مع اقتراب موعد انعقاد القمة العالمية للغذاء والتي ستنعقد بروما بعد غد الثلاثاء، تزايد الجدل حول الأسباب التي أدت إلى الارتفاعات الحادة في أسعار الأغذية في الأسواق العالمية خلال الفترة الأخيرة، ففيما يلقي بعض الخبراء باللوم على المضاربات وأموال الصناديق الاستثمارية يقول البعض الآخر إن ارتفاع أسعار النفط كان من أبرز العوامل التي أدت إلى الأوضاع الحالية.

وكان أيضاً لعملية تحويل نحو 100 مليون طن من الحبوب إلى وقود حيوي أثر سيئ للغاية على الأسعار. وبين هؤلاء وأولئك تشير تقارير إلى تراجع كبير في الاستثمار الزراعي خلال السنوات الماضية وذلك إما بسبب موجات الجفاف التي اجتاحت الكثير من البلدان الزراعية أو لاتجاه المستثمرين نحو أوعية أخرى أكثر مردوداً من الإنتاج الزراعي أو للسياسات الزراعية سواء في البلدان النامية أو المتقدمة.

ويأتي انعقاد القمة في وقت شهدت فيه أسعار الحبوب والسلع الغذائية الرئيسية ارتفاعات تراوحت بين 40 و70%، الأمر الذي أدى إلى مخاوف من حدوث اضطرابات اجتماعية وسياسية وإحداث انتكاسة في جهود مكافحة الفقر تعيدها سبع سنوات إلى الوراء. وبرز بصيص من الضوء وسط النفق المظلم.

حيث توقع تقرير أن يرتفع إنتاج القمح العالمي إلى مستوى قياسي هذا العام ليزيل بعضا من أسباب الأزمة. ورفع مجلس الحبوب العالمي ومقره لندن تنبؤه لمحصول القمح العالمي في سنة 2008 ـ 2009 بمقدار خمسة ملايين طن إلى مستوى قياسي 650 مليون طن.

وقال المجلس إن أسعار القمح تراجعت بالفعل ما بين 25 إلى 50% من ذراها التي بلغتها في مارس وان الاحتمالات المواتية والمحصول الوفير في الهند ساعد في تبديد بعض المخاوف المتصلة بإمدادات المعروض من الأغذية. ورفع المجلس تقديره لمحصول هذا العام في الهند ثاني أكبر منتج للقمح في العالم بعد الصين إلى 8, 76 مليون طن من تنبؤه السابق 5, 75 مليون ومحصول العام الماضي 8, 75 مليونا. ويعكس هذا التعديل بالزيادة تحسن الاحتمالات في عدة بلدان في شرق أوروبا منها روسيا وأوكرانيا وبولندا ورومانيا.

وكانت منظمة الأغذية والزراعية «الفاو«قد تنبأت في تقرير سابق بأن يصل محصول القمح العالمي إلى 658 مليون طن.

وتوقعت وزارة الزراعة الأميركية أن يصل المحصول إلى 656 مليون طن. ورفع مجلس الحبوب العالمي تقديراته لاستهلاك القمح في عام 2008 ـ 2009 بمقدار مليوني طن إلى 632 مليونا في أعقاب التراجع الحاد للأسعار. ومن المتوقع أن يزداد إنتاج الذرة العالمي في عام 2008 ـ 2009 إلى 763 مليون طن من تقدير سابق 762 مليونا لكنه يقل عن محصول الموسم السابق 777 مليون طن.

لكن في الجانب الآخر لا تزال المخاوف باقية على حالها إذ إن زيادة الإنتاج وحدها لا تكفي لإحداث توازن في الأسواق خصوصاً في ظل التعثر الذي يلازم اتفاقية تحرير التجارة العالمية. وقالت الأمم المتحدة إن أسعار الأغذية ستظل مرتفعة في السنوات العشر المقبلة حتى وان تراجعت عن مستوياتها القياسية الراهنة.

وفي ذات الإطار قال البنك المركزي الأوروبي في مذكرة صدرت عنه أول من أمس الجمعة إن أسعار الغذاء العالمية قد تشهد مزيدا من الارتفاع في الأجل القصير وتواصل الصعود على الأجل الطويل إذ من غير المحتمل أن تواكب إمدادات المعروض الطلب المتزايد.

وأشارت المذكرة إلى إن عوامل أخرى مثل سياسات الحماية التجارية والمضاربات وهبوط الدولار الأميركي تساعد أيضا على صعود أسعار الأغذية. وأوضحت «احتمالات الصعود في الأجل القصير مازالت قائمة لاسيما أن أسعار العقود الآجلة المستخدمة كافتراضات فنية تبين أنها عوامل تنبؤ لا يعتمد عليها لأسعار الغذاء العالمية».

وخرج الناس في بعض بلدان الاتحاد الأوروبي في مظاهرات احتجاج على تقلص قدراتهم الشرائية مع ارتفاع أسعار الأغذية الأساسية مثل الخبز واللبن والبطاطس. وأدى ارتفاع أسعار الأغذية في بعض بلدان آسيا إلى حوادث شغب. وقال لي هسين لونج رئيس وزراء سنغافورة لمؤتمر أمني أن التناحر على الأغذية قد يؤدي إلى نشوب حروب بين الدول.

وجاء تصريحه في حين ارتفعت أسعار الأرز وغيرها من الأغذية الأساسية في البلدان الآسيوية إلى مستويات قياسية. وتضاعفت أسعار كثير من السلع الغذائية خلال العامين الماضيين وفجرت احتجاجات واسعة بل وحوادث شغب في بعض من أكثر المناطق تضررا مثل هايتي.

وأوضح لونج «على الأجل الطويل فإن الاتجاهات نحو شح إمدادات المعروض وارتفاع الأسعار سوف تتأكد على الأرجح. وقد كان لهذا انعكاسات أمنية خطيرة». وأضاف «التنافس بين الدول على إمدادات الغذاء وتشريد الناس عبر الحدود قد يزيد التوترات سوءا ويفجر صراعات وحروبا».

وأظهر تقرير آخر أن نقص إمدادات الغذاء وعدم كفاية المياه العذبة والمخاطر السياسية من بين التهديدات الرئيسية للنمو المستمر في أفريقيا.

وأثار الغضب من ارتفاع أسعار الغذاء احتجاجات في العديد من الدول الأفريقية منها بوركينا فاسو والكاميرون وساحل العاج وموزامبيق والسنغال. وقال جاريث شيفرد الذي شارك في إعداد تقرير «أفريقيا في خطر»، بما أن الغذاء مكون رئيسي في سلة استهلاك الشعوب الفقيرة فإن ارتفاع أسعاره قد يهدد الاستقرار السياسي، مما يقود إلى انتكاسة اقتصادية ويهدد النمو في أفريقيا.

ومن جانبها قالت ايرين كازانوفا المشاركة في إعداد التقرير «أمن الغذاء والماء سيتضرر من كيفية تأثير التغيرات المناخية على المنطقة وكذلك بالظروف الاقتصادية العالمية والإقليمية». وأضافت كازانوفا أن 43 دولة في القارة تعاني بالفعل من نقص الغذاء وارتفاع الأسعار زاد من حدة الأزمة. وأشار التقرير إلى أن الصدمات الاقتصادية والتغيرات المناخية تشكل خطرا كذلك على اقتصادات أفريقيا.

فمع الاضطرابات التي تشهدها أسواق العالم بسبب أزمة الائتمان التي ترجع جذورها إلى أزمة الرهون العقارية عالية المخاطر في الولايات المتحدة أصبح نمو القارة عرضة لتأثيرات تباطؤ الاقتصاد العالمي.

وأوضح «أي تباطؤ كبير في النمو العالمي سيؤثر على الصادرات الأفريقية من المنتجات الزراعية والمعادن والنفط والغاز. اعتماد أفريقيا على تصدير الموارد الطبيعية جعل العديد من الدول عرضة لصدمات أسعار السلع التي تخرج عن نطاق سيطرتها». (وكالات)