قال خبراء ومحللون استطلعت «البيان» آراءهم إن قرار مجلس النواب الأميركي بالموافقة على مشروع قانون يسمح لوزارة العدل الأميركية بمقاضاة أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» لا يستند في حد ذاته إلى أي أطر قانونية ولا منطقية وذلك نظراً لعدم وجود معايير محددة يمكن أن تجعل من الولايات المتحدة التحكم في مستويات إنتاج أوبك، ويكشف إلى حد بعيد مدى ضعف قراءة المشرعين الأميركيين لواقع أسواق الطاقة.

وينص القانون على إمكانية إخضاع الدول المنتجة للنفط من أعضاء منظمة أوبك لقوانين مكافحة الاحتكار ذاتها التي يجب على الشركات الأميركية أن تلتزم بها. لكن يبرز هنا سؤال مهم حول ما إذا كانت أوبك تمارس الاحتكار أم لا؟. والإجابة على هذا السؤال هي أمر في غاية الأهمية إذ المنظمة وبحسب ما هو منظور تكشف عن معدلات إنتاجها وتصديرها بشكل دوري، وهي تؤكد دائماً أن الإمدادات غير مسؤولة على الإطلاق عن مسألة ارتفاع أسعار النفط خلال الفترة الأخيرة، بل أن المضاربات وانخفاض الدولار هما المتسببان الرئيسيان في أوضاع السوق الحالية.

وقال الدكتور أيكار وورتز الخبير الألماني المتخصص في شئون الطاقة، مدير البرنامج الاقتصادي بمركز الخليج للأبحاث بدبي إن القرار جاء انطلاقاً من إحساس الولايات المتحدة الأميركية بأن أوبك لا تقوم بتزويد الأسواق بما يكفي من إمدادات، لكن ذلك ليس صحيحاً، لأن الاحتياطيات محدودة والسوق النفطي العالمي يحتاج إلى قدرة احتياطية أكبر حتى يمكن تلافي الأزمة الحالية. ورأى وورتز أن سوق النفط بات شديد الحساسية لدرجة أن أصغر الأمور باتت تؤثر عليه. وأضاف «هذا قرار أراد به الساسة مجاملة المنتخبين وهو ذو أبعاد سياسية كبيرة». وربط الخبير الألماني بين تراجع الإنتاج في بحر الشمال ومناطق أخرى من العالم والأوضاع السوقية الحالية، وقال إنه إذا لم تكن هنالك اكتشافات كبيرة خلال الفترة المقبلة سينخفض الإنتاج بشكل أكبر، وطالب في هذا الجانب بضرورة تكثيف الاستثمارات في قطاع الطاقة.

وحول الحلول المطلوبة من وجهة نظره قال «يجب على الأميركيين أن يعملوا على ترشيد استهلاك النفط يجب استخدام القطارات يجب تغيير كل العادات الاستهلاكية». كما طالب أميركا أيضاً بالتدخل لوقف موجة المضاربات التي تتم داخل أسواقها، وقال إن جزءا من أسباب ارتفاع الأسعار هو ضعف سعر الدولار، لكنه استدرك «هذا جزء من الحقيقة فهنالك مضاربات قوية تجعل الأسواق تبتعد عن نظرية العرض والطلب وهنالك مشاكل في تزويد النفط». وأشار وورتز إلى أن ضعف الدولار هو مسؤولية أميركا نفسها إذ أن حجم الإنفاق داخل الولايات المتحدة يفوق إلى حد كبير حجم الإنتاج الأمر الذي يحدث خللاً يؤدي إلى ضعف الدولار. وقلل خبراء ومحللون نفطيون سعوديون من أهمية مشروع القرار ووصفوا تلك الخطوة بأنها «ابتزاز سياسي» لدول المنظمة، هدفها تغيير سياساتها النفطية .

ورغم أن القرار الأميركي قد استثنى المملكة العربية السعودية أكبر منتج للنفط في العالم ولم يذكرها ضمن الدول التي استهدفها القرار وهي : اندونيسيا ، الكويت ، دولة الإمارات العربية المتحدة ، قطر ، نيجيريا ، وفنزويلا إلا أن القرار قوبل برفض واستنكار الأوساط النفطية والاقتصادية في السعودية .

وقال رئيس مركز جواثا الاستشاري للمعلوماتية والخبير الاقتصادي المعروف د. إحسان بوحليقة أن هذا القرار يعد نوعا من «الابتزاز السياسي المفضوح» ولا يراعي الجهود التي تبذلها دول الأوبك للمحافظة على الأسعار وحجم الإمدادات النفطية التي تأثرت بالدرجة الأولى بسبب المغامرات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي .

وأضاف بوحليقة وهو أيضا عضو في مجلس الشورى السعودي أن بداية الارتفاع في أسعار النفط جاء مع التدخل العسكري الأميركي في العراق وأفغانستان وانه على الرغم من ذلك حافظت دول الأوبك على مستوى الإمدادات في السوق الدولية .وقال «يجب النظر أيضا إلى أن كثيرا من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي لا يريدون الاعتراف بأن نقص البنزين في بلادهم ناتج أساسا عن تقادم ومحدودية الطاقات الإنتاجية للمصافي الأميركية» .

ومن جهته وصف المحلل النفطي السعودي فهد العتيبي بأنه «ابتزاز سياسي» مرفوض لن تقبل به دول الأوبك ولا أي دول عاقلة في العالم ، مشيرا إلى أن إلقاء اللوم على دول الأوبك ومحاولة الضغط عليها أصبحت عادة أميركية قديمة تتكرر كلما ارتفعت الأسعار أو انخفضت مستويات العرض في السوق . وقال «لماذا يغمض الأميركيون أعينهم عن آلية عمل منظمة الأوبك القائمة على العرض والطلب ، كما أن منظمة أوبك ليست منظمة سياسية، إذ أن هدفها ينحصر في التنسيق في سياسات دولها المتعلقة بإنتاج وتصدير النفط» .

ومن جانبه قال الباحث السعودي عبد الرحمن المطيري المتخصص في الدراسات النفطية إن منظمة أوبك عملت ولسنوات طويلة على تأمين توازن الأسواق لمصلحة المستهلك والمنتج بما في ذلك الدول النامية ومن الظلم أن تكافأ في نهاية المطاف بمثل هذا القانون الأميركي الجائر .

غياب كامل للأسس القانونية

قال الدكتور مصطفى العاني المستشار الأول في مركز الخليج للأبحاث والمتخصص في شؤون الطاقة أن قضية إقرار مجلس النواب الأميركي لمشروع قانون يقضي بمقاضاة أوبك بشأن أسعار النفط ليس قضية جديدة، فالفكرة تاريخية نشأت منذ الستينات على أساس أن أوبك مؤسسة احتكارية تقوم بالسيطرة على أسعار وكمية النفط المتداولة في السوق، فالقانون الأميركي يمنع أي منظمة أو مؤسسة تهدف للاحتكار وتهدف لفرض أسعار على السوق.

وأضاف العاني: «الولايات المتحدة فيها مدرستين الأولى تقول بأن منظمة أوبك غير قانونية وتقوم بعمل غير قانوني قائم على الاحتكار والسيطرة على الأسواق، أما المدرسة الثانية فترى في وجود أوبك فوائد كثيرة، فالنفط مادة إستراتيجية ويجب أن يكون هناك وجود لهيئة تنظم توريد هذه المادة الإستراتيجية، ووجد القائمون على تلك المدرسة أن سيطرة أوبك على الأسعار كان نافعا للاستقرار الاقتصادي في العالم لأنه في نهاية الأمر قوى السوق هي من تحدد الأسعار وليس قرارات أوبك، فأوبك هي مؤسسة تنظيمية وليست تسعيرة».

وسألنا الدكتور العاني عن ما يمكن حدوثه إذا ما افترضنا حدوث السيناريو الأسوأ ووافق البيت الأبيض على قانون المشروع، وكيف سينعكس ذلك على مستقبل العلاقات التجارية الأميركية مع دول منظمة أوبك فقال العاني: منظمة أوبك لن تكون ملزمة بأي من قرارات الكونغرس الأميركي حتى لو افترضنا حدوث السيناريو الأسوأ ونجح الكونغرس في انتزاع قرار المقاضاة وفي أسوء الأحوال فالرئيس الأميركي الحالي أو المقبل بإمكانه استخدام حق النقض (الفيتو) ضد قرار المقاضاة.

أما بشأن مساحة تأثر العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة ودول منظمة أوبك فالأمر يعتمد بالدرجة الأولى على طبيعة القرار الأميركي هل هو قرار احتجاجي الغرض منه هو الاحتجاج على منظمة أوبك أم أن القرار تحذيري يبعث برسالة تحذيرية إلى أوبك أم أنه قرار عقابي الغرض منه فرض عقوبات على أوبك والسؤال سيكون ما هي نوعية تلك العقوبات.

وأتصور أن الولايات المتحدة ليست لها مصلحة في فرض عقوبات على دول أوبك المنتجة للنفط بسبب وجود أزمة كبيرة في توريد النفط وفي وفرة النفط لذلك لا يوجد منطق في فرض عقوبات على دول أوبك كون أن الولايات المتحدة حاجتها لدول أوبك أكبر من حاجة تلك الدول للولايات المتحدة.

دبي ـ كفاية أولير ـ الرياض ـ عبدالنبي شاهين