إذا كانت الصناعة هي عصب التطور في العالم المتقدم، فإنها وبحسب المعطيات المتوافرة تثير إحدى أهم مشكلات التوازن الاقتصادي في العالم العربي الذي تحولت أسواقه إما لمستهلك لمنتجات مستوردة بالكامل أو تكاد مجمعة نصفياً في بعض البلدان العربية. وبعد أن بدأت دول مثل مصر والجزائر في وضع أسس لقواعد صناعية في العقود الماضية تحولت إلى مستهلك بالكامل للبضائع والسلع الآتية من الموانئ الأوروبية والآسيوية والعينية..

وعلى الرغم من أن العديد من البلدان العربية تزخر بموارد طبيعية وأولية ضخمة إلا أنها فشلت تماماً في استغلال ذلك الوضع، وأصبحت سوقاً يغذي العالم الصناعي بالمدخرات الرخيصة في ظل غياب الخطط والاستراتيجيات اللازمة لتطوير قاعدة من الصناعات الأساسية لسد حاجة الاستهلاك المحلي المتنامي مع زيادة رقعة القاعدة السكانية.

وكشفت الأزمة الأخيرة مدى اعتماد قطاعات الاستهلاك الغذائي والإنشائي والصحي على ما يمليه مزاج المستوردين وتحكمهم في الأسواق مما أثر سلباً على حركة التطور وأضاف عبئاً إضافياً على محفظة المستهلك العادي. وبجولة بسيطة في أي مجمع تجاري بأي من البلدان العربية يتكشف الواقع المرير.

حيث أصبح المستهلك يحفظ عن ظهر قلب عبارات صنع في إيطاليا أو تايوان أو الصين أو غيرها من البلدان التي إيطاليا أو تايوان أو الصين أو غيرها من البلدان التي تغرقنا بسلع وبضائع بسيطة الصنع جل مدخراتها متوافرة عندنا بكثرة لكنها تلقي بنا في دهاليز الغلاء الناتج عن فروقات أسعار الصرف وارتفاع كلفة النقل وما إليها من حاجيات الاستيراد.

اسئلة مهمة على الساحة

وتبرز هنا أسئلة مهمة مرتبطة بأصول وجذور المشكلة أهو غياب الوعي الصناعي أم هو الخلل في الخطط والاستراتيجيات الاقتصادية أم أن الأمر يرتبط بطبيعة قواعدنا التعليمية وافتقادها لأصول اللعبة الحقيقية التي تحول شعارا قديما متهالكا. يقول: نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع؟

«البيان»ومن خلال جولة في بعض العواصم العربية خرجت بحقيقة مهمة تتمثل في أن البعد التاريخي للصناعة العربية لا يعكس واقع اليوم، أي بمعنى آخر بدا أن العديد من الخبراء وكأنهم يتباكون على الماضي الذي كان يتجسد من خلال حركة عمال التفريغ في الموانئ العربية المختلفة، وبروز مشكلات عديدة جعلت المشتري يفكر ألف مرة قبل أن يتناول سلعته من الرف.

وعلى النقيض من ذلك فهمت البلدان الأجنبية ثقافتنا الاستهلاكية وتخصصت فيها، وأصبحت توجه منتجاتها إلينا لنستهلكها بالطريقة التي تريدها هي والكلفة التي تحددها وإن كانت بعيدة عن واقع الحسابات التجارية.

وأشار التقرير العربي الموحد في نسخته الأخيرة إلى ارتفاع الناتج الصناعي العربي إلى نحو 8 .632 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة، وارتفعت مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5 .49%، وتضاعف ناتج الصناعات الاستخراجية ثلاث مرات منذ عام 2002. ويقدر عدد العاملين في القطاع الصناعي بنحو 2 .19 مليون عامل يشكلون حوالي 3 .16% من إجمالي العمالة العربية، وهي نسبة متدنية إذا قيست بالمناطق الأخرى.

لكن على الرغم من ذلك لا تزال هنالك العديد من العقبات على الطريق. ومن المؤشرات التي تتجلى فيها سلبيات الصناعة العربية، هيمنة السلع التقليدية الضئيلة المحتوى التقني على الإنتاج والصادرات، وهيمنة الصناعات الاستخراجية بنحو 39% من الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية مقابل نحو 10% للصناعات التحويلية، إضافة إلى انخفاض الإنتاجية في الصناعة العربية، وضعف القاعدة الإنتاجية وعدم تنوعها.

كما يتجسد جزء كبير من المشكلة في عدم وجود أرضية قوية في مجال المنافسة الخارجية. وتكمن العقبات التي تحول دون تطوّر الصناعة العربية في شحّ الاستثمارات الصناعية، وعلى رغم هذه السلبيات، هناك إنجازات كثيرة إيجابية تحققت في مجال الصناعات التحويلية العربية، خصوصاً في السعودية وتونس ومصر والمغرب والإمارات، وتشير البيانات إلى أن السعودية تتصدر الدول العربية لناحية المساهمة في إجمالي ناتج الصناعات التحويلية العربية، إذ تساهم بنحو 29% من هذا الناتج، تليها الإمارات بنحو 17%، ثم مصر بنحو 15%، والمغرب بنحو 9%، وتونس بنحو 5%، ما يعني أن مساهمة هذه الدول الخمس تشكل نحو 75% من ناتج الصناعات التحويلية في كل الدول العربية والتي تعاني من نقص في عمليات تحويل المواد الخام.

صناعة النسيج تواجه عقبات

وأوضحت دراسة مستغلة أن صناعة النسيج في العالم العربي تعاني من عدة مشكلات منها عدم حل مشكلة شهادة المنشأ العربية وبالتالي تفعيل أحكام منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وعدم تفعيل اتفاقية أغادير بين مصر والأردن وتونس والمغرب خاصة وأن الاتحاد الأوروبي معني بهذه الاتفاقية ومن شأنها مضاعفة الصادرات العربية إلى جانب عدم حل مشكلة التهريب في أكثر من بلد عربي وتأثير ذلك سلباً على الصناعة الوطنية.

وذكرت الدراسة أنه من بين العقبات التي تواجه صناعة النسيج بالدول العربية أيضاً تشتت تلك الصناعة، حيث ان أكثر من 90% منها تشكل صناعة فردية أو عائلية إلى جانب عدم مجاراتها للتطورات العلمية والتكنولوجية والابتكار والتجديد فضلاً عن تباين الضرائب والرسوم المفروضة على تلك الصناعة بالدول العربية وبعض هذه الضرائب تشكل عائقاً حقيقياً.

تضاف إلى هذا معاناة القطاع الخاص من البيروقراطية في إجراءات إتمام العقود للمشاريع الجديدة التي غالباً ما تكون طويلة ومعقدة، وتبلغ في المتوسط معدل 40 إجراءً ضرورياً، بما يفوق المعدل العالمي بنحو الثلث، ويزيد على أي منطقة أخرى في العالم.

كما تستغرق وقتاً يبلغ معدله نحو 426 يوماً، متجاوزاً بذلك المعدل في شرق آسيا ودول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بنحو 50%، و60% على التوالي.

ووفقاً للباحث العربي الدكتور عدنان مسلم فإن الصناعات الأساسية كالحديد والصلب والمنسوجات التي اضمحل المكون التقني فيها وانتشر إنتاجها في معظم الدول العربية محدودة بمنتجات سلعية لا تتفوق في ميزتها عن المواد الأولية التي تتحكم فيها قوى العرض والطلب.

ويأتي دور البديل الصناعي ليجعل من الميزة المحلية النسبية غير ذات أهمية كبيرة كإحلال الخيوط الصناعية بدلاً من القطن في كثير من المنسوجات، ما يؤثر بشكل سلبي كبير على معدلات التوسع في الصناعات التقليدية في الدول العربية.

وأدى إخفاق البلدان العربية في البحث والتطوير إلى عدم مواكبة التطورات التقنية الحديثة. لذلك فإن الصناعة العربية تواجه تحديات كثيرة لها أثرها الكبير على مسارها وتشكيل مستقبلها.

وهنالك مجموعة من هذه التحديات لها صبغتها الدولية، إلى جانب ما يواجهها من تحديات أخرى ذات صبغة محلية وإقليمية. وتعتبر التطورات التكنولوجية المتسارعة التي تجعل من شراء المعدات والمصانع أمراً غير كافٍ لإحداث الطفرة النوعية في الإنتاج من أبرز تحديات القطاع.

وتتلخص أبرز مشكلات الصناعة العربية في:

ـ عدم القدرة على الاستفادة من التكنولوجيا ومواءمتها مع الواقع المحلي.

ـ إحجام القطاع الخاص عن الدخول في مشروعات صناعية طموحة.

ـ تصدر مقررات ومناهج الكليات التطبيقية وعدم مواكبتها للتطور العالمي.

ـ ثقافة المستهلك العربي المؤيدة للسلع المستوردة وفقدان الثقة في المنتج المحلي.

ـ غياب الخطط والاستراتيجيات الحكومية المشجعة للاستثمار في القطاع الصناعي.

ـ عدم وجود التنسيق المطلوب بين المنظمات والعينات الصناعية العربية.

ـ الدور المتواضع لمركز الأبحاث والخبراء المتخصصين في المجال الصناعي.

ـ حالة عدم الاستقرار السياسي في بعض مناطق العالم العربي.

فجوة في صناعة الغذاء

تعاني الصناعات الغذائية من فجوة كبيرة الأمر الذي يعرض العديد من البلدان لخطر فقدان الأمن الغذائي. ويرى الخبراء أن البلدان العربية بحاجة لبذل المزيد من الجهد من أجل تعزيز إنتاج الأغذية على مستوى العالم العربي، وتقليل الاعتماد على المواد المستوردة، مما يساعد في زيادة القدرة على ضبط الأسعار، ويؤدي بالتالي إلى دعم نمو قطاع صناعة الأغذية محلياً.

وعلى الرغم من أن الصناعات الغذائية تعتبر جانب من الصناعات التحويلية في العالم العربي إلا أن الملاحظ هو أن هنالك عقبات عديدة تواجه القطاع من أهمها غياب الاستثمارات المناسبة وضعف التنسيق الإقليمي إضافة إلى التخلف في مجال النقل والتجارة البينية الأمر الذي يؤدي إلى تعطيل عملية نقل المواد الأولية.

وتواجه الدول العربية تحديات كبيرة ومتصاعدة في توفير الغذاء الصحي والسليم والمضمون، حيث أصبح الغذاء سلاحاً اقتصادياً احتكارياً إلى حد كبير بيد الشركات عابرة القارات.

وتشير التقارير إلى أن معظم احتياجات العالم العربي من الغذاء يتم استيرادها من بلدان أوروبية الأمر الذي يثير مشكلات كبيرة تتعلق بالأوضاع الصحية والبيئية والدينية.

كتب ـ كمال عبدالرحمن