بعد تعافي قطاع الطيران على اثر أحداث 11 سبتمبر وتحقيقه أرباحا لاول مرة بعد سنوات سيعود ليواجه متاعب جديدة تضيف إلى مصاعبه وتولد مزيدا من الضغوط على القطاع خصوصا انها مشكلة عالمية لم تقتصر على منطقة بعينها بل باتت مشكلة عالمية إذ ان بيانات وارقام المنظمة الدولية للطيران المدني «ايكاو» تشير إلى ان شركات الطيران ستحتاج إلى أكثر من 15 ألف طيار جديد كل عام خلال العقدين المقبلين وستحتاج الولايات المتحدة الأميركية وكندا إلى نحو 60 ألف طيار حتى عام 2020.
وبالرغم من الضربات التي تلقتها صناعة الطيران المدني خلال السنوات الماضية سواء من خلال أحداث 11 سبتمبر أو انتشار الأمراض المزمنة مثل السارس وانفلونزا الطيور الا ان القطاع تعافى تدريجيا وبدأ يحقق الأرباح اعتبارا من العام الماضي 2007 ومن المتوقع ان ينمو بمعدل يصل إلى 7 بالمئة على مستوى العالم في حين تصل النسبة في الشرق الأوسط إلى 13 بالمئة وهي الأعلى في العالم. وهناك 140 شركة طيران في العالم تستحوذ على أكثر من 70 بالمئة. ويقول طاهر عقيل الرئيس التنفيذي لشركة ناس للطيران إن الشركات ستواجه مصاعب كبيرة إذا لم تتمكن من توفير عدد ملائم من الطيارين تمكنها من تلبية الطلب الكبير موضحا أن أعداد الطيارين المؤهلين عملية تستغرق وقتا أطول من تأهيل الكوادر الأخرى في قطاعات مماثلة خصوصا ان وجود الطيارين يرتبط بقضية أخرى وهي تسلم الطائرات الجديدة مما يزيد الأمر تعقيدا.
ويشير عقيل إلى ان مصاعب شركات الطيران في عدد من دول العالم خصوصا في الولايات المتحدة وخروج بعضها من الخدمة قد يفيد شركات أخرى في جذب خبرات وكوادر هذه الشركات بما فيها الطيارون المؤهلون لكن الشركات مطالبة بالاعتماد على كوادرها المحلية وتأهيلها.
والأزمة الحالية التي قد تعاني منها الشركات مستقبلا أجبرت شركات عدة في المنطقة على تبني برامج تدريب وتأهيل الطيارين في محاولة منها لتعزيز قدراتها خصوصا ان هناك شركات كبرى ومنها طيران الإمارات والقطرية تشهد نموا هائلا في أساطيلها.
ويقول سمو الشيخ احمد بن سعيد آل مكتوم الرئيس الأعلى لطيران الإمارات ان الشركة لديها برامج خاصة لتأهيل الطيارين وهناك أفواج سنوية من الطيارين بتم تأهيلهم لهذه الغاية في الوقت الذي انضم إلى الناقلة خلال العام 2007 أكثر من 400 طيار جديد.
وتذهب الخطوط الجوية القطرية لنفس المنهج الذي تعتمده شركات الطيران الأخرى من خلال تبني برامج تدريب مكثفة للمواطنين.ويقول عبد اللطيف الريس نائب رئيس الخطوط القطرية للشؤون التجارية ان البرنامج الذي تعتمده الناقلة يقوم على تدريب وتأهيل الطيارين القطريين حيث تم تخريج أكثر من 120 طيارا قطريا خلال العام الماضي 2007 في حين يخضع حاليا 100 طيار لبرنامج تدريبي ويتم استقدام الباقي من الخارج.
عملة نادرة تبحث عنها شركات الطيران
ووفقا للأمير بندر بن خالد الفيصل رئيس مجلس إدارة شركة سما للطيران فإن قطاع النقل الجوي في المملكة العربية السعودية بدأ يعاني مؤخرا من نقص عدد الطيارين السعوديين، وقال «الطيار أصبح سلعة عالمية، ونحن نتنافس مع شركات عديدة للحصول على طيارين، وبات علينا منحهم إغراءات كبيرة للعمل» رغم برنامج السعودة الذي تطبقه الشركة.
ويقول سامر عطوي المدير التنفيذي للشؤون التجارية في سما للطيران ان الشركة لديها اليوم أكثر من 100 طيار رغم ان أسطولها يضم 7 طائرات وهي نسبة جيدة بالنسبة لعدد الطيارين لكن النمو المتسارع في قطاع الطيران المدني خصوصا في الشرق الأوسط يدفعنا دوما إلى التخطيط المسبق حتى نكون قادرين على التوسع وتلبية الطلب المستمر.
وأضاف ان الشركة تتبنى حاليا برنامجا لتأهيل الكوادر الوطنية السعودية من مهندسين وطيارين حيث يتطلب اعداد الطيار المؤهل 6 شهور ليصبح قادرا على الطيران بشكل محترف. وتكاد الأزمة تطال معظم شركات الطيران في العالم خصوصا القارة الآسيوية حيث النمو الهائل في هذا القطاع خصوصا الشركات الهندية والصينية.
ووفقا لتقارير عالمية فان الأزمة الحالية للطيارين ستزيد من متاعب القطاع الذي تعرض سابقا لسلسلة من الأزمات منها ارتفاع أسعار النفط وهي أزمة مستمرة إضافة إلى الحروب والأمراض وغيرها.
أسباب الأزمة
ويشير خبراء إلى ان الأزمة الحالية مردها إلى الانتعاش في سوق النقل الجوي والسفر جوا وتطور المطارات وسياسة الأجواء المفتوحة وتأسيس شركات الطيران الجديدة بعد فترة ركود أعقبت أحداث 11 سبتمبر 2001 وقد كثرت شركات الطيران الخاصة والاقتصادية وطغت على قطاع النقل الجوي المتنامي الأمر الذي احدث مزيدا من الضغوط على هذه الصناعة الهشة أصلاً مع توسع شبكة خطوط الشركات وامتدادها إلى قارات العالم .
كما ان ظهور أجيال حديثة من طائرات النقل الجوي المتطورة من مختلف الأحجام زادت الأزمة الحالية حيث تتطلب هذه الطائرات مزيدا من التدريب على تقنياتها الحديثة وأنظمتها المتطورة الجديدة. وقد خفضت الشركات من مستويات الخبرة التي تريدها للطيار مع النقص الكبير في اعداد المؤهلين وهذا قد يعرض هذه الصناعة إلى ارتكاب أخطاء قد تكون كارثية في بعض الأحوال.
والغريب ان نقص الطيارين كان عاملاً رئيساً في إلغاء رحلات لبعض شركات الطيران خصوصا في الولايات المتحدة الأميركية.هذه الأزمة مثلا أدت إلى تدخل الكونجرس الأميركي لتمرير بعض القوانين والخاصة برفع سن التقاعد للطيار من 56 إلى 60 سنة.
قبل مدة وجيزة أعلنت عدة خطوط طيران عالمية عن حاجتها الماسة لطيارين جدد فيما سجلت العديد من الشركات ولاسيما تلك المنخفضة التكاليف معدل عجز قياسي بالطيارين، واضطر بعضها إلى تخفيض عدد ساعات الخبرة المطلوبة عند تعيين الطيارين إلى الثلث من 1500 ساعة طيران إلى 500 ساعة فقط.
مما سيؤدي إلى حدوث كوارث في المستقبل إذا استمرت هذه الحال، ومع تفاقم مشكلة إحالة كبار الطيارين إلى التقاعد بعد بلوغهم سقف السن القانونية لذلك وهي سن الستين، وأصبح القليلون جدا من الطيارين الجدد يسدون حاجة تلك الشركات الجوية، وأظهرت الإحصائيات الحالية أن الطيارين الخريجين باتوا أقل من الذين يحالون على التقاعد.
تكاليف باهظة للتدريب
ومع تنامي ارتفاع الأسعار فان أسعار التدريب باتت أعلى بكثير من السابق وتكلف أحيانا مئة ألف دولار وهي تدخل ضمن التكاليف التشغيلية المباشرة وتؤثر حتما في أداء الشركة المالي، لكن التقصير من ناحيتها سيؤدي إلى حدوث حوادث خطرة قد تودي بحياة الكثير من الأبرياء.
وتستغرق مدة تدريب المنتسبين عادة سنتين تتخللها عدة اختبارات جوية ونظرية تنتهي بحصوله على رخص طيران لكن معظم شركات الطيران لم تعد تتحمل بالكامل كلفة التدريب تلك والتي باتت في ازدياد نتيجة متطلبات التطور بهذا المجال.. إذا، فإن هناك مشكلة كبيرة تواجه الانتعاش في حركة السفر الجوي، والحلول تتطلب ترتيبا وحيطة وحذرا ولا بد للشركات من الرضوخ لها والحلول موجودة.
قصور الصرف على برامج التدريب بالنسبة لمنتسبي الطيران والذين يمارسون المهنة أيضاً بحجة التوفير، وإجهاد الطاقم الموجود في الخدمة الفعلية من زيادة ساعات التشغيل عليه فوق المعدل يعد انتهاكا لقوانين السلامة الجوية وتهديدا لها.
ويذهب الخبراء إلى المطالبة بتعزيز الاستثمار في الموارد البشرية لهذه الصناعة مع وجود الطلب الكبير عليها في مختلف أسواق العالم فهناك حرب على الكفاءات مع وجود المنافسة الشرسة. والخلاصة ان حجم النمو الكبير في صناعة الطيران المدني يفوق بصورة متزايدة، حجم الكادر الفني المخصص لتسييره وهم الطيارون والفنيون الهندسيون .
وهناك من يدعو إلى تبني أساليب وطرق جديدة وسريعة لتدريب الطيارين بما فيها ان تبدأ الشركات بصرف رواتب لهم خلال فترة الدراسة وتعزيز الأحوال المعيشية للطيارين المؤهلين واستخدام مزيد من التكنولوجيا لتسهيل عمليات التدريب والتأهيل.
مخاوف - الخبرة أكبر تحديات صناعة الطيران
أصبحت في الوقت الحالي ظاهرة نقص عدد الطيارين ذوي الخبرة من أكبر التحديات التي تواجهها الناقلات الجوية في العالم، وبات بعض تلك الشركات في بعض دول العالم يلجأ إلى أساليب غير صحيحة لسد مثل هذا النقص الحاد مثل تعيين طيارين غير مختصين بقيادة طائرات الركاب الثقيلة.
كطياري رش المحاصيل الزراعية الخفيفة ذات المحرك المروحي البسيطة جدا وخلافها، وتدريبهم بصورة قصيرة بدورات لا يتاح لهم فيها حتى التعرف على أهم قوانين الطيران المدني، والنتيجة الوقوع في حوادث لا تحمد عقباها.
كما تقوم بعض الشركات بتخفيض ساعات الطيران المطلوبة بالنسبة للطيارين المتقدمين وهي بحدود 2500 ساعة في الشركات الجوية الكبرى و1500 ساعة تقريبا في الشركات الإقليمية على الأقل، متنازلة عن معاييرها المتبعة، والكارثة الكبرى أن سلطات الطيران المدني توافق على ذلك لبعض الدول.
وعلى سبيل المقارنة فقط ففي عام 1985 كان 22% من الطيارين العاملين على شركات الطيران العالمية حاصلين على أقل من 2000 ساعة طيران، وفي عام 1990، عندما واجهت تلك الشركات نقصا في إمدادات الطيارين وصل ذلك المعدل إلى 44%من الحاصلين على أقل من 2000 ساعة طيران.
ولا تزال الشركات العالمية والإقليمية حتى الآن تستخدم طيارين أقل خبرة، متناسين أن حوالي 80% من حوادث الطيران ترجع إلى الخطأ البشري والدليل معدل الحوادث المرتفع في العام الماضي.
معايير - مخاوف السلامة والأمن
تثير مشكلة نقص الطيارين الكثير من مخاوف السلامة والأمن في الأجواء خصوصا في حال تخفيض معايير الكفاءة والخبرة المطلوبة بالنسبة للطيارين من قبل شركات الطيران. وقد اعترف الاتحاد الدولي للنقل الجوي بهذه المشكلة واصفا إياها بأنها باتت قضية عالمية خطيرة مع توجه هذه الصناعة لان تكون «صناعة منخفضة التكاليف».
وتقول الاياتا ان الأسواق الناشئة خصوصا في الهند والصين قد تكون الأكثر تضررا مع معدلات النمو المرتفعة في حركة النقل الجوي وعدم قدرة الشركات على توظيف المزيد من الطيارين «إذا توفروا».
وأشارت المنظمة الدولية إلى ان شركات الطيران نجحت خلال السنوات الماضية في تحسين إنتاجية العمل بنحو ثلثين لكن نقص الطيارين اجبر شركات عدة في العالم على توسيع شبكاتها وخطوطها الدولية ومنها مثلا تراجع شركة الطيران الهندية والغاء خط كالكوتا ـ لندن بسبب نقص الطيارين لطائرة بوينج 777 الحديثة.
والمشكلة تتفاقم لعلاقتها بعوامل السلامة والأمن خصوصا إذا علمنا ان أكثر من 90 بالمئة من الحوادث الجوية تقع بسبب الأخطاء البشرية. والأمر قد ينسحب على نقص في الكوادر الأرضية المؤهلة .
خصوصا المراقبين الجويين ومنهم كما يقول الاتحاد الدولي للمراقبين الجويين من يعمل ساعات إضافية تفوق طاقاتهم مما يعرض الصناعة إلى مزيد من الأخطاء هذا إذا استثنينا بعض الإضرابات هنا وهناك للمطالبة بتحسين أوضاعهم.
دبي ـ علي الصمادي

