ربما تكمن الميزة الأكثر أهمية للتقدم الهائل الذي حققته البنوك والمؤسسات المالية على مدى عقود من الزمن في نشوء مفهوم التمويل الميكروي «مايكروفايننس». ويقصد بمصطلح التمويل الميكروي «مايكروفايننس» تقديم خدمات مالية إلى الأفراد الفقراء على شكل قروض صغيرة وغير مضمونة، يستخدمها الفقراء، والفقراء جداً لتأسيس مشاريع صغيرة تساهم في تحسين دخلهم العائلي.

فخلال السنوات ال30 الماضية، كان عدد المستفيدين من خدمات التمويل الميكروي «مايكروفايننس» حول العالم مرتفعا جدا. ابتداءً من أميركا اللاتينية إلى افريقيا إلى جنوب آسيا، أتاحت خدمات التمويل الميكروي «مايكروفايننس» للناس تأسيس مشاريع تنوعت ما بين الحرف اليدوية المنزلية إلى مبادرات معامل الألبان والدواجن وعربات التبريد المتنقلة، ما ولد لديهم شعوراً حقيقياً بالانتماء إلى المجتمع الذي يعيشون فيه. إلى جانب مساهمته في تغيير حياة ملايين الأشخاص في العالم الثالث حول العالم، إلا أن التمويل الميكروي «مايكروفايننس» والائتمان الميكروي «مايكروكريدت» يعتبران من المفاهيم الغريبة نسبياً ضمن شريحة الأغنياء في منطقة الخليج العربي.

إلا أن ما تشهده المنطقة ودبي تحديداً من تقدم لتصبح من اللاعبين العالميين الرئيسيين في عالم الخدمات المالية وقبلة تجذب الأنظار نحوها فيما يتعلق بالأحداث العالمية، بات من الضروري منح مبادرات التمويل الميكروي «مايكروفايننس» الاهتمام والانتباه الذي تستحقه.

على مرّ السنين، تبلور فهم احتياجات ومحددات فقراء العالم على نحو أكثر وضوحاً، حيث أظهر مدى وحجم خدمات التمويل الميكروي «مايكرو فايننس» لتلبية تلك الاحتياجات. اليوم، يشتمل التمويل الميكروي «مايكرو فايننس» على مجموعة أوسع من المنتجات والخدمات مثل الائتمان، حسابات التوفير، التأمين والمزيد من الأدوات المالية، وليزيد بذلك الحاجة إلى أنظمة أساسها التقنية التي يمكن أن تجعل الأمور أكثر سهولة.

«إم آي إف إكس» يروج للتقنية

سيوفر معرض ومؤتمر الشرق الأوسط الدولي للبنوك والتقنيات والخدمات المالية ـ «إم آي إف إكس» 2008، الحدث المتخصص في الشرق الأوسط لقطاع الخدمات المصرفية والمالية والتقنيات المالية وجهة مثالية لترويج موردي التقنيات ذات الصلة بالتمويل الميكروي «مايكروفايننس» الذين من الممكن أن يحدثوا فرقاً كبيراً ومؤثراً في سائر أنحاء العالم.

وسيتميز «إم آي إف إكس» 2008 بمشاركة أبرز موردي التقنية العالميين الذين من الممكن أن يزوّدوا البنوك ومتخصصي التمويل الميكروي «مايكرو فايننس» والمؤسسات المالية الأخرى بالقاعدة الأمثل لمساعدتهم في ترويج، معالجة، توزيع وتتبع التمويل الميكروي «مايكرو فايننس» والائتمان الميكروي «مايكرو كريدت» إلى الأسواق الناشئة حول العالم.

إن تشكيلة الخدمات المرتبطة بالتمويل الميكروي «مايكرو فايننس» مثل مجموعات الإقراض، الدفعات القائمة على الاستثناءات، الإقراض القائم على العقود والحسابات، تتبع صناديق المستثمر والمهام الكاملة لاتحاد الائتمان من الممكن أن تصبح أكثر سهولة من خلال التقنية المعروضة في «إم آي إف إكس»، ما سيمنح البنوك والمؤسسات المالية انطلاقة قوية للانخراط في عالم التمويل الميكروي «مايكرو فايننس».

من ضمن اللاعبين البارزين الذين سيشاركون في معرض «إم آي إف إكس» 2008، «تيمينوس»، شركة البرامج المصرفية الدوليّة. تمتاز «تيمينوس» بخبرة تزيد على عقد من الزمن في مجال التمويل الميكروي «مايكرو فايننس» والخدمات المصرفية للأفراد على المستوى العالمي، مما منحها مكانة فريدة تجعلها مؤهلة لتلبية احتياجات هذا القطاع وتوفير حلول قائمة على أفضل الممارسات المتوفرة في هذا القطاع.

تشمل منتجات «تيمينوس» برامج «إي ميرج اون تي 24»، وهو امتداد لبرنامج «تي 24» المصرفي الناجح المصمم خصيصاً لخدمات التمويل الميكروي «مايكرو فايننس» وقطاع الخدمات المصرفية المجتمعية. طبق هذا البرنامج مع أكثر من 60 عميلاً وضمن مواقع متعددة عبر 50 دولة.

إن التمويل الميكروي «مايكرو فايننس» وتمويل الائتمان «مايكرو كريدت» ربما يعتبران من أكثر المنتجات مكافأة ومنفعة بين سائر المنتجات والخدمات المصرفية الأخرى، ليس بسبب الأرقام المرتفعة المسجلة في كشوف الميزانية العمومية، ولكن بسبب مساهمتهما في تحسين حياة العديد من الناس.

وفي هذا الصدد، صرح موراي غاردينر، مدير التمويل الميكروي «مايكرو فايننس» واستراتيجية الخدمات المصرفية المجتمعية في شركة «تيمينوس» بقوله: «نحن في «تيمينوس» نلعب دوراً حيوياً في مساعدة البنوك والمؤسسات المالية على الوصول إلى شريحة المجتمع المهمّشة لتزويدها بحلول البرامج المناسبة، ونتطلع إلى أن نكون جزءاً من حدث «إم آي إف إكس» المهم».

إن إفريقيا وجنوب آسيا هما المركزان التقليديان لخدمات التمويل الميكروي «مايكروفايننس»، وقد سجلت قصص نجاح عديدة في المنطقتين. ولكن لايزال هناك الكثير من الجهود الواجب بذلها في هاتين القارتين الهائلتين قبل أن تظهرا أي عدم تكافؤ مع العالم الثالث. إن حدثاً مثل «إم آي إف إكس»، الذي يستعدّ لوصل آسيا وافريقيا مع الشرق الأوسط بالإضافة إلى بلدان العالم المتقدمة يتوقع له أن يحدث فرقاً كبيراً ويكتسب أهمية هائلة.

وسيقام حدث «إم آي إف إكس» الافتتاحي في مركز دبي الدولي للمؤتمرات والمعارض خلال الفترة من 1 ـ 3 يونيو 2008، وسيوفر نموذجاً فريداً لتواصل أبرز متخصصي التمويل من سائر أنحاء العالم مع موردي المنتجات والخدمات الاختصاصية. هذا ويتوقع أن يبرز هذا الحدث كمعرض رائد وفريد من نوعه في الشرق الأوسط، افريقيا وجنوب آسيا.

مع توقع مشاركة عدد من أبرز المؤسسات المالية في حدث «إم آي إف إكس» بالإضافة إلى عرض تقنيات مصممة خصيصاً لترويج خدمات التمويل الميكروي «مايكرو فايننس» ضمن جدول أعماله، أصبح المشهد الآن مكتملاً تماماً لإحداث تحالف مثالي بين صناعة المال، التقنيات والرؤى ذات الصلة بالخدمات المجتمعية. ويبدو أن الفائز الأكبر من هذا الاندماج، سيكون الشخص المجهول في العالم الثالث الذي ستتغير حياته كلياً. سيحقق حدث «إم آي إف إكس» بلا ريب ذلك الإنجاز الأضخم من نوعه.

مصرف جرامين

يعتبر مصرف جرامين الذي تأسس في بنغلاديش واحداً من أنجح التجارب العالمية في عالم التمويل المكروي، ويأتي ذلك المصرف الذي أسسه البروفيسور «محمد يونس» في سبتمبر من عام 1983 تحت اسم مصرف جرامين والذي يعني بالبنغالية مصرف القرية، ليكون بذلك أول مصرف في العالم يقوم بتوفير رؤوس الأموال للفقراء فقط، في صورة قروض دون ضمانات مالية، ليقوموا بتأسيس مشاريعهم الخاصة المدرّة للدخل، وذلك تأسيسا على الضمان الجماعي المنتظم في صورة مجموعات مكونة من خمسة أفراد، ومراكز مكونة من ست إلى ثماني مجموعات.

أنواع تمويلات البنك

وتنقسم تمويلات البنك إلى 3 أنواع وهي القرض العام وهو النوع الأساسي من القروض في المصرف ويحصل عليه كل أعضاء المصرف والحد الأقصى له 10 آلاف تكا، ويستخدم في جميع أغراض الاستثمار الفردي.

أما النوع الثاني فهو القرض الموسمي والغرض منه هو دعم الزراعات الموسمية، وله نوعان هما الفردي والحد الأقصى له 3 آلاف تكا والتي ترد في موسم الحصاد أو خلال ستة أشهر، وجماعي ويبلغ حده الأقصى 10 آلاف تكا للمجموعة و135 ألف تكا للمركز من 6 مجموعات.

أما النوع الثالث من التمويلات فهو قرض الأسرة وتحصل الأسرة عليه عن طريق المرأة وهي المسؤولة عنه قانونا، ويسدد على أقساط أسبوعية خلال عام، والحد الأقصى له 30 ألف تكا لكنه يتراوح في الأغلب بين 10 و15 ألف تكا، ويشترط له أن تكون المرأة قد سبق لها الاقتراض أربع مرات، وهناك أنواع أخرى وهي قرض الإسكان، وقرض التكنولوجيا، وقروض صناديق الادخار.

قصة بنك الفقراء

يروي البروفيسور «يونس» القصة التي أدت لظهور فكرة المصرف قائلاً: «في عام 1972، وهو العام التالي لحصول بنغلاديش على استقلالها بدأت بتدريس الاقتصاد في إحدى الجامعات.

وبعد عامين أصيبت البلاد بمجاعة قاسية، وكنت أقوم في الجامعة بتدريس نظريات التنمية المعقدة، بينما كان الناس في الخارج يموتون بالمئات، فانتقلت إلى قرى بنغلاديش أكلم الناس الذين كانت حياتهم صراعا من أجل البقاء، فقابلت امرأة تعمل في صنع مقاعد من البامبو، وكانت تحصل في نهاية كل يوم على ما يكاد فقط يكفي للحصول على وجبتين، واكتشفت أنها كانت تقترض من تاجر كان يأخذ أغلب ما معها من نقود، وتكلمت مع 42 شخصاً آخرين في القرية ممن كانوا واقعين في فخ الفقر، لأنهم يعتمدون على قروض التجار المرابين، وكان كل ما يحتاجونه من ائتمان هو ثلاثين دولاراً فقط. فأقرضتهم هذا المبلغ من مالي الخاص، وفكرت في أنه إذا قامت المؤسسات المصرفية العادية بنفس الشيء، فإن هؤلاء الناس يمكن أن يتخلصوا من الفقر، إلا أن تلك المؤسسات لا تقرض الفقراء، وبخاصة النساء الريفيات.

استقطاب

التقنيون يتنافسون

تستقطب دبي في يونيو المقبل معرضاً يعتبر واحداً من أبرز المعارض الحديثة في إطار الصناعة المصرفية والمالية، وتحاول شركات التقنية العالمية ومصممي البرامج المالية والبنكية أن تبرز نفسها وأن توجد لنفسها موطئ قدم على خارطة الصناعة المصرفية بما هو جديد.

صناعة التمويل «الميكروي» الخاصة بالأفراد الفقراء تفتح الباب واسعاً لهذه الشركات لإيجاد الحلول التقنية والتكنولوجية في ساحة مالية تعتبر الأبرز اليوم، وبخاصة في ظل النمو الاقتصادي الذي تشهده دول العالم، والقطاع المالي الذي بات شرياناً في أي اقتصاد.

ورغم التاريخ الطويل الذي ظهرت فيه هذه الأنواع من عمليات التمويل، إلا أن الكثير من المراقبين يراهنون على قدرة التكنولوجيا في خدمة النشاط الذي يستخدم طرقاً وأساليباً بعيدة كل البعد عن الطرق والأساليب من حيث الإدارة وأنظمة العمل المتبعة في بنوك العالم التجارية. وبحسب التقارير، فإن بنوك الفقراء تعمل في الشارع، لا مكاتب لموظفيها، ولا مقرات عمل دائمة يعملون فيها، يتواجدون في المزارع، والقرى، والأحياء، والأسواق، ولا يحملون في جعبتهم أجهزة كمبيوتر، بل يستعينون بالورقة والقلم لخدمة الفقراء.

في سطور

مصرفي الفقراء ومقرض الأمل

ولد محمد يونس في شيتا غونغ عام 1940، وهو ثالث أبناء أسرة رزقت ب14 طفلاً، توفي خمسة منهم بعد ولادتهم بسنوات قليلة. ويلقب يونس بمصرفي الفقراء، إلا أنه يفضل أن يلقب بمقرض الأمل. عام 1974 عمل يونس رئيساً للبرامج الاقتصادية الريفية بجامعة شيتاغونغ وقام مع طلابه برحلة ميدانية إلى ريف بنجلاديش.

حيث قتلت المجاعة آلاف الأشخاص وغيرت تلك التجربة من مجرى حياته، بعدها أدرك أن قروضاً صغيرة يمكن أن تؤدي إلى تغيير جذري في مصير الفقراء، وبدأ يونس في إقراض مجموعة من السيدات اللاتي يعملن في نسج السلال بقروض إجمالية تعادل 27 دولاراً لتوسيع أعمالهن، وكانت تلك الفكرة نواة لبناء جرامين الذي أنشئ عام 1983 لتوسيع التسهيلات البنكية وتزويد الفقراء بالقروض.

ويشعر يونس بالفخر لأن نموذجه لإقراض الفقراء انتشر حول العالم وان البنك الدولي نفسه تبنى الفكرة. تلقى يونس تعليمه في جامعة فندربيلت الأميركية وعمل أستاذاً للاقتصاد والفيزياء في جامعة جيهانجيرنجار وحصل على عدد من الجوائز المحلية والدولية قبل جائزة نوبل للسلام التي تسلمها في العاشر من ديسمبر الماضي بالنرويج.

وكان فوز يونس بالجائزة مناصفة مع بنك جرامين مفاجأة للأوساط السياسية والفكرية، خاصة أن الرئيس الفنلندي السابق «آتاساري» كان على رأس قائمة المترشحين للفوز بالجائزة والذين بلغ عددهم 191 مرشحاً، وهي الجائزة الأرفع والأهم بين جوائز نوبل المختلفة، وقالت اللجنة النرويجية السرية المكونة من خمسة أعضاء في بيان اختيارها للفائزين بالجائزة إن يونس وبنك جرامين منحا الجائزة لجهودهما في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الطبقات الدنيا وأثبتا أن السلام لن يتحقق إلا إذا تمكنت جماعات كبيرة من السكان من كسر قيد الفقر.