانت العقارات ينظر إليها على أنها مجرد سلعة وكان الناس يشترون بدافع الطمع دون الشعور بأي مشاعر أخرى.

%18

توسع للشركات الاسبانية في الامارات

هناك وجود لأكثر من مئة شركة إسبانية بمكاتبها في الإمارات، وإضافة إلى ذلك العدد تزور أكثر من 1000 شركة إسبانية أسواق الإمارات سنويا، سواء من خلال المعارض التجارية، أومن خلال البعثات التجارية، كما أن القسم التجاري في السفارة الإسبانية يقوم بترتيب أجندة لتلك الشركات الزائرة خلال وجودها في الإمارات لتعريفها بالفرص التجارية والاستثمارية المتاحة.

ومؤخرا زار الإمارات 13 شركة إسبانية عاملة في إدارة الفنادق، كما ستزورها 40 شركة إسبانية متخصصة في قطاع الموضة في أكتوبر المقبل، في حين حضرت 50 شركة إسبانية في الأسابيع القليلة الماضية، كان منها 30 شركة عاملة في الشرق الأوسط.

شركات الفندقة الاسبانية مشغولة في الداخل

تتوجه الشركات الإسبانية العاملة في قطاع الفندقة للإمارات، وهناك شركات إسبانية مثل «بارسيلو» و«مليا» تخططان لافتتاح فنادق في أبوظبي وأم القيوين، وهناك أيضا سلسلة فنادق «إفوروتيل» في الفجيرة. وتعود قلة نشاط الشركات الإسبانية العاملة في قطاع الفندقة في الإمارات والمنطقة إلى كون تلك الشركات نشيطة جدا في إسبانيا، أوروبا وأميركا اللاتينية.

فهناك رغبة كبيرة لدى الشركات الإسبانية للاستثمار في قطاع الفنادق في أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، كون سكانها يتحدثون الإسبانية، نظرا للروابط التاريخية لأسبانيا مع تلك المناطق، كما هو الحال مع بريطانيا، والتي كانت ترتبط بعلاقات تاريخية مع هذه المنطقة.

دبي ـ مشرق علي حيدر، اشرف رفيق