كشفت احدث التقارير الصادرة عن دائرة التخطيط والاقتصاد في أبوظبي عن ارتفاع معدل التضخم في الإمارة من 7. 10% نهاية العام الماضي إلى 5. 11% خلال الربع الأول من العام الجاري، وذلك في أعقاب موجة تضخمية تبلورت من خلال زيادات كبيرة في الأسعار شملت طائفة متنوعة من السلع والمنتجات الأساسية في الشهور الثلاثة الأولى من العام الجاري.

مؤكدة أن الأسعار في طريقها إلى مستويات غير مقبولة في ظل الارتفاعات المتوالية لأسعار المواد الأولية والإيجارات وتكاليف العمل التجاري وانخفاض قيمة الدرهم، والتوسع الكبير في الإنفاق الحكومي. وأكد التقرير انه وفي ظل تعطل آليات السياسة النقدية، بسبب الارتباط ما بين الدرهم بالدولار، تصبح الإيجارات وأسعار الوقود بمنزلة مفاتيح الحل المتاحة للحد من مشكلة التضخم في الدولة، رغم وجود موجة تضخمية جديدة تتبلور من خلال زيادات كبيرة ومتتالية تشهدها أسعار الوقود حاليا، حيث ارتفع سعر وقود الديزل بنسبة 52% خلال الشهور الأربعة الماضية. وفي عرضها لأهم المرتكزات التي يجب العمل من خلالها لمعالجة ظاهرة التضخم طالبت دائرة التخطيط والاقتصاد بإعادة النظر في القوانين واللوائح المنظمة لسوق العقارات، كما اقترحت إعادة النظر في أسعار المحروقات في السوق المحلية، ووضع آليات اتحادية لدعم أسعار المشتقات النفطية التي تدخل في تكاليف النقل وعدد من الصناعات الحيوية.

وشددت الدائرة على ضرورة تفعيل أدوات السياسة المالية لمواجهة التضخم، وذلك من خلال التحكم في مستويات السيولة النقدية بالإضافة إلى إعادة النظر في دور الجمعيات التعاونية، والرسوم الحكومية، وإزالة الاحتكار بجميع أشكاله وأكد التقرير ان إيجاد حلول عملية تحد من ظاهرة ارتفاع أسعار السلع والخدمات يشكل أهمية كبيرة لصانعي القرار في أبوظبي والإمارات.

وأوضح ان الأسباب العامة وراء هذه الظاهرة في إمارة أبوظبي والدولة ناجمة عن عوامل داخلية وأخرى خارجية، متداخلة بعضها في بعض. ويشكل ارتفاع الإيجارات وأسعار الوقود وحجم السيولة في السوق المحلية عوامل رئيسية في زيادة مستويات التضخم في السوق المحلية، بينما يتسبب انخفاض قيمة الدولار في صدمات تضخمية متعددة الوجوه ناجمة عن انخفاض قيمة الدرهم وارتفاع أسعار السلع المستوردة من الدول خارج نفوذ الدولار.

ملاحظات عامة

* التضخم هو الزيادة المفرطة والمستمرة في أسعار السلع والخدمات، حيث تشكل معدلات التضخم التي تتجاوز 5% خطورة مباشرة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، أما بالنسبة للإمارات فإن المعدل بلغ نهاية عام 2006 نحو 3. 9%، بينما بلغ نهاية العام الماضي 9. 10%.

* في الأسواق التنافسية يكون التضخم إما ناتجا عن زيادة تكاليف عوامل الإنتاج، أو زيادة الطلب على السلع والخدمات، وبالنسبة لإمارة أبوظبي والدولة، فإن التضخم ناجم عن الاثنين معا.

* الرقم القياسي للأسعار في الدولة لا يزال يعتمد على نتائج مسح دخل وإنفاق الأسرة لعام 1997، رغم أن الأوزان قد تغيرت كثيرا نتيجة تغير أنماط الاستهلاك.

* تتمتع الأسر الإماراتية بمجانية بعض الخدمات أو دعم أسعارها، مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، ما يعني أن المعدل الفعلي للتضخم قد يكون أعلى من ذلك.

* أصبح التضخم ظاهرة عامة امتدت آثارها إلى كل جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ما يعني أن مكافحتها لا تتم إلا من خلال حزمة متكاملة من السياسات.

* لا يتوافر حتى الآن رقم قياسي عام لأسعار المستهلكين لكل من الأسر الإماراتية والأسر الوافدة، على مستوى الدولة، رغم أن نمط المعيشة ومعدلات الإنفاق وبنود الإنفاق تتباين كثيرا فيما بينها.

* إن جانبا كبيرا من التضخم في الدولة يتشكل في ظل الزيادات العشوائية، وغير المبررة أحيانا، في أسعار السلع والخدمات في السوق المحلية.

حدود وآفاق المشكلة

شهدت الإمارات خلال العام الماضي زيادات متتالية في إيجارات المساكن ومرافق الإنتاج وأسعار السلع والخدمات، ارتفعت بالمعدل العام للتضخم في الدولة إلى 9. 10% نهاية العام الماضي. وبجانب الإيجارات التي تشكل المحرك الرئيسي للتضخم في الدولة، هناك متغيرات أخرى عديدة لا تقل أهمية، فموجة التضخم التي تجتاح العالم والانخفاض المستمر في قيمة الدولار، تتسبب باستمرار في تغذية التضخم في السوق المحلية.

بينما السياسات النقدية المحلية، التي تشكل إحدى الآليات الفاعلة لتحجيم التضخم، تتحدد وفقا لمعطيات خارجية على أساس أولويات تختلف كثيرا عن أولويات الاقتصاد المحلي المزدهر، حيث يواجه الدرهم ضغوطا تصاعدية مع تدفق السيولة من صادرات النفط. فمن غير المعقول أن ترتفع أو تنخفض أسعار الفائدة المحلية لأسباب خارجية، في مقدمتها سياسات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، في الوقت الذي تتطلب فيه مؤشرات الاقتصاد الإماراتي عكس ذلك.

ارتفاع أسعار الوقود يضعف القوة الشرائية للمستهلكين والقدرة التنافسية للقطاعات غير النفطية

يعد الوقود بأنواعه المختلفة من السلع الاستراتيجية، التي تؤدي الزيادة في أسعارها إلى زيادة مضاعفة في المستوى العام للأسعار في الدولة، بفعل ارتباط الوقود بالأنشطة الاقتصادية كافة، مما يضعف كثيرا القوة الشرائية لدى المستهلكين.

ويضعف كذلك القدرة التنافسية لدى جميع القطاعات غير النفطية في الدولة، خاصة قطاعات السياحة والفنادق وتجارة التجزئة، كما أن الزيادة العامة في مستويات الأسعار، تجعل من الإمارات وجهة مرتفعة التكاليف، حيث سجلت أسعار وتكاليف الشحن الداخلي في الدولة ارتفاعات قياسية بلغت نحو 120% خلال الربع الأول من هذا العام.

وبهذا المفهوم، فإن اتزان معادلة أسعار الوقود يجب أن يكون ضمن أولويات سياسة مكافحة التضخم. وإذا كانت شركات توزيع المشتقات النفطية في الدولة تبرر الزيادة في الأسعار بزيادة خسائرها المالية عاماً بعد عام إلى درجة بات معها احتمال هذه الخسائر غير ممكن في ظل الارتفاع الحالي لأسعار النفط العالمية إلى مستويات غير مسبوقة.

فإن هذه المخاوف لن تتوقف عند هذا الحد، بل تتسع وتتعمق باستمرار وبقدر ارتباطها بأسعار النفط في الأسواق العالمية، التي بدورها تأخذ اتجاها متصاعدا، حيث تضاعف متوسط سعر برميل النفط الخام أكثر من أربع مرات منذ عام 2003.

بل وفي ظل الطلب العالمي المتزايد على النفط، وتراجع قدرات الدول المنتجة على رفع سقوف إنتاجها، وانخفاض قيمة الدولار، فإن أسعار النفط ستواصل مسيرتها التصاعدية، وبخطوات متسارعة. ويثير ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية.

وانعكاس ذلك على أوضاع الأسواق المحلية مخاوف في الأوساط الاقتصادية المحلية، من أن تؤدي هذه التطورات إلى ارتفاع معدلات التضخّم في الدولة إلى مستويات غير محتملة، الأمر الذي يحتم ضرورة البحث عن حزمة من الخيارات الأخرى لمواجهة زيادة كبيرة محتملة في أسعار النفط في الأسواق العالمية.

إن أول هذه الخيارات يتطلب التأكد من مدى كفاءة شركات التوزيع المحلية في التحكم بعناصر التكلفة الأخرى، وتخفيضها إلى الحد الأدنى، قبل تحميل المستهلك تكاليف إضافية غير مبررة، ما دامت هذه الشركات لا تعمل في بيئة تنافسية تفرض عليها ترشيد بنود تكاليفها جميعها، كما أن هذه الشركات مطالبة بالنظر إلى مسألة الربح والخسارة نظرة أكثر شمولية، في ظل تنوع وتعدد منتجاتها.

ويمكن النظر في تقديم بعض الدعم «غير المادي» والامتيازات لشركات التوزيع، بعد أن أثبتت تجارب بعض الدول أن «الدعم المادي» أحدث مشكلات اقتصادية عديدة وتسبب في سوء استخدام المشتقات النفطية المحلية وبالتالي إلى هدر في الموارد الاقتصادية. أما بالنسبة للمستهلك فعليه أن يتنازل عن بعض مواصفات الوقود الذي يستهلكه، بعلم وإشراف الجهات المعنية، وبما يقلل تكلفة الإنتاج.

وحتى لا تكون زيادة أسعار الوقود مثل شماعة يعلق عليها البعض لزيادة أسعار منتجاتهم بنسب كبيرة، تتجاوز الزيادة الحقيقية في تكلفة الإنتاج، لتحقيق مزيد من الأرباح على حساب المستهلكين، فإن التعاون المشترك بين الجهات ذات العلاقة، ومن خلال العديد من الوسائل والطرق التي لا تخل بقواعد الحرية، سيؤدي إلى وقف أية مبالغات في الأسعار.

تدابير للمعالجة الجذرية

* في ظل تباين وجهات النظر الرسمية حول طبيعة وحجم ومسببات ظاهرة التضخم في الدولة، يصبح الفهم الدقيق والشامل للتضخم هو المدخل الصحيح لاتخاذ القرارات والتدابير الصائبة لتحجيم هذه الظاهرة.

* إذا كانت سياسة استهداف تحجيم التضخم على المستوى الكلي تحتاج إلى معلومات مالية واقتصادية وتجارية معقدة ومؤشرات كمية دقيقة غير متوافرة بالقدر الكافي بالنسبة لدولة الإمارات حاليا، فلابد إذا من تطوير منهجية دقيقة لاحتساب المؤشرات الرسمية المتعلقة بارتفاع الأسعار على مستوى الدولة، ونشر هذه المؤشرات فصليا على الأقل.

* كما أن للتضخم المرتفع انعكاساته السالبة على الاقتصاد والمجتمع، فإن التدابير والمعالجات السريعة وغير المدروسة قد تتسبب في مشكلات اقتصادية واجتماعية عديدة لا تقل خطورة عن إفرازات التضخم نفسه، ما يحتم ضرورة الحذر والدراسة الشاملة والدقيقة لوصف علاج التضخم.

* إن التضخم ظاهرة عامة تتطلب معالجتها توحيد الجهود على المستويين المحلي والاتحادي، ومن خلال التعاون المشترك والفعال الذي يحقق أهداف الاستراتيجية العامة للدولة.

أبوظبي ـ ناصر عارف