«كردستان تريدك». هذا هو عنوان إحدى المواد الإعلانية التي يقابلها المتابع للقنوات الفضائية الأوروبية والأميركية في الفترة الأخيرة، حيث يجري الترويج لهذا الجزء من الدولة العراقية باعتباره يمثل «أعظم فرصة استثمارية على وجه البسيطة» كما يرد في الإعلان.
مثل هذه الإعلانات تأتي في سياق حملة ترويجية أطلقت في بريطانيا والولايات المتحدة بهدف الترويج للسياحة في إقليم كردستان والتشجيع على إطلاق استثمارات في شتى المجالات مع التركيز على القطاعات الخدمية بجانب تغيير الصورة التقليدية المأخوذة عن الشعب الكردي، عن طريق الترويج للطبيعة السلمية لهذا الشعب الذي يبلغ تعداده أكثر من 30 مليونا يعيشون بين تركيا وسوريا والعراق وإيران، حيث يمثلون بهذا العدد أكبر طائفة عرقية بلا دولة في العالم. خمسة ملايين من هؤلاء يعيشون في إقليم كردستان العراق.
هذه الدعاية التي يطلقها القائمون على تسيير الأمور في القطاع تدعمها حقائق على الأرض فأعمال الإنشاء جارية على قدم وساق في إربيل، عاصمة الإقليم، حيث يجري التخطيط لمطار جديد في المدينة إلى جانب عدد كبير من أعمال الإنشاء في كل أرجاء المدينة.
«البيان الاقتصادي» كان حاضرا في المؤتمر الصحافي الذي عقدته في دبي مؤخرا مجموعة الحنظل الدولية، وهي إحدى أكبر الشركات العراقية العاملة في الإقليم، والتي ترتبط باتفاقيات شراكة مع عدد من شركات المنطقة، ومنها مجموعة بنيان الدولية للاستثمار الإماراتية لإطلاق مجموعة من المشاريع في الإقليم.
وكان القنصل العراقي عصمت عكيد صديق أحد المتحدثين في المؤتمر إلى جانب وديع نوري عايد، رئيس مجلس إدارة مصرف أشور الدولي للاستثمار، ومحمد نوري عايد، المدير العام لمجموعة الحنظل الدولية، وعبد الله عطاطرة، رئيس مجلس إدارة مجموعة البنيان، إلى جانب عدد من رجال الأعمال.
أكثر ما يلفت النظر أثناء المؤتمر هو الحوافز الهائلة المقدمة للمستثمرين في هذا الإقليم العراقي من خلال ما يعرف بـ «قانون الاستثمار في إقليم كردستان»، الذي يتبين للمرء عند تصفحه أنه لا يوجد له بالفعل أي مثيل في أي منطقة أخرى في العالم، حيث يتيح للمستثمر مميزات لا يجدها في أكثر دول العالم ليبرالية ورأسمالية. فالقانون ينص على التالي:
أولاً: يعفى المشروع من جميع الضرائب والرسوم غير الجمركية لمدة عشر سنوات اعتباراً من تاريخ بدء المشروع في تقديم الخدمات أو تاريخ الإنتاج الفعلي.
ثانياً: تعفى الآلات والأجهزة والمعدات والآليات والمكائن المستوردة للمشروع من الضرائب والرسوم وشرط الحصول على إجازة الاستيراد، على أن يتم إدخالها عن طريق المعابر الحدودية للإقليم خلال سنتين من تاريخ الموافقة على قوائمها من قبل رئيس الهيئة وان تستخدم لأغراض المشروع حصراً وبعكسه لا تشملها هذه الإعفاءات ويلزم المستثمر بدفع الضريبة ويعاقب بغرامة قدرها ضعف مبلغ الضريبة المستحقة.
ثالثاً: تعفى قطع الغيار المستوردة للمشروع من الضرائب والرسوم على ألا تزيد قيمتها على 15% من قيمة المكائن والمعدات، وذلك بقرار مسبق من رئيس الهيئة بالموافقة على قوائمها وكمياتها.
رابعاً: تعفى الآلات والأجهزة والمكائن والآليات والمعدات اللازمة لتوسيع المشروع أو تطويره أو تحديثه من الضرائب والرسوم.
خامساً: تُعفى المواد الأولية المستوردة للإنتاج من الرسوم الجمركية لمدة خمس سنوات على أن تحدد أنواع وكميات هذه المواد من قبل الهيئة مع إعطاء الأولوية لاستخدام المواد الأولية المحلية المتوفرة والملائمة للمشروع الاستثماري كماً ونوعاً.
سادساً: يحق للمستثمر وفق أحكام هذا القانون استيراد جميع احتياجات مشروعه، ومنها الآلات والآليات والأجهزة والمعدات، وتعفى هذه المستوردات من جميع الرسوم الجمركية الداخلة من المعابر الحدودية للإقليم شريطة استخدامها حصراً لأغراض المشروع.
وإلى جانب هذه المميزات التي يمكن أن تتضاعف حسب طبيعة كل مشروع، فإن حكومة الإقليم تقدم ضمانات قانونية عديدة وإعفاءات متعددة أسفرت حتى الآن عن وجود عدد ضخم من الشركات الإقليمية يعمل في الإقليم للقيام بسلسة طويلة من المشاريع.
وقد كان لدولة الإمارات العربية حظا في هذا الشأن من خلال شركة بنيان، حيث تم إطلاق مشروع سكني، تجاري، سياحي بالتعاون من مجموعة الحنظل الاستثمارية العراقية. وسيجري إقامة المشروع بالاستعانة بعدد من بنوك عالمية وعراقية، مثل مصرف أشور الدولي للاستثمار، الذي هو جزء من مجموعة الحنظل الدولية، وذلك لتمويل المراحل المتقدمة من المشروع، فيما ستعتمد الشركة الإماراتية على مرصوداتها وعمليات الاكتتاب في المراحل الإنشائية الأولى.
وقد أشار عطاطرة إلى بعض تفاصيل المشروع الجديد بالقول: «إن الشريكين أسسا شركة باسم «بنيان الرافدين»، برأسمال 50 مليون دولار، حيث ستبدأ أعمال المشروع ريثما تنتهي الدراسات المبدئية على أن يكون المشروع جاهزا خلال أربع سنوات».
ويضم المشروع وحدات عقارية معدة للاستخدام التجاري والسكني والسياحي وهو الأضخم على مستوى الإقليم، الذي شهد تدفقات استثمارية خليجية لافتة في قطاعات النفط والغاز والعقار أبرزها كانت لدانة غاز الإماراتية بالإضافة إلى أن شركات عقارية كبرى دخلت مراحل المفاوضات النهائية لإطلاق مشاريع عقارية هناك.
وأكد عطاطرة «أن الإقليم يتمتع بوضع أمني مستقر وترتفع فيه حدة الطلب على العقارات ويشكل بوابة الدخول إلى السوق العراقية الكبيرة وأن الشركة ترغب في ترسيخ تواجدها عراقيا لرغبتها الكبيرة في المساهمة بإعادة إعمار العراق كجزء من مسؤوليتها الاجتماعية أيضا».
ولفت إلى التشجيع الحكومي على كافة المستويات ووجود قانون يسهل عمليات الاستثمار ووجود شركات مقاولات عالمية وكلها عوامل وضعها في خانة نجاح المشروع المتوقع.
وفي الوقت الذي تشير فيه التقارير إلى أن الشركات التركية تحظى بنصيب الأسد في الإقليم الكردي، فإن هناك مشاريع أخرى تديرها رؤوس أموال مختلطة عربية وأجنبية وعراقية، منها المدينة الإعلامية التي تبلغ كلفة بنائه 800 مليون دولار ومشروع وسط أربيل التجاري التي وصلت كلفته إلى 3 مليارات دولار كما هناك مشاريع مشتركة في الإقليم كمشاريع القرية الأميركية والقرية الكندية والقرية الإنجليزية والقرية الألمانية وتبلغ قيمة هذه المشاريع نحو مليار دولار.
ويؤكد فارس البليسي، مدير الدائرة الدولية في مصرف أشور الدولي للاستثمار ومدير العمليات الدولية في مجموعة الحنظل، أن الإقليم حاليا يتمتع بالإمكانات التي تجعله الأكثر قدرة على جذب الاستثمارات مقارنة بجميع الأقاليم المجاورة.
ويضيف في هذا الشأن: «من واقع خبرتنا الاستثمارية التي تمتد إلى عشرات السنوات، حيث تأسست المجموعة عام 1975 تحت اسم الثريا، ندرك أن هناك عوامل معينة تجتذب دون غيرها أي مستثمر يريد العائد المالي وجودة الخدمات. فالمستثمر يبحث أولا عن البيئة التي يعرف عنها كل شيء ويفضلها على البيئة الغامضة عليه حتى ولو كانت الأخيرة تتمتع بإمكانات مادية أكبر.
غير أن الغموض في أحيان كثيرة والقيود الاستثمارية التي تفرضها بعض الجهات تحد من قدرة المستثمر. وهذا ما تفعله الحكومة الإقليمية في كردستان والذي رأيته بعيني عند زيارتي للمنطقة مؤخرا، حيث وجدت من التسهيلات والضمانات القانونية ما يشجع أي مستثمر على العمل في أجواء آمنة مستقرة.» .
ولا يمكن هنا غض الطرف عن بعض المشكلات التي طفت على السطح مؤخرا بين الحكومة المركزية في بغداد والحكومة الإقليمية لكردستان حول توقيع حكومة الإقليم لعقود نفطية من دون إذن الحكومة المركزية، ومنع الحكومة في بغداد توريد النفط إلى الجهات التي اتفقت معها الحكومة الإقليمية بقيادة مسعود البرزاني، رئيس إقليم كردستان، وما إذا كان من الممكن أن يؤدي هذا التدخل الحكومي إلى زعزعة ثقة المستثمرين في قدرة الإقليم في الوفاء بالتزاماته مستقبلا.
غير أنه كان هناك إجماع على وجود تعاون كامل بين الطرفين في هذا الشأن وجاء هذا التأكيد على لسان القنصل العراقي في دبي إلى جانب رئيس مجموعة الحنظل محمد نوري عايد.
ويقول البليسي في هذا الصدد: «بوسعي التأكيد على أن ثمة تعاون وتنسيق كاملين بين الحكومتين المركزية والإقليمية في هذا الشأن. ولن يشهد المستقبل أي تغييرات فيما يجري تقديمه من حوافز استثمارية للأفضل. نحن نعتمد على الإمكانات الهائلة في الإقليم وعلى الطبيعة الودودة للشعب الكردي.».
