يرصد مراقبون تحرك إمارة دبي بشكل حثيث ودؤوب نحو طرق أبواب مصادر إمدادات الغاز الطبيعي في مسعى يهدف إلى تنويع قاعدة الإمدادات، بما يوسع هامش حرية حركتها في اختيار مصادر إمدادات تتميز بالاستقرار والمصداقية لتغذية آفاق النمو السكاني والاقتصادي والذي يبشر بتسجيل مستويات عالية، وينطوي في الوقت ذاته علي تحديات تتعلق بتصاعد الطلب علي موارد الطاقة.

وتجلى هذا المسعى في العديد من المبادرات التي اتخذتها الإمارة مؤخرا، بدءا من الإعلان عن خطط للتنقيب عن الغاز الطبيعي في حقل مرغم البري، ومرورا بتوقيع شركة شل ويسترن للغاز الطبيعي المسال وهيئة دبي للتجهيزات اتفاق بيع وشراء لتوفير إمدادات الغاز الطبيعي لدبي على المدى القصير والبعيد من مصادر شل العالمية من الغاز الطبيعي المسال وأهمها قطر، ووصولا بانخراط مركز دبي للسلع المتعددة في مشروع ضخم مع شركة «إمبيل المحدودة للغاز الطبيعي المسال» والذي يهدف إلى تطوير منشأة لتخزين الغاز الطبيعي المسال في مجمع التقنية بدبي، بقيمة تبلغ ملياري دولار. وترى بعض الآراء أن تصاعد الاستهلاك المحلي في إمارة دبي بمعدل سنوي يبلغ 20% يشكل قوة محفزة على البحث عن مصادر إمدادات طويلة الأجل بما يضمن تحصين طفرتها المعمارية والصناعية والاقتصادية من التعرض لضغوطات نقص موارد الطاقة، وهو ما يستلزم - من وجهة نظر البعض- التعايش مع أسعار طاقة مرتفعة، وهو وضع غير قاصر علي إمارة دبي، بل ينسحب علي سائر منطقة الخليج، باستثناء قطر التي تمتلك موارد ضخمة من الغاز الطبيعي.

تصاعد الاحتياجات

وأورد تقرير صادر مؤخرا عن مؤسسة (جلوبال انسيت) تحليلا عن احتياجات إمارة دبي من الغاز الطبيعي، حيث سلط صامويل سيزيك مؤلف التقرير الضوء علي الجهود المكثفة التي تبذلها الإمارة لزيادة إنتاجها من الغاز الطبيعي، فضلا عن سعيها لتأمين واردات الغاز الطبيعي بمستويات تغطي احتياجات طلبها المحلي المتصاعد، وذلك في ظل ارتفاع معدلات الاستهلاك بنسبة تصل إلى 20% سنويا.

وحدد التقرير أبرز معالم التحديات التي تواجه إمارة دبي في تلبية الطلب المتزايد على موارد الطاقة، خاصة الغاز الطبيعي، وذلك على النحو التالي:

أولا: تنتج إمارة دبي كميات محدودة من الغاز الطبيعي والتي تعتبر غير كافية لتلبية الطلب المتصاعد الناشئ عن نمو اقتصادها بوتيرة سريعة.

ثانيا: تعد مشكلة نقص إمدادات الغاز الطبيعي غير قاصرة علي إمارة دبي، بل تطول كافة الدول المصدرة تقليديا للطاقة، وذلك في ظل تصاعد نمو طلب هذه الدول على الغاز الطبيعي، ومحدودية المصادر القادرة على توفير إمدادات طويلة الأجل، ولكن مثل هذا التعميم لا ينطبق على قطر، وربما كذلك إيران، ويؤشر وضع قطر المتميز على أنه من المحتمل أن يتزايد صادراتها من الغاز الطبيعي المسال إلى دول منطقة الخليج.

ثالثا: أنه صار من المتعين التأقلم والتعايش مع حالة الصعود الشديدة في تكاليف الطاقة، وذلك حتى يكون في الإمكان تعزيز مستويات النمو المرتفعة.

وتحفل أجندة عمل هيئة كهرباء ومياه دبي علي الكثير من المشروعات لإقامة محطات لتوليد الطاقة الكهربائية وتحليه المياه، حيث تخطط لرفع طاقتها الإنتاجية بنسبة 150% بحلول عام 2012 مقابل خمسة آلاف ميجاوات من الكهرباء و255 مليون جالون يوميا، كما أعلنت في مارس من العام الجاري إنها بحاجة لاستثمار 1, 19 مليار دولار في السنوات الأربع المقبلة، وأظهرت كذلك عزمها على مواصلة خططها الرامية إلى إقامة محطات لتوليد الطاقة الكهربائية تعمل بالفحم، وباشرت أيضاً دراسة تتعلق بجدوى إقامة محطة لتوليد الطاقة الكهربائية تعمل بالهيدروجين، وستقرر الهيئة بناء علي نتائج الدراسة ما إذا كانت ستواصل المشروع أم أنها ستختار محطات توليد طاقة كهربائية تعمل بالفحم.

خيارات متنوعة

وفي ظل هذا التنامي الماثل والمتوقع لاحتياجات إمارة دبي من الغاز الطبيعي، رددت تكهنات تحليلية أسماء كل من قطر ومصر وإيران بوصفها خيارات مرشحة لتزويد إمارة دبي بالغاز الطبيعي.

وأورد تقرير صادر مؤخرا عن «ميد» إشارة إلى أن إمارة دبي تخطط لاستيراد الغاز الطبيعي المسال من قطر، وذلك مع شروع هيئة دبي للتجهيزات في تنفيذ خططها الرامية لإقامة محطة للغاز الطبيعي المسال.

وأفاد التقرير المذكور بأنه من المتوقع أن تستورد المحطة الغاز الطبيعي المسال في بداية الأمر من قطر ومصر، وربما تقوم بشراء الغاز من الأسواق الدولية في الشرق الأقصى. وفي المدى الطويل، سيكون بمقدورها استيراد الغاز الطبيعي من إيران، إذا ما تمت معالجة الأسباب المؤدية إلى تأجيل مشروعاتها الخاصة بالغاز الطبيعي المسال.

وقد صدقت تكهنات مجلة «ميد» بخصوص استيراد الغاز الطبيعي من قطر، حيث أعلنت هيئة دبي للتجهيزات )صسصذ( في 20 إبريل من العام الجاري عن عزمها تطوير منشأة عائمة لإعادة تحويل الغاز الطبيعي المسال إلى غاز في ميناء جبل علي التابع لموانئ دبي العالمية، واختارت هيئة دبي للتجهيزات شركة شل للعمل كمستشار ومدير للمشروع في مرحلة التطوير. وستكون شل المزود الرئيسي للمشروع بالغاز الطبيعي المسال وستواصل تقديم المشورة للهيئة بعد اكتمال المنشأة.

إضافة إلى ذلك، وقعت شركة شل ويسترن للغاز الطبيعي المسال وهيئة دبي للتجهيزات اتفاق بيع وشراء لتوفير إمدادات الغاز الطبيعي لدبي على المدى القصير والبعيد من مصادر شل العالمية من الغاز الطبيعي المسال وأهمها قطر.

جزء من الحل

وفيما يتعلق بخيار توريد غاز دولفين لإمارة دبي، فانه يمثل جزءا من الحل لمشكلة الطاقة ليس على مستوى إمارة دبي فحسب، بل على مستوي الإمارات بشكل عام، خصوصا مع شراء المشترين والمتعاقدين كامل كميات الغاز الطبيعي التي تم إنتاجها في المرحلة الأولي من المشروع والبالغ حجمها ملياري قدم مكعب يوميا.

وقد وقعت شركة دولفين للطاقة في مارس 2005 اتفاقية بيع للغاز مع هيئة دبي للتجهيزات تقوم دولفين بموجبها بتوريد إمدادات الغاز إلى منطقة جبل علي اعتباراً من العام 2007 لفترة 25 عاماً بإمدادات تصل إلى 700 مليون قدم مكعبة يوميا.

ولم تقتصر جهود إمارة دبي على طرق أبواب مصادر توريد الغاز الطبيعي، بل عملت على تطوير احتياطياتها، وهو ما يتجلي فيما أوردته التقارير الإعلامية في فبراير من العام الجاري عن اعتزام إمارة دبي التنقيب عن الغاز الطبيعي في حقل مرغم البري وكذلك إقامة مرافق تخزين للغاز أو ثاني أكسيد الكربون هناك.وهكذا تتحرك دبي على مسارات متعددة لتحقيق تطلعاتها بان تتحصن ضد مخاطر نقص امدادات الطاقة.

مركز تسعير عالمي للغاز الطبيعي المسال

أثمر لقاء خطط مركز دبي للسلع المتعددة الرامية إلى إطلاق عقود الغاز الطبيعي المسال الآجلة، مع تطلعات شركة «إمبيل المحدودة للغاز الطبيعي المسال»، الإعلان عن تطوير منشأة جديدة لتخزين الغاز الطبيعي المسال.

ومن المخطط أن يتراوح إجمالي الطاقة التخزينية بين 40 -65 مليار قدم مكعب مما يجعل «مقر دبي لتخزين الغاز الطبيعي المسال» المنشأة الأولى من نوعها في العالم التي تتيح للعملاء العديد من الخيارات بما فيها التخزين والتجارة والتخطيط لتزويد كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال.

وسيوفر المقر العديد من الخدمات الأخرى مثل قروض الغاز وإمكانية مزج أفضل نوعياته. وبمرور الوقت، سوف تتطور هذه الخدمات لتوفر مشتقات مالية عديدة ذات صلة بالغاز الطبيعي المسال وعمليات شحنه.

وجاء الإعلان عن المنشأة الضخمة بعد توقيع «مركز دبي للسلع المتعددة» و«إمبيل» على مذكرة تفاهم في يونيو 2006 تهدف إلى تنفيذ هذا المشروع الحيوي.

وقد وقع الاختيار على مجمع التقنية ليكون مقرا لمنشأة تخزين الغاز الطبيعي المسال الجديدة، نظرا لاحتضانه الكثير من اللاعبين الرئيسيين في مجال صناعة النفط والغاز.

وتنعقد الآمال على أن يعزز المشروع الدور الذي تلعبه دبي في مجال توزيع الطاقة على الصعيد الإقليمي، وتوفير العديد من الخيارات التي لم تكن متاحة مسبقاً لبائعي ومشتري الغاز، بما يكسب السوق مرونةً كبيرةً لبائعي ومشتري الغاز الطبيعي المسال خلافاً لجداول التموين الصارمة التي تفتقر إلى المرونة على المدى الطويل.

كما يوفر المشروع فرصا ممتازة للتخزين والتداول على مدى عدة شهور، خاصة وأن الأسعار العالمية للغاز الطبيعي المسال تتعرض للتغير باختلاف فصول السنة. كما سيغدو بمقدور بائعي وتجار الغاز المراجحة والاستفادة من الاختلاف الذي تشهده أسعار الغاز بين عدة مناطق ودعم تجارة المشتقات مما يتيح نشوء سوق فورية تتمحور حول منشأة التخزين.

وينظر المراقبون إلى تحرك دبي نحو إطلاق سوق فوري للتداول على الغاز الطبيعي، ثم عقود الغاز الطبيعي الآجلة، على أنه سيحدث نقلة نوعية في أسواق الغاز الطبيعي على مستوى العالم بشكل عام ومنطقة الخليج بشكل خاص، وذلك في ضوء افتقار دول العالم إلى سوق عالمي يمثل حركة العرض والطلب لصناعة الغاز، نظرا لعدم تطور أسواق الغاز الطبيعي إلى مستوى تطور أسواق النفط العامية.

ويكمن السبب وراء عدم مرونة أسواق الغاز الطبيعي، في إعطاء المنتجين للغاز الطبيعي أهمية كبيرة للعقود الطويلة الأجل، وذلك لدعم استثماراتهم في مجال الغاز الطبيعي والتي تصل كلفتها إلى عدة مليارات من الدولارات.

ويتوقع محللون أن تتسم السوق الفورية للغاز الطبيعي بالمزيد بالمرونة، وذلك على نحو يصب في صالح عقود الغاز الطبيعي التي ستطرحها بورصة دبي للذهب والسلع، وهو ما يؤشر على شغل دبي مركز التسعير العالمي للغاز الطبيعي المسال.ن

قص إمدادات الغاز الطبيعي

قدر خالد العوضي مدير عمليات الغاز في مؤسسة الإمارات العامة للبترول «إمارات» في كلمته التي ألقاها على هامش مؤتمر الألومونيوم الذي نظمته مجلة «ميد» في مطلع العام الحالي أن يرتفع الطلب على الغاز في الإمارات لتوليد الكهرباء وتحلية المياه إلى المثلين خلال الأعوام العشرة المقبلة.

وقال العوضي انه عندما ترتفع درجات الحرارة في الصيف وتعمل محطات الكهرباء بأقصى طاقتها يكون هناك نقص في إمدادات الغاز في دولة الإمارات العربية المتحدة بنحو 20% .

وأوضح أن هذا النقص يتم تعويضه بزيت الديزل الأعلى تكلفة مشيرا إلى أن أبو ظبي ستضيف حوالي 10000 ميجاوات من الطاقة الكهربية على مدى السنوات الخمس المقبلة بينما ستضيف دبي حوالي 5000 ميجاوات بحلول عام 2010. والغاز هو الوقود المفضل للمحطات الجديدة .

وأشار إلي انه إذا لم يحدث سد الفجوة في إمدادات الغاز ، فقد يكلف هذا النقص ما يصل إلى 500 مليون درهم (2, 136 مليون دولار) يوميا بحلول عام 2020.

صعود الطلب على الغاز الطبيعي

تتفق التقديرات على أن إمارة دبي مثلها مثل بقية إمارات الدولة سيصعد طلبها على الغاز الطبيعي لتشغيل محطات توليد الكهرباء وتحلية المياه وتلبية احتياجات قاعدتها الصناعية وطفرتها الاقتصادية والمعمارية الشاملة.

حيث تشهد إمارة دبي في ظل القيادة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي نهضة وازدهارا في مختلف مناحي الحياة الاقتصادية، حيث من المتوقع ـ بحسب رؤية دبي الاستراتيجية المعلنة في فبراير 2007 ـ تحقيق نمو اقتصادي سنوي بنسبة 11%، والوصول إلى تحقيق ناتج محلي إجمالي يبلغ 108 مليارات دولار، ورفع معدل حصة الفرد من الناتج الإجمالي المحلي إلى 44 ألف دولار في العام 2015، وبالتالي، يغذي مثل هذا النمو الاقتصادي القوي الطلب على موارد الطاقة.

دبي ـ مجدي عبيد