تجاهلت أسواق النفط أنباء رفع السعودية لمستويات إنتاجها بمقدار 300 ألف برميل يومياً وقفزت أسعار النفط في ختام تداولات الأسبوع الماضي إلى مستوى قياسي قرب 128 دولاراً للبرميل بعدما رفع بنك الاستثمار جولدمان ساكس توقعاته لسعر الخام. وتحدد سعر التسوية للخام الأميركي مرتفعا 17. 2 دولار عند 29. 126 دولارا للبرميل بعدما لامس في وقت سابق من المعاملات ذروة 82. 127 دولارا.
وصعد مزيج برنت في لندن 36. 2 دولار مسجلاً 99. 124 دولارا للبرميل. وصعدت أسعار النفط إلى ستة أمثالها منذ العام 2002 وتضاعفت منذ العام الماضي مع استنزاف زيادة الطلب من الصين وسائر الدول النامية لفائض الطاقة الإنتاجية مما فرض ضغوطاً إضافية على الاقتصاد الأميركي الذي تعصف به بالفعل أزمة الاسكان.وقال جولدمان ساكس أكثر بنوك الاستثمار نشاطا في أسواق الطاقة إن متوسط أسعار النفط سيبلغ 141 دولاراً للبرميل في النصف الثاني من العام الجاري من جراء شح المعروض. ويستلزم تحقق تكهنات البنك زيادة سريعة في الأسعار الحالية. وقال ديفيد كاتز من ماتريكس لاستشارات الأصول «أقول إن القصة الأكبر هي رفع جولدمان ساكس هدفهم لمتوسط أسعار النفط في النصف الثاني من العام».
وكان جولدمان توقع في وقت سابق هذا الشهر أن تصل أسعار النفط إلى 200 دولار في غضون عامين. كما توقع جولدمان استمرار ارتفاع الأسعار في العام المقبل لتصل إلى 148 دولاراً في المتوسط. وقال البنك في مذكرة بحثية «ظروف شح المعروض لا تزال العامل المساعد الأساسي على ارتفاع أسعار الخام». وتوقعات البنك للعام 2009 هي الأكثر ارتفاعاً بين 30 بنكا. وقال جولدمان انه على الرغم من تقدم المصادر البديلة مثل الوقود الحيوي إلا أن نمو المعروض النفطي تباطأ إلى واحد بالمئة من 8. 1 بالمئة في 2005 وهو ما يقل أيضا عن توقعات البنك لنمو الناتج الإجمالي العالمي في 2008 بنسبة 8. 3 في المئة.
وكان يو.بي.اس رفع توقعاته لأسعار النفط وقال إن مخاطر التضخم الناجم عن ارتفاع تكاليف الخام تعرض تعافي الاقتصاد العالمي في 2009 و2010 للخطر. وقال البنك في مذكرة إن جان ستيوارت الخبير الاقتصادي في مجال النفط رفع توقعات يو.بي.اس لسعر الخام الأميركي إلى 115 دولاراً للبرميل من 96. 86 دولارا أي بزيادة 32 في المئة.
ضغوطات
وتحت ضغط من البلدان المستهلكة المتضررة من موجة الصعود قالت السعودية انها قررت زيادة الإنتاج 3. 3 في المئة أي ما يعادل 300 ألف برميل يوميا للتخفيف عن السوق وتعويض تراجع إمدادات دول أخرى في أوبك. وتزامن الإعلان مع زيارة الرئيس الأميركي جورج بوش الرياض للمرة الثانية هذا العام لطلب المزيد من النفط بغية تخفيف الضغط عن الاقتصاد الأميركي المتباطئ بالفعل جراء أزمتي الإسكان والائتمان.
وقال نعمان بركات النائب الأول لرئيس ماكواري فيوتشرز يو.اس.ايه «عمليا يحاولون مساعدة الرئيس بوش لكنهم في الواقع لا يرفعون إجمالي إنتاج أوبك لأنهم يعوضون حالات نقص». وقال وزير النفط السعودي علي النعيمي في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل رداً على سؤال عن تفكير المملكة في زيادة الإنتاج كما اقترح الرئيس بوش «تعلمون أن كل شهر نستقبل من العملاء ما يقدمونه ونقوم وقمنا بالفعل استجابة لعملائنا بزيادة إنتاج بـ 300 ألف برميل»، مشير إلى أن إنتاج المملكة من النفط 45. 9 ملايين برميل يومياً».
وأوضح النعيمي أن معظم هذه الطلبات لزيادة الإنتاج جاءت من الولايات المتحدة مؤكداً أن «أي طلب يأتي من مستهلكي الطاقة نستجيب له على الفور». ورداً على سؤال عن موافقة المملكة على طلب إيران بخفض إنتاج النفط قال الوزير النعيمي «السعودية تستجيب لطلبات زبائنها في مجال النفط وإذا طلبوا ذلك، فإننا نقدم لهم ما يطلبون والسعودية لديها خمسة أنواع من النفط وهي مستعدة للاستجابة لكافة عملائها».
وعن طلب إيران خفض الإنتاج، قال الوزير النعيمي «إن الطلب على النفط متزايد والمسألة ليست في توفير النفط وإنما تتعلق بعملية الإمداد ذاتها وأنواع النفط المطلوبة». ومن جانبه، قال النعيمي عن انتقاد بعض أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي للمملكة بسبب النفط قال «إن المملكة أنفقت 19 مليار دولار لزيادة إنتاج النفط بنحو نصف مليون برميل يوميا منذ 2005». وأعلن النعيمي أن المملكة «تقوم ببناء ثلاثة مصاف بهدف زيادة التكرير».
وقال «نحن نستثمر في مجال التكرير ونضاعف قدرة هذه المصافي وهو الذي يمكن أن تقوم به المملكة من أجل عملائنا فإذا كان هناك عميل بحاجة إلى النفط عليه أن يأتي إلينا ونقدم له كما قامت فنزويلا نحن نقوم به. وعن إمكانية زيادة المملكة إنتاجها من النفط بأكثر من 12 مليون برميل نفط يوميا قال النعيمي «زيادة الإنتاج تعتمد على ما يظهر من الدول المستهلكة أو الدول المصدرة للنفط».
وأضاف «إننا ننتج 10 ملايين برميل، وفي المستقبل إذا ظهرت حاجة للنفط فان السعودية ليس لديها مانع في زيادة الإنتاج وأننا متأكدون أن هناك حاجة فعلية على الطلب على النفط». ورداً على سؤال لماذا زادت أسعار النفط بعد زيارة الرئيس بوش السعودية في يناير قال الوزير النعيمي «السعر يعتمد على عناصر عدة أقلها الإمداد». مؤكدا أن الإمداد مستمر وبحجم كبير.
وأرجع ارتفاع النفط إلى «قيمة الدولار المنخفضة وعرض السلعة في السوق إضافة إلى وجود مشكلات سياسية في نيجيريا والعراق وفنزويلا»، مؤكداً أن السياسة «تلعب دورها في زيادة أسعار النفط إلى جانب التشاؤم» مؤكداً انه «ليس هنا مشكلة في الإنتاج».
وعلى الفور انتقدت إيران قرار المملكة العربية السعودية بزيادة إنتاجها من النفط. وفى معرض وصفه للقرار السعودي بأنه «إجراء سياسي»، قال وزير النفط الإيراني غلام حسين نوذرى إن الزيادة في الإنتاج ستفضى وحسب إلى زيادة أخرى في الاحتياطيات. وقالت الوكالة إن الزيادة تأتي في أعقاب طلب من الرئيس الأميركي جورج بوش على الرغم من أن قرار السعودية بزيادة إنتاجها بنسبة 3. 3 في المئة (300 ألف برميل) قد اتخذ في العاشر من مايو الجاري.
انتاج
وقالت الإكوادور أصغر منتجي أوبك إن على الدول الأعضاء أن تبحث زيادة الإنتاج لكبح موجة صعود النفط نظرا لان ارتفاع الأسعار يلحق الضرر بالفقراء. وأبلغ الرئيس الإكوادوري رفاييل كوريا رويترز في العاصمة البيروفية ليما «أعتقد إنه ينبغي على أوبك أن تتعامل مع هذه القضية لأنها تضر بكل الدول الأفقر التي تستورد النفط».
ورفضت أوبك من قبل مناشدات لزيادة المعروض خلال الارتفاع الأخير لأسعار النفط. ويحتل الديزل موقع الصدارة في أزمة الطاقة العالمية إذ يوقد شح إمدادات الكهرباء في الصين وجنوب إفريقيا وتشيلي والأرجنتين وأجزاء من الشرق الأوسط شرارة طفرة في الطلب على نواتج التقطير لتوليد الكهرباء.
ومن المتوقع ارتفاع الطلب الصيني على الديزل المستورد بدرجة أكبر في يونيو بعدما عطل الزلزال المدمر الذي ضرب البلاد هذا الأسبوع إمدادات الغاز عن مدن رئيسية ومع قيام الشركات بتخزين الوقود قبيل دورة الألعاب الاولمبية الصيفية. وقال محللون إن ضعف الدولار الأميركي ساهم في مكاسب النفط خلال الفترة الأخيرة.
وهيمن موضوع ارتفاع أسعار الخام على زيارة بوش إلى السعودية لا سيما بسبب أهمية هذا الموضوع للمستهلك الأميركي وتأثير ذلك على حملة الانتخابات الرئاسية المقبلة. وفي حديث للصحافيين، قالت الناطقة باسم البيت الأبيض دانا بيرينو في الطائرة الرئاسية التي كانت تقل بوش من إسرائيل إلى السعودية «بالتأكيد، ثمن الوقود مرتفع جداً بالنسبة للأميركيين»، موضحة أن ذلك يؤثر على النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة. وأضافت «نحن نعتمد على أعضاء أوبك للإبقاء على مستوى مناسب».
وقف التخزين
قالت الحكومة الأميركية إنها ستتوقف عن شراء إمدادات جديدة من النفط لمخزونها الاحتياطي الاستراتيجي. وجاء قرار الحكومة بناء على أوامر تلقتها من الكونجرس الذي صوت الأسبوع الماضي بأغلبية ساحقة لصالح وقف شراء النفط بهدف المساعدة في خفض الارتفاع الكبير في الأسعار.
وذكر بيان صدر عن وزارة الطاقة الأميركية أن عقود الشراء الحالية تنتهي في نهاية يونيو إلا أنه لن يتم التوقيع على اتفاقات أخرى خلال الشهور الستة المقبلة من العام الجاري. وكانت الحكومة الأميركية تعتزم في الأساس الاستمرار في شراء 76 ألف برميل يوميا حتى ديسمبر. وفي ظل حكم إدارة الرئيس جورج بوش، قفز الاحتياطي الاستراتيجي من النفط من 540 مليون برميل إلى 702 مليون برميل حاليا. ويخزن هذا الاحتياطي في كهوف مالحة تحت الأرض في لويزيانا وتكساس.
محدودية الطاقة
وسلط تقرير حديث صادر عن أوبك الضوء على عامل مهم ضمن عوامل ارتفاع الأسعار وهو محدودية طاقة التكرير وتأثيرها على سوق الخام. وقال التقرير إن زيادة العلاوة السعرية للخامات عالية الجودة مقابل الخامات منخفضة الجودة تعكس نقصا في المصافي القادرة على استخلاص منتجات خفيفة مثل البنزين من خامات منخفضة الجودة. وعادة ما يزداد استخدام البنزين في الصيف بسبب السفر لقضاء العطلات بالولايات المتحدة لكن تباطؤ الاقتصاد وارتفاع الأسعار يتوقع أن يؤثر على الطلب هذا العام.
وأشارت أحدث بيانات إلى أن الطلب العالمي على النفط سيزيد 16. 1 مليون برميل يوميا هذا العام تقوده آسيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية وهو ما يقل 40 ألف برميل يوميا عن التقدير السابق. ويبرز التقرير الذي أعده الخبراء الاقتصاديون في أوبك رؤية المنظمة بأن عوامل أخرى غير العرض والطلب ترفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية.


