يزيد عدد الأثرياء، ممن يملكون موجودات مالية لا تقل عن مليون دولار في الإمارات على 75 ألف مليونير، أي ما يعادل 8. 8% من مجموع عدد المواطنين في الدولة، وهي النسبة الأعلى في العالم، بينما يتوقع أن تشهد السنوات المقبلة زيادات مطردة في أعداد الأثرياء، وفي ظل الطفرة الاقتصادية والعقارية، التي تشهدها الدولة حاليا، والنمو الكبير في الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع عائدات النفط وتوسع القطاعات غير النفطية وارتفاع فوائض التجارة والحساب الجاري.

والنمو الكبير في عدد الأثرياء في الدولة، حيث يتزايدون بمعدل سنوي لا يقل عن 15%، تطرح تساؤلات مهمة حول دور الأثرياء في تنمية المجتمع، في وقت بدأت فيه الدولة تمنح القطاع الخاص دورا فاعلا ومتزايدا من خلال برامج الخصخصة والإصلاح الاقتصادي الذي بدأت عجلته تدور، وفي وقت بدأ فيه ظهور قاعدة متنامية من أصحاب الأعمال الأثرياء.

وفي ظل ما تشهده الساحة الاقتصادية المحلية من ازدهار وتحرر وانفتاح، يتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة مزيدا من النشاط في بيئة العمل المحلية، ما يعني مزيدا من الثروات الخاصة، وهو ما يحتم ضرورة إعطاء أولوية قصوى لتفعيل وتنظيم دور رجال الأعمال في تنمية المجتمع، وهو ما يتطلب منهم الارتقاء إلى مستوى المسؤولية التي تفرضها عليهم هذه الظروف والمتغيرات التي يحققون من خلالها مكاسب كثيرة.

هؤلاء الأثرياء إن قدر لهم أن يعملوا في دول أخرى لاستقطعت حكومات هذه الدول شطرا كبيرا من ثرواتهم في شكل ضرائب، بمسمياتها المختلفة، وعليه فإن أصحاب الأموال تقع عليهم المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية تجاه مجتمعهم ووطنهم الذي يقدم لهم الكثير، حيث إن المستويات العالية من الأرباح التي تحققها أعمالهم ومؤسساتهم يعود في جزء كبير منه إلى تحسن بيئة العمل الاقتصادي والاستثماري والتجاري، وهو ما أتاحته الدولة للجميع دون استثناء.

قبل عامين، نظر العالم كله بإعجاب للملياردير الأميركي، وارين بافيت، عندما تبرع بما يمثل 85% من ثروته، في ذلك الحين، أو ما يعادل أكثر من 37 مليار دولار للأعمال الخيرية، وكان قد سبقه في هذا المضمار، بيل غيتس، الذي يتصدر قائمة أثرياء العالم، بالإعلان عن تخصيص نصف ثروته، التي كانت في حدود 55 مليار دولار لإنشاء صندوق عالمي للدعم المجتمعي، بينما سبقهم في هذا المضمار عدد من كبار رجال الأعمال الأميركيين، بل إن عددا كبيرا من الجامعات الأميركية العريقة والمرموقة قد أنشئت في الأساس بأوقاف من رجال الأعمال.

رغم كل ما تمت الإشارة إليه من أوجه التقصير الاجتماعي لرجال المال والأعمال، في الدولة، فإن ذلك لا ينفي بالطبع وجود نماذج لرجال الأعمال الذين أدركوا أهمية الدور الاجتماعي وأسهموا بفاعلية في العديد من المشروعات الاجتماعية الناجحة، بل إن بعضهم حاول إضفاء قدر من المؤسسية على أعمالهم في خدمة المجتمع، وممارسة مسؤولياتهم الاجتماعية بشكل أكثر تنظيما وبفاعلية أكبر، في ظل غياب رؤية واضحة تنظم وتقنن جهود العمل الاجتماعي في الدولة.

وهناك حالات كثيرة في السابق شهدت تدافع وتنافس رجال الأعمال للتبرع بمبالغ طائلة لدرء آثار العديد من الكوارث التي ضربت دولا ومناطق في شتى بقاع العالم، ولكن عندما توافرت الآليات الصحيحة والمتكاملة لشحذ الهمم في هذا الاتجاه، خاصة من قبل وسائل الإعلام التي أتاحت من خلال تلك الأحداث فرصة لرجال الأعمال للإعلان عن أسمائهم والترويج لمشروعاتهم، ما يعني أن رجل الأعمال يريد مقابلا رمزيا أو معنويا حتى ينخرط في العمل الخيري.

وضعف الدور الاجتماعي للأثرياء ورجال المال والأعمال وشركات القطاع الخاص عموما، قضية يجب طرحها بقوة وجدية للنقاش في وسائل الإعلام وفي أروقة المجلس الوطني الاتحادي، للخروج برؤية اتحادية واضحة لبلورة وتنظيم وتنشيط هذا العمل، في ظل الاتساع في طبقة الأثرياء ونشاط القطاع الخاص.

وثقافة «المسؤولية الاجتماعية» للقطاع الخاص لن تتبلور من خلال النوايا الحسنة لرجال المال والأعمال والشركات فقط، فثمة عوامل ضرورية أخرى لتكريسها وتنظيمها. وإذا كان النقد ينصب اليوم حول تقاعس شركات القطاع الخاص بشكل عام وعدم مساهمتها في خدمة القضايا الوطنية والمجتمعية.

فإن الجهات الحكومية وشبه الحكومية المعنية ووسائل الإعلام تتحمل القسط الأكبر من هذا التقصير. إن مختلف الأطراف عليها أن تجلس لبلورة وصياغة رؤية واضحة للانطلاق بالعمل الاجتماعي والوطني للقطاع الخاص خلال المرحلة المقبلة.