تسعى كل من دولة الإمارات العربية المتحدة والنمسا منذ زمن إلى تيسير حياة المستثمرين من كلا الطرفين فيها، وبالرغم من ذلك فإن طريق إبرام صفقات مع شركاء ألمان جدد لا يخلو من العقبات أحيانا، فقد أشارت الدراسات إلى أن أهم العقبات التي تؤثر على نجاح الصفقات بين الطرفين هي العادات الشرقية، ومسألة تقدير أهمية الوقت والسرعة عند العرب.
وأشار مدير غرفة التجارة الخارجية النمساوية في دبي، إلى هذه الاختلافات البسيطة قائلا للمستثمرين النمساويين: « يجب على رجل الأعمال النمساوي أن يعي أنه ليس من الممكن الحضور صباحا إلى الإمارات، وعقد صفقة ما ظهرا مع الشريك المحلي والعودة مساء إلى النمسا». ولكن هل تعتبر مشكلة اختلاف الشعور بقيمة الوقت بين رجال الأعمال ذوي الثقافات المختلفة إحدى الصعوبات التي تقف حائلاً أمام عقد صفقات تجارية ضخمة، أم أن هناك عقبات أخرى تحول دونهما؟ وإذا كان رجل الأعمال النمساوي حساسا بالنسبة لعامل الزمن على عكس نظيره العربي فهل يعاني من نفس الحساسية أثناء اجتماعات العمل؟ وكيف يوجه دفة المفاوضات؟ وما هي العوامل التي تتدخل في تحديد نتائجها؟
«لقد كان هناك خطأ ما، لقد كان لدي إحساس داخلي أنني كنت أتحدث في موضوع مختلف تماما، لم اشعر أنني بالفعل أتفاهم معهم، لقد كانوا ظرفاء بالفعل ولكننا كنا كما لو اننا نتحدث لغتين مختلفتين، لقد بدا لي أننا كان يجب ان نحرز تقدما اكبر بكثير من الذي حققناه بالفعل».
هذه هي نماذج لأقوال رجال الأعمال العرب بخصوص تجاربهم في عقد الصفقات والأعمال في بعض الدول الأجنبية، فالاختلافات الواضحة مثل اختلاف خمس ساعات في التوقيت تصيب البعض بالإحباط. ولكن ربما كانت الاختلافات الأكثر إحباطا هي تلك الاختلافات غير المتوقعة أو غير الواضحة التي نفاجأ بها أثناء تواجدنا بالخارج فتفقدنا توازننا وثقتنا فيما يجب علينا فعله.
وغالبا ما يكون أسوأ إحساس هو هذا الشعور النابع من عدم قدرتنا على تحديد السبب أو وضع يدنا على العلة، فقد يبدو كل شيء على ما يرام على مائدة المفاوضات، فالأمور كلها تبدو وكأنها تسير في مجراها الطبيعي، وليس هناك اي سبب محدد لإحساسنا بانه بالرغم من حسن النوايا والابتسامات الودودة فان المفاوضات في سبيلها للانهيار، وهذا عندما تكون الأمور على ما يرام.
وهناك موقف آخر شائع هو عندما يبدو الطرف الآخر مصراً على العناد والتشكك والتخوف وعدم التعاون في الوقت الذي تبدي فيه أنت كل حسن النية ووضوح الرؤية والايجابية. وكما هو الحال في مواقف إنسانية أخرى كثيرة، فان طرق التفاوض وطرق الاتصال كلها تحددها العوامل الثقافية.
فالعالم من حولنا هو الذي يحدد بالضبط طريقة تفكيرنا وكيفية رؤيتنا لأنفسنا ولعلاقتنا بالآخرين وكيفية رؤيتنا للنجاح، فالعالم من حولنا-ثقافتنا ومجتمعنا- هو البيئة التي نشأنا فيها وفيها نعيش وهذا أمر له تأثيره على أنماط سلوكنا وردود أفعالنا لكل المؤثرات الخارجية.
والتأثير ينعكس أيضا على قيم ومعتقدات واتجاهات كل من نعرفه بدءا من أفراد عائلتنا وصولا إلى صانعي الأخبار الذين نراهم على شاشات التلفزيون ونقرأ عنهم في الصحف. ان الهدف هو فصل هذه المنطقة التأثيرية وتحديد كيف تساعد ثقافتنا وكيف يساعد مجتمعنا على تحديد اتجاهنا ومفاهيمنا وقيمنا وسلوكنا في مجال عقد الصفقات والمفاوضات.
والطريف ان نفس النوع من البرمجة الثقافية التي نخضع لها هنا دولنا العربية له تأثيره أيضا على نظرائنا في الخارج.وهم أيضا لهم رؤيتهم الخاصة للواقع الذي ساعد على تشكيلها التفاعل بين العديد من القوى الاجتماعية في بلادهم، ففي حالة تشابه وتماثل أسلوب حياتنا في الامارات مع أسلوب حياة الآخرين في بلادهم، تتقارب اتجاهاتنا ومواقعنا ومعتقداتنا وتوقعاتنا حين نجلس سويا على مائدة التفاوض، ويصبح هناك الكثير من العوامل المشتركة بين أساليبنا في الاتصال والتفاوض.
ولكن أحيانا تكون ظروفنا المعيشية وظروف نظرائنا المتفاوضين مختلفة، ما يفرض اختلاف رؤيتنا وتوقعاتنا وسلوكنا بشكل واضح، وقد يجد كل منا صعوبة في فهم سلوك الطرف الآخر أثناء التفاوض لان عدم فهمنا للقواعد الأساسية التي يعمل الطرف الآخر على أساسها سيجعل من الصعب علينا توقع وتخمين دوافعهم وتوقعاتهم وأهدافهم.
وتزداد الأمور تعقيدا عندما يحكم كل منا بأسلوبه الخاص وانطباعاته الشخصية، وسيميل كل طرف إلى تفسير الطرف الآخر من خلال المفهوم الثقافي الخاص به مما يضاعف من هوة سوء الفهم بينهما. تمنحنا الثقافة القدرة على رؤية العالم بما فيها من خصائص أسلوب العمل والسلوك والمعيشة اليومية، وسيصعب علينا استيعاب أسلوب عمل معين إذا لم تتوفر لدينا رؤية واضحة للإطار العام الذي تندرج تحته أساليب العمل.
وقد يتوقع النمساويون عندما يجلسون حول مائدة المفاوضات ان يبدأ الاجتماع وينتهي في الوقت المحدد سلفا، وان يتم خلاله مناقشة مجموعة واضحة من النقاط. ولكن قد يتفق المفاوض العربي والنمساوي على الإطار العام للتفاوض مثل الموعد والنقاط الرئيسية ولكنهم قد يصلون متأخرين إلى مكان الاجتماع أو قد يتم مناقشة نقاط أخرى غير مدرجة أصلا في جدول الأعمال أو قد يمتد زمن الاجتماع إلى ساعات أطول بكثير بعد الموعد المحدد.
وهناك اختلافات جوهرية أخرى في الإطار العام لاجتماعات الأعمال، فكل ثقافة لديها مفاهيم خاصة عن علاقات العمل لا توجد بالضرورة لدى الآخرين، وغالبا ما تكون هذه المفاوضات بشأن الاختلافات الثقافية هي الأكثر عمقا وتأثيرا على مجريات الأمور. ولكن كيف تدرك ان لديك مشكلة في فهم ثقافة الآخرين؟
قد تكون محظوظا إذا كانت مشكلتك واضحة مع الطرف الآخر كان يكون كلاكما لا يتحدث لغة الآخر أو انك تتناول طعام الغذاء في الساعة الثانية عشرة ظهرا بينما يتناوله الآخرون في الساعة الثانية بعد الظهر، أو انك تريد بدء المفاوضات المباشرة وهو يريد ان يصطحبك لزيارة احد المعابد أو الآثار المحلية في بلده.
الاقتصاد النمساوي يبحث عن شركاء عرب
لم يأتِ اهتمام النمسا بتوسيع حجم التبادل التجاري بينها وبين دول الخليج العربي بالصدفة، إذ أن هذا الاهتمام كان أحد أسباب الزيارة التي قام بها المستشار شرودر بداية هذا العام إلى دول الخليج برفقة وفد اقتصادي.
التعاون التجاري والاستثماري بين النمسا والدول العربية بشكل عام ودول الخليج والإمارات بشكل خاص يمثل فرصة حقيقية لم يتم استغلالها بشكل أمثل لغاية الآن، إذ أن المنتجات والصناعات النمساوية تتمتع بسمعة جيدة في الأسواق العربية، وذلك نظرا للتقدم الصناعي والتكنولوجي في النمسا.
ولعل عبارة «صنع في النمسا» واستخدامها في بعض الدول العربية كمرادف للجودة العالية هي خير مثال على السمعة الجيدة للبضائع النمساوية. وعلى الجانب الآخر هناك العديد من المنتجات العربية التي لها فرص جيدة في السوق النمساوية مثل بعض المنتجات الزراعية و الصناعات الخفيفة. وهنا لا بد من لفت الأنظار إلى العلاقات السياسية والتاريخية الجيدة بين النمسا والدول العربية. ولكن السؤال الملح هنا،
لماذا لم تترجم هذه المعطيات إلى واقع يعمل على رفع حجم التبادل التجاري والاستثمار المشترك بشكل أفضل؟ طبقا لأحدث بيانات مركز الإحصاء الاتحادي الذي يتخذ من مدينة فيزبادن النمساوية مقرا له، فإن هناك تحسناً نسبياً في حجم التبادل التجاري بين الدول العربية والنمسا في عام 2004، وذلك بنسبة حوالي 10% مقارنة مع عام 2003.
البيروقراطية في مقدمة العوائق
يؤكد المسؤولون ورجال الأعمال العرب والنمساويون في لقاءاتهم أن هناك فرصاً ضخمة للتعاون الاقتصادي بين النمسا والبلدان العربية، ويعزز من أهمية هذه الفرص السمعة الحسنة للمنتج النمساوي في الأسواق العربية من جهة وحاجة هذه الأسواق لمشاريع كبيرة وخاصة في مجالات تحديث البنية التحتية والصناعة من جهة أخرى، غير أن استغلالها يواجه عوائق عدة لا بد من تجاوزها لفتح أبواب أوسع للتجارة والاستثمار، ويبرز في مقدمتها غياب سوق عربية مشتركة تستوعب استثمارات كبيرة.
وهناك حاجة ماسة لاستكمال عقد اتفاقات شراكة تسمح بتبادل السلع والبضائع دون رسوم جمركية عالية، وعلى صعيد الاستثمار لا بد من توفير بيئة استثمارية أقل بيروقراطية في كل من النمسا والبلدان العربية، وفي هذا الإطار لا يكفي إصدار القوانين التي تهدف إلى تحجيم التعقيدات الإدارية وإنما تلك التي تضع آليات لتنفيذها بشكل مبسط ولا ينطوي على هدر الكثير من الوقت، فقد أثبتت تجربة الكثير من الدول العربية مثلاً أن الإدارات الحكومية تشوه في أحيان كثيرة القوانين من خلال تفسيرها وتطبيقها بشكل لا يتناسب والهدف التي وضعت من أجله.
على غرار الواردات النمساوية من المنطقة العربية فإن استثماراتها فيها ضعيفة كذلك وإن اختلف الأمر من بلد لآخر، وينطبق هذا الضعف على الاستثمارات المباشرة التي تقدرها وزارة الاقتصاد والعمل النمساوية بنحو مليار يورو فقط، ويتضح تواضع هذا الرقم إذا أخذنا بعين الاعتبار أن قيمة الاستثمار الخارجي النمساوي المعلن عنه يزيد على 255 مليار يورو.

