الحاضر لورشة العمل التي عقدها الاتحاد الدولي للنقل الجوي، المعروف اختصاراً بـ «أياتا»، في دبي مؤخراً يتلمس عن قرب حجم التحديات الكبيرة التي يمكن وصفها بالاستثنائية التي تمر بها صناعة النقل الجوي في الآونة الحالية. فالمتابعون وغير المتابعين للصناعة على حد السواء يدرك الأزمة التي أوجدها الارتفاع الجنوني لأسعار النفط للصناعة بشكل عام.

وقد عكست الجلسات التي عقدها مسؤولو الاتحاد مؤخراً في دبي حجم الورطة التي يشعر بها مسؤولو الاتحاد والتي ترجمتها الرسالة الواضحة التي خرجت من الجلسات ومن قبلها خرجت عن الاجتماع السنوي العام رقم 64 للاتحاد والذي عُقد في اسطنبول مؤخراً، حيث تبين أن خسائر الصناعة مرشحة لتصل 3 .2 مليار دولار بنهاية 2008 جراء ارتفاع أسعار النفط إلى المعدلات الحالية.

وفي حالة استمرار أسعار النفط إلى ما بين 130 و140 دولاراً للبرميل، فإن الخسائر قد تصل إلى 1 .6 مليارات دولار أميركي، بحسب ما جاء على لسان المدير العام لأياتا، جيوفاني بيسيجناني. وقد تحدث «البيان الاقتصادي» لعدد من المشاركين في ورشة العمل الأخيرة للاتحاد بمناسبة جولة الأياتا في المنطقة، وكانت الدعوة صريحة على لسان الجميع للحكومات للتدخل بفعالية لحسم جملة من المشاكل مثل البنية التحتية وإدارة الطيران والأمن والاحتكار والبيئة.

يقول جونار إيماوسون، وهو المدير الإقليمي بالوكالة لشؤون السلامة والعمليات والبنية التحتية في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا. «لقد بدأ جيوفاني متشائماً للغاية أثناء حديثه في الاجتماع السنوي للاتحاد والذي عُقد في تركيا مؤخراً، وله كل الحق في ذلك. هذه فترة غير مسبوقة من التحديات تمر بها الصناعة على مختلف الأصعدة، من بينها البنية التحتية والبيئة.

هناك العديد من القنوات التي يجب أن تشهد مزيداً من التعاون بين الحكومات والاتحاد لمعالجة التحديات التي تواجه الصناعة والتي تجعلها أكثر الصناعات تعرضاً للخسائر في العالم».

وفيما أشاد إماوسون بالإنجازات الكبيرة التي تحققها حكومة دبي على مستوى تطوير البنية التحتية، إلا أنه في الوقت نفسه أكد على الأخذ بنصائح وإرشادات الأياتا على مستوى البنية التحتية التقنية في جميع دول المنطقة.

«هناك ما يقرب من 70 مليون دقيقة تأخير على مستوى العالم بسبب تكدس الحركة الملاحية. كل ما تقوم به الحكومات هو جمع الضرائب من شركات الطيران من دون تقديم أي حلول فعالة للتحديات التي تقابلها الصناعة».

وأكد جونار أهمية استخدام أساطيل شابة في من قبل الطائرات لعلاج مشكلة الانبعاثات الكربونية الضارة.

«لا شك أن البيئة تعد من أكثر القضايا استحواذا على اهتمام مسؤولي الصناعة. الأياتا تبذل قصارى جهدها لمساعدة أعضاها على تخفيض حجم الانبعاثات الكربونية.

نقدم في هذا الشأن حلولاً ونصائح عديدة مثل تأمين الطيران على ارتفاعات أعلى وتقصير المسافات بين المطارات وتقليص المساحات الزمنية للسفر، وهناك أيضاً نقاش حول مسألة تقليص سرعة الطائرات من أجل توفير الوقود ومن ثم التقليص من حجم الانبعاثات الضارة بالبيئة، وهي كلها أمور لن يتسنى تحقيقها من دون إسهام فعال من جانب الحكومات.

حيث تضطر كثير من شركات الطيران إلى قطع مسافات أطول بسبب القيود الأمنية التي تُفرض على المواقع العسكرية وما على شاكلتها. هناك جملة من الإرشادات تقدمها الأياتا في مجال تحسين البنية التحتية، مثل الاستخدام المرن للمساحات الجوية، والإسراع من إجراءات الوصول بالمطارات وتحسين أداء مهابط الطائرات والعناية المستمرة بأساطيل الطائرات، وتخليصها من القاذورات التي تلحق بها لما تتسبب فيه من استهلاك زائد للوقود».

وعلى مستوى البيئة تقدم الأياتا استراتيجية من أربعة محاور، يصفها مسؤولو الاتحاد بأنها بمثابة مثال احتذت به جميع صناعات العالم المعنية، حيث تتمثل هذه المحاور في الاستثمار في التقنيات الحديثة والكفاءة العالية في تشغيل الطائرات وبناء بنية تحتية فعالة وتبني إجراءات اقتصادية بناءة وإيجابية.

وكان جيوفاني قد أشار إلى هذه القضية باستفاضة قبل يومين من عقد ورشة العمل في دبي، عندما أكد على الدور الإيجابي الذي يلعبه أعضاء الأياتا، مشيرا في الوقت نفسه إلى تقصير الحكومات في القيام بدورها.

«في ظل السعر الحالي لبرميل النفط، فإنه أصبح لدينا أكبر حافز بين جميع صناعات العالم على تحسين الأداء البيئي للصناعة.

غير أن معظم حكومات العالم لا تستطيع إدراك أهمية الأمر، حيث تصر معظم الحكومات على نظرتها الضيقة تجاه شركات الطيران وما تفرضه من عقوبات اقتصادية في هذا الشأن من دول النظر إلى أي اعتبارات أخرى.

لقد ضقنا ذرعا بالحكومات التي تحسن القول ولكنها لا تحسن الفعل، ولا تقوم بشيء سوى بأخذ الأموال من الجهات المعنية دون تقديم أي شيء ملموس على الأرض. فعلى امتداد 17 عاما لم تحقق أوروبا المستهدف تقليصه من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وقد آن الأوان لأن تدرك جميع حكومات العالم أبعاد الأزمة التي تعيشها الصناعة.

وقد لفت إماوسون الانتباه إلى تقنيات جديدة يجري التوصل إليها في إدارة الطيران من شأنها تقليص المال والجهد والأيدي العاملة، مشيرا في هذا الصدد إلى نظام إيه دي إس (مراقبة أوتوماتيكية مستقلة) الجديد، الذي يمكن استخدامه بديلا عن أجهز الرادار التقليدية، ويحتاج إلى أيدٍ عاملة أقل وتعادل تكلفته عُشر تكلفة نظام الرادار التقليدي بجانب معدل أدائه الأفضل».

وأكد إماوسون أن الأياتا تعمل على مساعدة أعضائها على استخدام أحدث التقنيات المتبعة لتوفير الوقود نتيجة الارتفاع الجنوني لأسعار النفط من جهة وبهدف الحفاظ على البعد البيئي من جهة أخرى. «نحن لدينا برنامج يعرف اختصارا باسم «إف إي جي إيه» يجري بموجبه إرسال خبراء الاتحاد إلى الدول الأعضاء للوقوف على الثغرات التي تعاني منها الدول في تعاملها مع الوقود وتقديم الحلول المناسبة في هذا الصدد.

كما نحث الدول على استخدام الوقود الحيوي ولكن بشكل لا يضر بصناعة الغذاء في العالم، حيث نصر دائما على أن يكون المواد التي يعتمد عليها هذا الوقود ليست لها علاقة بالمحاصيل الغذائية الرئيسية، وذلك حتى لا نفاقم من أزمة الغذاء العالمي المستفحلة بالفعل».

واتفق تين جاسبار شاف، مساعد مدير الأياتا لحلول الطيران في مناطق أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، مع إماسون على تفرد المرحلة الحالية بتحديات لم تواجهها صناعة الطيران من قبل. «تكبدت الهند خسائر قدرها 50 مليار دولار بسبب تثبيتها لأسعار الطيران على الرغم من الارتفاع المتواصل في سعر برميل النفط».

وأكد جاسبار، الذي قال إنه يتفق مع المدير العام للاتحاد في نظرته التشاؤمية للفترة المقبلة على الرغم من حجم النمو الكبير في الحركة الجوية- أكد على أهمية مساهمة الدول في حل مشكلات صناعة الطيران في العالم، مؤكدا على ضرورة أن تتخلى الحكومات من دور جامع الضرائب والعمل بفعالية على تبسيط قواعد عمل صناعة الطيران وتحرير الصناعة وتكثيف أعمال البحث والتطوير وإيجاد مصادر جديدة للتمويل.

ففي مجال الحافظ على البيئة أدت جهود الأياتا، على حد قوله، إلى تراجع بلغ 5 .10 ملايين طن في حجم الانبعاثات الكربونية الضارة. وساعد خبراء الأياتا أعضاء الاتحاد بالعمل بشكل فعال وإيجابي من أجل تقليص مسافة طرق الطيران، وقد أسفرت هذه الجهود عن خفض بلغ 1 .2 مليار دولار في تكلفة استخدام الوقود.

صناعة تعاني التشرذم

«تعد صناعة النقل الجوي من أكثر صناعات العالم معاناة من التشرذم. فهناك أكثر من 1000 شركة طيران على مستوى العالم تتنافس على نسبة ضئيلة من الأرباح الآتية من هذه الصناعة.

وخلال الستين عاما الماضية، تشير الإحصائيات إلى أن شركات الطيران حققت إيرادات وصلت إلى 11 تريليون دولار، غير أن الأرباح الصافية للصناعة لم تتعد 32 مليار دولار، أي بمتوسط هامش ربح لا يتجاوز 3 .0%. وحتى في ذروة الموسم، كان هامش الربح أقل من 3%.

وفي ظل هذا كله بلغت ديون الصناعة أكثر من 190 مليار دولار. أكبر التهديدات التي تواجهها الصناعة حاليا بعد ارتفاع أسعار النفط هي القيود التي تمنع الوصول إلى أسواق جديدة من دون وجود اتفاقية دولية. الحل الوحيد يكمن في التخلص من القيود السياسية التي تمنع الوصول إلى الأسواق الجديدة، وتحول دون تمكن شركات الطيران من الإبداع وحرية التنافس والقدرة على النمو وإيجاد مصادر تمويل جديدة.

شعار المرحلة المقبلة يجب أن يتمثل في تحرير شركات الطيران من الأعلام الوطنية وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار المالي وإيجاد آفاق جديدة للنمو.

وقد أعرب عدد كبير من دول العالم عن استعدادها للمشاركة في تحقيق هذه الأهداف، مثل كندا والولايات المتحدة وبنما وتشيلي والمغرب ودول الاتحاد الأوروبي وتركيا ودولة الإمارات العربية المتحدة والهند وسنغافورة وأستراليا ونيوزيلندا. الفترة الأخير كانت مليئة بالخسائر، فقد أشهرت 24 شركة طيران على مستوى العالم إفلاسها خلال الأشهر الستة الماضية ويتسبب ارتفاع سعر برميل النفط في إعادة تشكيل ملامح الصناعة من جديد. فقد تشهد الشهور الاثنى عشر المقبلة زيادة في تكلفة الوقود قدرها 99 مليار دولار.

ولمواجهة هذه التحديات فإن الحكومات يتعين عليها التوقف عن فرض معدلات ضرائب جنونية والعمل على ضمان أن تعكس تكلفة الوقود القيمة الحقيقية له وتعزيز بنيتها التحتية وتغيير قواعد اللعبة لصالح الصناعة». ـ جيوفاني بيسيجناني ـ مدير عام ورئيس الاتحاد الدولي للنقل الجوي.