تتفاجأ بصغر حجم وبساطة محتويات مكتب إدوارد مونن، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي في شركة «إبسوس» الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (مينا)، الكائن في أحد الأبراج المطلة على شارع الشيخ زايد في دبي. فمساحة مكتب مؤسس الشركة الأكبر في المنطقة للدراسات التسويقية والإحصائية، لا تزيد على مساحة مكاتب موظفيه في الطابق نفسه، وهي تصغر بكثير مساحة مكاتب رؤساء مجالس الإدارة المعروفة «بفسحتها» وفخامة مقتنياتها.. والسبب في ذلك يرجع إلى قناعة مونن الشخصية بعدم الاكتراث للمظاهر، وتركيز «الطاقة» على تفاصيل «العمل، وتوسيع رقعة انتشار أعمال الشركة أكثر وأكثر. يتنقل مونن، الذي يمثل «إبسوس مينا» في مجلس إدارة إبسوس العالمية، بين هذا المكتب الصغير، ومكتب آخر بذات الحجم في بيروت، مديرا شؤون شركات «إبسوس مينا» المنتشرة في 8 بلدان عربية، والتي تضم أكثر من 600 موظف متخصص في إجراء الدراسات والأبحاث القائمة على استطلاع آراء الناس (survey- base market research).«أعمال الميديا»يكشف الحديث مع مونن حول سوق الدراسات والأبحاث السوقية في أسواق المنطقة، واقع صناعة الإعلام في الدول العربية، ويساعدك على رسم تصور لخارطة طريقها المستقبلية، استنادا للخبرة التي راكمها على مدى الأعوام العشرين الأخيرة، التي قضاها في ترسيخ وتطوير ثقافة الدراسات السوقية في المنطقة. وهو الذي كان وراء دخول (إمبراطورية) «إبسوس» العالمية إلى أسواق المنطقة في العام 1992 من بوابة لبنان، بعد أن ضم شركته الصغيرة «ستات» إلى واحدة من أكبر شركات الدراسات في العالم، وراح يفتتح مكاتبا لها الواحد تلو الآخر وعاما بعد عام، في كل من سوريا والكويت والأردن والإمارات والسعودية والبحرين ومصر والعراق. بالإضافة إلى التعاون مع ممثلين في اليمن وقطر وعمان والسودان والجزائر والمغرب وتونس. وهو يخطط للدخول قريبا جدا إلى دول المغرب العربي بشكل رسمي. يستند مونن في «تشريحه» و«تشخيصه» لواقع صناعة الإعلام في المنطقة على الدراسات التي قامت بها «إبسوس» لصالح أكبر الشركات المؤثرة في هذه الصناعة، والتي مكنته بفعل مراكمة بياناتها «الفسيفسائية» من الخروج بتصوراته لخط سير هذه الصناعة في السنوات المقبلة ومستقبل وسائلها المختلفة. إعلامنا يتطوريقول مونن إن «الإعلام» في المنطقة يتطور بسرعة، ويواكب التطور العالمي الحاصل في هذه الصناعة على مختلف الصعد، ويتأقلم مع النقلة النوعية من «الميديا التقليدية» إلى «الرقمية»، نظراً لكثرة الوسائل الإعلامية، ووفرة الأموال، واهتمام أصحاب الرساميل بالاستثمار في القطاعين الإعلامي والإعلاني. مشيرا في هذا السياق إلى التطور و(التناغم) الحاصل على مستوى صناعتي الإعلام والاتصالات. موضحا كمثال على ذلك، تطور وظيفة الموبايل من وسيلة اتصالية إلى وسيلة إعلانية، تكاد تغيّر اسمه. لا يذهب مونن بعيدا في تضخيم الصورة، كما يحاول البعض أن يصورها بالقول إن الوسائل الإعلامية «الجديدة» ستحل محل (التقليدية). فهو من الرافضين بشدة لهذه المقولة، معتبراً أن دخول الوسائل الجديدة سيسهم في تطور الصناعة، وسيدفع بالوسائل التقليدية إلى التأقلم مع الواقع الجديد، وإلى تطوير وتغيير أسلوب عملها ومضامينها.الإنفاق الإعلاني ينموفرض هذا الواقع الجديد نفسه على صناعة الإعلان. ويؤكد مونن أن الإنفاق الإعلاني في المنطقة ينمو بوتيرة متسارعة وكبيرة بالتزامن مع تطور وسائل الإعلام، لأن همّ المعلن الأول والأخير هو الوصول بأسرع وأسهل طريقة ممكنة إلى اكبر شريحة من الناس. الأمر الذي دفع المعلن بشكل تلقائي للمساهمة في نمو الإنفاق الإعلاني ليضمن وصول رسائله الإعلانية إلى جمهوره المستهدف. ويقول مونن: التلفزيون يتطور بمليون طريقة ليستفيد من التكنولوجيا الجديدة. المطبوعات تتطور وأصحابها يهتمون بشكل اكبر بمضمون مطبوعاتهم لمواكبة التحولات ولكي لا يفوتها القطار. مؤكداً أن أي وسيلة لن تزول وإن تطورت مجالات بصورة أسرع من سواها.ويرى رئيس إبسوس التنفيذي أن «بزنس الميديا» بمجمله في المنطقة، يعيش في الوقت الحالي (ثورة) حقيقية، من شأنها أن تسهم في تحسين وضعه وصورته وتطوره تقنيا، وفي تقديم خيارات أكبر للمستهلك تتيح له حرية اختيار مبنية على قناعاته وتطلعاته، بعد ان بات تقييمه مهماً جداً ومؤثراً، وكذلك في زيادة الإنفاق الإعلاني. موضحاً أن تخصصية الإعلام التي تنمو بشكل واضح أبرز دليل على هذا الأمر، لأن كل شريحة من الناس باتت تطلب شيئا مختلفا عن بعضها البعض.ويقول بونن إن نسبة نمو حجم الإنفاق الإعلاني في المنطقة العربية يختلف بين بلد وآخر، ويتراوح ما بين 10 إلى 30% سنويا، وهو مرتبط بالنمو السكاني والاقتصادي في كل دولة على حدة، نظراً لتموضع صناعة الإعلان في صميم التطور الاقتصادي.مؤكدا أن النمو الإعلاني الأكبر يحصل في الخليج، وتحديدا في الإمارات والسعودية وقطر والكويت. ويوضح مونن أن تداخل الدول العربية ببعضها، وخصوصا في مجال الإعلام، الذي تخطى الحدود، حيث لم يعد هناك صناعة إعلامية موجهة لبلد واحد، تدفع بالبعض إلى القراءة الخاطئة لعملية قياس الإنفاق الإعلاني. وبمعنى آخر، يقول مونن إنه لا يمكن قياس حجم الإنفاق الإعلاني بدقة، لأن البعض يقيسها بناء على الأموال التي أنفقت على الإعلانات في بلد ما، فيما يقيسها آخرون بحسب البلد المستهدف من هذه الإعلانات. موضحاً أن الجميع يعلم بأن شركات الإعلان العالمية والإقليمية تتخذ من دبي مقرات لها، وبالتالي من الطبيعي أن تنفق أموالها الإعلانية داخل دبي، في حين أن أكثر من نصف هذه الإعلانات يستهدف المجتمع السعودي. من دون أن ينسى الإشارة إلى ان مصر وأسواق شمال إفريقيا تشهد نموا وتطورا كبيرا.
الدراسات التسويقية يربط مونن بين النمو الاقتصادي وازدياد الطلب على خدمات شركات الدراسات التسويقية من قبل شركات الإعلام والمعلنين، التي تحتاج إلى وضع الدراسات عن المستهلكين وتطلعاتهم، ومدى ارتياحهم لمنتجاتهم وخدماتهم، ما يدفعها إلى مواكبة هذا التطور ومواصلة الطلب على إقامة دراسات السوق بصورة مستمرة لمعرفة أي إعلان ستوجه للمستهلك وبأي طريقة. ويشير مونن إلى ان غالبية عملاء «إبسوس» يركزون في طلبهم على الدراسات والأبحاث «الإعلامية» و«التسويقية»، «نظراً لكوننا الشركة الرائدة في هذين المجالين على مستوى المنطقة»، وذلك على حساب الأنواع الأخرى من الدراسات التي تقدمها «إبسوس»، وهي «الإعلانية» و«رضا العملاء» والدراسات «السياسية والاجتماعية». مؤكدا في الوقت عينه، أن هذه الأنواع الثلاثة تشهد طلباً لا بأس به.العنفوان والتغييرنمو الطلب على الدراسات الإعلامية، واجهه تصاعد نبرة المشككين في مصداقية هذه الدراسات. وفي هذا الصدد، يقول مونن ان سبب ذلك يرجع إلى ان وسائل إعلامية كثيرة لا ترغب في ان تكون في المرتبة الثانية وما دون. ويقول مبتسماً: في البلدان العربية يرفض عنفواننا دائماً أن يسبقنا احد. مشيرا إلى انها عقلية كانت موجودة في الدول المتقدمة، ولكنها تجاوزتها. مؤكدا أن هذا الأمر لا يدعو إلى الخوف.ولكن ما الذي يدعو إلى الخوف؟. يقول مونن، عندما توجه الانتقادات إلى مضمون الدراسات بطريقة اعتباطية ومن دون أن يكون هناك أي مبرر علمي لتسجيل المآخذ على دراساتنا، هنا يكمن الخوف. مضيفاً، لهذا نرى بعض الوسائل الإعلامية تشكك و«تحطم» بالدراسات، إن لم تأت «على مزاجها»، على الرغم من أن كلمة «أنا الشركة الأولى» غير موجودة في قواميس العلم المتطور، لأنه من غير الممكن وجود شركة «أولى» في كل شيء. موضحاً أن الدراسات تشير إلى «تفوق» الشركة في قطاع معين أو في هدف معين أو في شريحة معينة، وهذا هو الوضع الطبيعي.التحديات وتطور الأعمالتحدٍ آخر تواجهه «إبسوس» ومنافسوها في المنطقة، ويتمثل في غياب الأرقام الإحصائية الحكومية. ويقول مونن، ان شركته تتجاوز هذا التحدي وتتقدم بأعمالها إلى الأمام مع منافسيها. وفي موضوع المنافسة، يؤكد مونن أن المنافسة شريفة بين شركات القطاع، وتحكمها أخلاقيات المهنة، وهي تسهم في تطورها، وفي المحافظة على مستوى عال من الخدمات. مشيراً إلى أن المنافسة في المنطقة تنحصر اليوم بين 5 شركات عالمية ونحو 10 شركات إقليمية ومحلية. ويرى ان هذا عدد كافٍ لتغطية حاجة السوق الحالي. مؤكدا أن أحدا لا يحتكر السوق. واضعاً «إبسوس» في المرتبة الأولى على مستوى عدد العملاء، وبين الشركات الخمس الأول على مستوى المنطقة.وفي سياق آخر، يؤكد مونن ان أغلبية المعلنين الكبار العالميين يرجعون إلى الدراسات قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بالإعلان، وأن أغلبية الشركات الإقليمية دخلت في هذا «الجو». كاشفاً عن أن «إبسوس» طورت خدمات جديدة مرتبطة بصناعة الإعلام ستعلن عنها قريباً. يذكر أن «إبسوس» هي شركة فرنسية انطلقت في العام 1975 وباتت من أكبر شركات الدراسات في العالم، حيث تتواجد اليوم في 56 بلدا بشكل مباشر، وتغطي أكثر من 100 بلد عبر ممثلين لها، وتجري سنويا أكثر من 8 ملايين مقابلة.
نمو الإنفاقتبين دراسات «إبسوس» أن الإنفاق الإعلاني في الإمارات ارتفع من 4. 973 مليون دولار في العام، إلى 23. 1 مليار دولار في العام 2006، بنسبة نمو بلغت 27%، ووصل إلى 477. 1 مليار دولار في العام 2007 بنسبة نمو بلغت 20%. في حين ارتفع حجم الإنفاق الإعلاني في دول الخليج مجتمعة من 4. 4 مليارات دولار في العام 2005 ووصل إلى 151. 7 مليارات في العام 2007.
حصص الإنفاقتشير أرقام «إبسوس» إلى ان المطبوعات في الإمارات تستحوذ على الحصة الأكبر من الإنفاق الإعلاني تليها الإعلانات الخارجية. وتستحوذ المطبوعات على نسبة 7. 89% من حجم الإنفاق الإعلاني، فيما يستحوذ التلفزيون على نسبة 9. 2% من إجمالي هذا الإنفاق. في حين تستحوذ الراديو على نسبة 4. 1%، والإعلانات الخارجية على نسبة 5%، في حين تستحوذ السينما على نسبة 1%.



