شهدت الساحة النفطية في منطقة الخليج العربي في الآونة الماضية تحولات نوعية تغيرت من خلالها المنهجية التي تتبناها هذه البلدان تجاه ثرواتها النفطية. فقد أشار المشاركون في معرض كيم الشرق الأوسط 2008 الذي اختتم أعماله في دبي مؤخراً إلى أن دول الخليج لم تعد تكتفي بأن يجري شحن وتصدير النفط الخام إلى الخارج فحسب.
حيث ظهر اتجاه قوي لتطوير اقتصادي نفطي متكامل يقوم على ضمان وجود قيمة مضافة إلى الموارد الطبيعية المتاحة في دول المنطقة، وعلى رأسها النفط بلا شك، والدخول في شراكات مع أطراف خارجية لتعزيز مراكزها على المستوى الإقليمي.
الأمر الإيجابي في هذا الشأن، كما يؤكد عبد الله صالح بن زيد الحقباني، أمين عام الاتحاد الخليجي لمصنعي البتروكمياويات والكيماويات، «هو الدعم الحكومي المقدم من خلال الشركات الوطنية العاملة في المنطقة مثل سابك وغيرها من الشركات العاملة في مختلف دول الخليج العربي».
وتأتي تصريحات الحقباني لـ «البيان الاقتصادي» منسجمة مع توجهات السوق في الفترات القليلة الماضية؛ فقد دفعت عملاق الصناعات البتروكيماويات السعودي سابك العام الماضي نحو 11 مليار دولار نقدا لشركة جي بلاستيكس كي تتحول إلى «سابك للصناعات البلاستيكية المبتكرة» (سابك انوفيتيف بلاستيكس) ومن ثم يمكنها الاستفادة من شبكة التوزيع الهائلة التي تتمتع بها جي إي بلاستيكس وأنظمة التسويق المتطورة لديها.
الأمر المؤكد في الآونة الحالية هو أن التوسع جار على قدم وساق في صناعة البتروكيماويات من أجل اجتذاب أكبر قدر ممكن من الاستثمارات. والمعيار الرئيسي في هذا الشأن كما يشير الحقباني هو «القدرة على الوصول بفعالية إلى المواد الأولوية المغذية للمشاريع العملاقة التي تشهدها هذه الصناعة».
وتنتج دول الخليج 30 صنفاً من المنتجات البتروكيميائية المتوسطة الأكثر شيوعاً، وما يعادل 7% من حجم الإنتاج العالمي. وهذا بدوره سيفضي إلى زيادة مقدارها 20% من الناتج العالمي بحلول العام 2010، نصفها تقريباً سيكون من إنتاج السعودية.
وتستثمر الإمارات العربية المتحدة بشكلٍ ضخم في قطاع الصناعة البتروكيميائية وستضاعف قدرتها الإنتاجية ثلاث مرات، ما يسمح بخلق فرص جديدة في قطاع المعالجة النهائية والاستخدام النهائي. ويُقدر أن يبلغ حجم الاستثمارات الجديدة في القطاع الكيميائي والبتروكيميائي في دول مجلس التعاون الخليجي بحلول العام 2010 نحو 40 مليار دولار أميركي.
وقد أشاد الحقباني بمجمع إنتاج ومعالجة الغاز الحامض (وهو الغاز الذي يحتوي مواد كبريتية) المزمع إقامته في أبوظبي، حيث يدل هذا المشروع إلى الاتجاه الجديد إلى إقامة شراكات بين شركات النفط الدولية وشركات النفط المحلية، وهو الاتجاه الذي يتزامن مع الطفرة الهائلة الحاصلة في مجال استثمارات الطاقة في المنطقة.
يذكر أنه على مدى سنوات عديدة، عمل فريق دراسات مشترك من مجموعة أدنوك (شركة بترول أبو ظبي الوطنية) ومجموعة شل على تطوير تكنولوجيا وأساليب حديثة للاستفادة من احتياطيات أبو ظبي الكبيرة من الغاز الحامض.
وقد أنجز فريق الدراسات هذا دراسة جدوى ووضع مبادئ التنفيذ التي اعتمدت على معرفة مجموعة أدنوك محليا وخبرة شل في مشاريع الغاز الحامض. يقول الحقباني: «يعتبر مجمع أبوظبي لإنتاج ومعالجة الغاز الطبيعي إحدى المظاهر المهمة التي تكشف الاتجاه الجديد الحاصل في سوق الطاقة في منطقة الخليج. فالموارد الطبيعية في المنطقة تتركز في أيدي شركات النفط الوطنية منذ عقود طويلة.
وكانت الأطراف الرئيسية في صناعة النفط العالمية تتطلع منذ فترات طويلة لفرصة العمل بشكل وثيق مع الشركات التي تتحكم في توريد المواد الأولية اللازمة لعمل مصانع المعالجة والتكرير. ولا ننسى في هذا الصدد الطلب المتزايد غير المسبوق من قبل المستهلكين على مختلف أنواع الطاقة لاسيما الكهرباء».
ويرى الحقباني أن الاتحاد الخليجي لمصنعي البتروكيماويات والكيماويات قد لعب دوراً كبيراً في تنسيق الجهود في مجال البتروكيماويات لاسيما على مستوى تحفيز النمو في هذه الصناعة الحيوية إقليميا وتحويلها إلى فاعل قوي عالمياً. «إن كبار المسؤولين والخبراء ينظرون إلى المنطقة على أنها مركز مهم للصناعة العالمية.
وتكمن أسباب بروز منطقة الخليج في أمور عديدة أهمها سهولة الوصول إلى المخزونات، واستخدام أحدث التكنولوجيا، إضافة إلى الموقع الاستراتيجي بين الشرق والغرب وباقي أنحاء العالم. ويتخذ الاتحاد الخليجي لمصنعي البتروكيماويات والكيماويات خطوات مهمة لتعزيز قطاع البتروكيماويات في المنطقة».
ويتوقع الاتحاد الخليجي لمصنعي البتروكيماويات والكيماويات على لسان أمينه العام «فورة» في تصدير البتروكيماويات من الخليج لتتجاوز الصادرات 50 مليون طن مع نهاية العام الحالي. ومن خلال الإحصائيات، تبين أن الصناعات البتروكيماوية ستنمو بنسبة 13% بحلول العام 2010 في منطقة الخليج.
ومن المتوقع أن تحافظ السعودية، التي تستحوذ على 80% من طاقة الإنتاج في منطقة الخليج، على مكانتها كواحدة من أكبر المنتجين العالميين خلال السنوات المقبلة. وفي الوقت الذي تؤكد الإحصائيات أن المملكة العربية السعودية تستحوذ على نصيب الأسد على مستوى الصناعات البتروكيماوية في المنطقة.
فإن دولة الإمارات العربية وقطر والكويت لا تدخر وسعا للحصول على نصيب من القطاع، حيث تعمل الدول الأربع على السيطرة على الصناعة إقليميا قبل الانطلاق إلى آفاق أكثر رحابة على المستوى العالمي. وفي هذا الشأن يتبين أن الدول الأربع في سباق متواصل للحصول على مستثمرين لمساعدتها لبلوغ هذا الهدف.
غير أن الأمر لم يعد يتعلق بمسألة التمويل فحسب، وإنما يتعلق أيضا بالوصول إلى التقنيات اللازمة للقيام بمشروعات استثمارية ذات ثقل على الساحة الدولية. وقد يمثل المشروع المشترك المعروف باسم «بروج» الذي هو شراكة بين أدنوك وشركة بوريليس الأوروبية النموذج المطلوب لمثل هذه الشراكات في المستقبل، وهي الشراكات التي تجمع بين الخبرة الأوروبية والمواد الخام الأولية المتاحة في دول الخليج وذلك بهدف استهداف الأسواق الأسيوية بشكل رئيسي.
يقول الحقباني: «على المدى البعيد قد يكون هناك بعض القيود على المواد الأولية. هناك عدد هائل من المصافي في دولة مثل المملكة العربية السعودية. غير أننا دائما نعتقد أنه على المدى البعيد قد يكون هناك بعض القيود على المواد الأولية».
ويرى الحقباني أن بعض الأطراف التي دخلت الصناعة حديثا في منطقة الخليج قد تسعى إلى تطوير أشكال جديدة من المواد الأولية، غير أنها كي تنجح في هذا الأمر فإنه يتعين عليها البحث عن تقنيات حديثة. وسواء قامت هذه الأطراف بهذا أو لا، فإن التوسع في إمدادات المواد الأولية والتوسع الحاصل في باقي نواحي الصناعة سيحتاج إلى مستويات ضخمة من الاستثمارات».
نمو - %20
تنتج دول الخليج 30 صنفاً من المنتجات البتروكيميائية المتوسطة الأكثر شيوعاً، وما يعادل 7% من حجم الإنتاج العالمي. وهذا بدوره سيفضي إلى زيادة مقدارها 20% من الناتج العالمي بحلول العام 2010، نصفها تقريباً سيكون من إنتاج السعودية. وتستثمر الإمارات العربية المتحدة بشكلٍ ضخم في قطاع الصناعة البتروكيميائية وستضاعف قدرتها الإنتاجية ثلاث مرات.
مشاريع - حاجة ماسة للاستثمارات
تشير التقارير إلى أن الحاجة إلى المواد الأولية تسببت في إيجاد قدر كبير من الاستثمارات في مجال التكرير، حيث تلمح التقارير المتوافرة في هذا الشأن إلى أن حجم مشروعات أوبك سواء الموجودة بالفعل أو تلك التي لا تزال قيد الإنشاء أو التي يجري التخطيط لها في الفترة بين عامي 2005 و2011 ستبلغ طاقتها الإنتاجية نحو 9. 5 ملايين برميل في اليوم.
هذا الحجم الكبير من الإنتاج يعني أن حجم الاستثمارات المتراكمة المطلوبة لإنجاز هذه المشاريع، وذلك بناء على تقديرات مصادر التي توافرت لـ «البيان الاقتصادي»، سيرتفع إلى نحو 66 مليار دولار في الفترة بين 2006 إلى 2008.