قال البنك الدولي في أحدث تقرير له حول «تمويل التنمية العالمية 2008» ان وتيرة النمو الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي باتت تتسم بصورة متزايدة باعتمادها على محركين رئيسيين هما تحسن أسعار النفط، والتنويع الاقتصادي خارج القطاعات غير النفطية، في الوقت نفسه، فان تلك الدول، وبفضل زيادة الفائض في الحساب الجاري إلى نحو 132 مليار دولار عام 2008، باتت تلعب دورا متزايدا كبلدان مصدرة لرؤوس الأموال إلى بقية الدول النامية، وخاصة البلدان العربية حيث تقدر حجم تلك الأموال بنحو 30 مليار دولار عام 2008.
وقال التقرير ان دول مجلس التعاون الخليجي وبقية دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا لم تتأثر تقريبا بأزمة الرهن العقاري الأميركية، حيث تقدر حجم التدفقات الاستثمارية للدول النامية بنحو تريليون دولار عام 2007. وقدر التقرير أن يصل معدل النمو الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي إلى ما يقارب 6% عام 2008 وبقية دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا 7. 5%، وهي أعلى معدلات نمو خلال 12 عاما. كما أن ذلك النمو بدأ يفرز نتائج إيجابية على الوظائف، حيث نمت قوة العمل الوطنية بنحو 4. 3% سنويا ما بين 2002 و2007.
كما قدر التقرير أن تبلغ العوائد النفطية نحو 130 مليار دولار عام 2008 بزيادة قدرها 7. 6% عن هام 2007 بسبب زيادة أسعار النفط بمتوسط 6. 10%. في الوقت نفسه، زاد الفائض في الحساب الجاري بصورة حادة من 77 مليار دولار عام 2007 إلى 132 مليار دولار عام 2008، حيث بات يمثل 3. 21% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2008 بالمقارنة مع 6. 15% عام 2007.
وقال التقرير ان من التحديات الرئيسية التي باتت تواجه دول المنطقة وبقية دول منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا هي تعرضها لموجة من الغلاء والتضخم بحيث باتت تفرز انعكاسات على الاستقرار المالي والاقتصادي. وعلى الرغم من أن دول المجلس لا تعاني من أزمة جوع كما هو الحال في بعض دول المنطقة، إلا أن استمرار ارتفاع أسعار النفط على المدى المتوسط سوف يزيد من سخونة معدلات التضخم وقد يحدث المزيد من التذمر الشعبي والاجتماعي.
من جهة أخرى، قال التقرير انه في أعقاب الاضطرابات المالية التي شهدتها البلدان ذات الدخل المرتفع، ووسط أزمة ارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة، فان معدلات النمو في البلدان النامية تشهد في الوقت الراهن تباطؤاً طفيفاً إلا أنها مازالت قوية. ومن المتوقع أن تنخفض تدفقات رؤوس الأموال الخاصة إلى الأسواق الصاعدة، التي سجلت رقماً قياسياً مقداره تريليون دولار أميركي في عام 2007، إلى نحو 800 مليار دولار بحلول عام 2009، إلا أن ذلك سيظل ثاني أعلى مستوى على الإطلاق.
ويتوقع التقرير حدوث تباطؤ في نمو إجمالي الناتج المحلي العالمي من 7. 3% في عام 2007 إلى 7. 2% في عام 2008، في حين من المتوقع أن يتباطأ معدل النمو في البلدان النامية تباطؤاً طفيفاً من المستوى التاريخي الذي بلغ 8. 7% في عام 2007 إلى 5. 6% في عام 2008.
وفي معرض حديثه عما ورد في هذا التقرير، يقول يوري دادوش، مدير مجموعة آفاق التنمية وإدارة التجارة الدولية في البنك الدولي، «من المؤكد أن النمو القوي في بلدان العالم النامية يساعد في الوقت الحالي على الحد من حدة الآثار المترتبة على التباطؤ الحاد في الولايات المتحدة.
ولكن في الوقت نفسه، فإن الضغوط التضخمية المتزايدة على مستوى العالم ـ وبخاصة فيما يتعلق بارتفاع أسعار الغذاء والطاقة ـ تلحق الضرر بشرائح كبيرة من الفقراء في مختلف أصقاع العالم». تجدر الإشارة إلى أن النمو الذي شهدته البلدان النامية في السنوات الأخيرة يرجع في جانب منه إلى الزيادة الكبيرة في تدفقات رؤوس الأموال.
ومنها الزيادة في عدد البنوك الأجنبية التي وسعت وجودها في البلدان النامية عن طريق عمليات الاستحواذ وإنشاء فروع محلية تابعة. وحتى منتصف شهر يونيو2007، بلغ حجم المطالبات الأجنبية على مواطني البلدان النامية للبنوك الدولية الرئيسية ما قيمته 1. 3 تريليونات دولار مقابل 1. 1 تريليون دولار في نهاية عام 2002.
وقال منصور الديليمي، مدير قسم التمويل الدولي في مجموعة آفاق التنمية، والمؤلف الرئيسي لهذا التقرير، «إن وجود البنوك الأجنبية في البلدان النامية يؤدي إلى توسيع القدرة على الحصول على الائتمان والخدمات المالية، الأمر الذي يمكنه أن يحفز الكفاءة والابتكار في البنوك المحلية.
إلا أن انتقال الآثار المضاعفة للصدمات في الأسواق الأميركية والأوروبية إلى بعض الأسواق المالية في البلدان النامية يبرز أهمية الحاجة إلى تحسين وزيادة تنسيق اللوائح التنظيمية المالية، وتوفير السيولة، وإدارة الاقتصاد الكلي».
ويحذر هذا التقرير من أن البلدان التي لديها احتياجات تمويلية كبيرة من الخارج هي الأكثر تعرّضاً لانكماش أحجام السيولة المتوفرة للإقراض )ْمليُّ َِّْكو(، ولاسيما نظراً لمساهمة التدفقات الداخلة من الديون الخاصة إلى القطاع المصرفي في تسريع وتيرة التوسع في الائتمان المحلي، الأمر الذي أدى بدوره إلى تزايد الضغوط التضخمية. وفي عامي 2007 و2008، كان العديد من البلدان في أوروبا وآسيا الوسطى، وعدد قليل مختار في أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي وافريقيا جنوب الصحراء هي الأكثر عرضةً للمخاطر.
وقبل عام من الآن، بلغ مجموع احتياطيات البلدان النامية من النقد الأجنبي 2. 3 تريليونات دولار، وكان العديد من البلدان يحقق نمواً اقتصادياً قوياً، كما كانت أسواق رؤوس الأموال الصاعدة في حالة انتعاش، وبلغ هامش أسعار الفائدة على السندات السيادية في الأسواق الصاعدة مستويات منخفضة قياسية.
إلا أنه مع بدء أزمة الرهن العقاري (قروض الرهن العقاري ذات التصنيف الائتماني المنخفض َِّّق-ِْيٍم كْيَّيَّ) في الولايات المتحدة، تدهورت أوضاع الائتمان بشكل ملحوظ. ومع ذلك، فقد أظهرت الأسواق الصاعدة قدراً كبيراً من المرونة إلى الآن في مواجهة تلك الأوضاع، ولكن ميزان المخاطر قد أصبح بالفعل يميل بوضوح إلى اتجاه الهبوط.
وعلى الرغم من ذلك الانخفاض، فإن معدل النمو المتوقع في البلدان النامية البالغ 4. 6 في المئة في الفترة 2009-2010 يُعتبر أعلى من المتوسط السائد في النصف الأول من هذا العقد (6. 5 في المئة) وأعلى كثيراً من المتوسط السائد في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين (4. 3 في المئة). ويبين ذلك الزيادة الكبيرة في إمكانات النمو الأساسية في البلدان النامية في ظل تحسن السياسات الهيكلية وسياسات الاقتصاد الكلي في السنوات الأخيرة.
ويشكل ارتفاع أسعار السلع الأولية أحد مصادر القلق الرئيسية، حيث ارتفعت أسعار كل من منتجات الطاقة والمواد الغذائية في الأسواق العالمية بواقع 25 في المئة بالقيمة الاسمية خلال النصف الثاني من عام 2007. وفيما يتعلق بالنفط، فإن الزيادة في الأسعار تعود في معظمها إلى سنوات من نقص الاستثمارات وقلة العرض.
أما بالنسبة للمواد الغذائية والسلع الأولية الزراعية، فإن الطلب على الوقود الحيوي في الولايات المتحدة وأوروبا يشكل الدافع الرئيسي وراء ارتفاع أسعارها، أضف إلى ذلك ارتفاع أسعار الأسمدة ومدخلات الطاقة، وقيام بعض البلدان بفرض حظر على صادراتها من المحاصيل الغذائية الأساسية.
الجدير بالذكر أن هذا الحظر يؤدي إلى تفاقم نقص المعروض في الأسواق العالمية في الأمد القصير، ويمكن كذلك أن يؤدي إلى الحد من استجابة جانب العرض لارتفاع الأسعار على الأمد الطويل. علاوة على ذلك، أدى سوء الأحوال الجوية إلى خفض الإنتاج في بعض البلدان، كما أدت المضاربات في أسواق السلع الأولية إلى دفع الأسعار إلى الصعود.
وكان ارتفاع أسعار الحبوب هو الأكبر على الإطلاق ـ خلال الأشهر الأولى من عام 2008، حيث ازدادت بواقع الضعف مقارنة بالعام الماضي. إن ارتفاع أسعار المواد الغذائية ومنتجات الطاقة يشكل الآن القوة الدافعة الرئيسية وراء ارتفاع معدلات التضخم في أنحاء البلدان النامية ـ والمثير للقلق في هذا الصدد هو أن الفقراء هم أكثر المتضررين من جراء هذه الزيادة.
المنامة ـ حسن العالي
