هناك اختلافات أكثر تعقيدا في المفاوضات لا تدرك معها سببا واضحا، إذ تمس جوهر قدرتكما على التفاهم. وهنا ينتابك الإحساس الدفين بالإحباط لذا عليك التوقف والتأمل لبرهة قبل اتخاذ أي قرار أو خطوة في اتجاه التهدئة أو التصعيد، لان وضع إصبعك على المشكلة هو الخطوة الأولى لحلها.
(لا أريد أن ارتكب أي فعل أحمق)، (لا أريد أن أسيء للآخرين)، (لا اعرف شيئا عن سلوكياتهم) هذه هي بعض الأهداف الأكثر شيوعا التي يعبر عنها الأشخاص الذين يشتركون في دورات أو ندوات خاصة للتفاوض الدولي وعلاقات الأعمال بين الثقافات المختلفة.
من المؤكد ان أي محاولة من قبل طرف ما لإظهار فهمه وحساسيته لعادات وتقاليد بلد آخر ستحظى بتقدير أهل هذا البلد، فذلك سيساعد على تعزيز علاقات العمل ولكن يجب ان نفهم ان إغفال إظهار هذا الفهم أو هذه الحساسية في مثل تلك النقاط الفرعية قد لا يكون له تأثير كبير وانه من الأفضل التركيز على الاختلافات الجوهرية بدلا من الغرق في التفاصيل.
لن تكون نهاية العالم إذا ربت على رأس احد أبناء جزر الملايو أو رفعت نعل حذائك في وجه مفاوضك النمساوي أو العربي فقد لا تحظى هذه التصرفات بقبوله، ولكن في حال عدم وجود خلافات أخرى جوهرية فان هذه التصرفات لن تؤثر بشكل جاد أو خطير على علاقاتكما.
ولكن التمادي في الجهل ولأكثر من مرة سيثير ضيق المفاوض، ولهذا تعتبر معرفة اتيكيت وقواعد العادات والسلوك في غاية الأهمية لان أي خلل بسيط في تلك القواعد سيكون القشة التي تقسم ظهر البعير، وهذا يعني أن الشك سيبقى سيد الموقف.
ولكن من الطريف ان العديد من المفاوضين يعتبرون مثل هذه الاهتمامات السطحية بشان العادات والايتيكيت وقواعد السلوك على أنها أمور ذات أهمية قصوى يجب استيعابها بحرص قبل الشروع في مفاوضاتهم مع شركائهم الأجانب.
ومن المؤكد ان هناك أسباباً كثيرة لهذه الجهود الموجهة اتجاها خاطئا ولعل من هذه الأسباب انه أمر سهل وبسيط للغاية، فكل ما يحتاجه ليشرع في رحلته التفاوضية هو التزود بمثل هذه المعلومات، بينما نجد أن محاولة التركيز على المواضيع الثقافية العميقة عادة ما تكون أمرا صعبا للغاية إذ انه يتطلب نوعا من الاستكشاف للمجهول.
ونحن هنا بصدد اختلافات أساسية في الأطر العامة بين الطريقة التي ترى بها انت ويرى بها شخص آخر حقائق الحياة الجوهرية، فالاستجابات السلوكية لمثل هذه الاختلافات الأساسية تتطلب منا ان نقتحم عالم المجهول وهو أمر ليس بسهولة أمور سطحية مثل اختيار أدوات الطعام المناسبة أو أسلوب السلام والتحية المتعبة في ثقافة أخرى بل ان الموضوع هنا يتعلق بالإحساس الشخصي بالأمان.
