ومع وجود طفرة عمرانية غير مسبوقة في الدولة ومشاريع إنشائية وخدمية ضخمة فان الحاجة باتت أكثر أهمية لتفعيل مبدأ إدارة المخاطر في شركات التأمين والتي تعد جزءاً لا يتجزأ من مبادئ الحوكمة مع توفر كفاءات عالية تستشرف الخطر وتعمل على تقييمه والتقليل منه خصوصا أن قطاع التأمين في الإمارات يمتاز بطابع التنافسية بشكل عام ووجود عدد كبير من مقدّمي الخدمة الصغار، قياساً إلى حجم رأس المال المستخدم وهذا التدّني في مستوى رأس المال نسبةً إلى حجم المخاطر في السوق له انعكاسات وتشعّبات عدّة تترجم على مستوى صناعة التأمين عموماً، بتأمين المخاطر خارج المنطقة مباشرةً عبر وسطاء تأمين دوليّين، أو تحمّل شركات التأمين المحلية نسبة ضئيلة من المخاطر وتحويل النسبة الأكبر إلى شركات إعادة تأمين دولية.
ونتيجة هذا النقص في القدرة على تحمّل المخاطر، لا تزال الدولة والمنطقة عموما تفتقر إلى القدرات المتطوّرة في إدارة المخاطر وخبراء التأمين، ما ينتج عنه اعتماد غير متوازن على شركات إعادة التأمين الدولية في تقييم المخاطر وتوفير آليات التسعير الملائمة وهو أمر ينسحب أيضاً على التأمين التكافلي المطالب حاليا باعتماد أساليب إدارة المخاطر المناسبة وتطبيقها آخذةَ في الاعتبار العلاقات التعاقدية في منتجات التأمين الإسلامي الذي يشهد نموا كبيرا في مختلف أسواق المنطقة.
وفي دراسة لإحدى المؤسسات الدولية حول سوق التأمين في الدولة أشارت إلى ان 37 بالمائة فقط من شركات التأمين أجرت دراسات متعلقة بإدارة المخاطر و 27 بالمائة لديها أعمال ومعايير للتدقيق والرقابة وهي نسب ضئيلة للغاية قياسا إلى حجم ودور القطاع الذي يعد الأكبر في الشرق الأوسط.
مسؤولية الشركات
ويؤكد جمعة سيف بن بخيت نائب رئيس مجلس إدارة شركة اللاينس للتأمين ان مسالة إدارة وتقييم المخاطر تعود أساساً إلى إدارة شركات التأمين وتنفيذييها وفي حالات الحرائق الأخيرة كشفت ان بعض هذه الشركات تتحمل جزءاً كبيرا من المسؤولية وبعضها لم يدرس أو يقيم المخاطر وفق الشروط والمعايير قبل الاكتتاب في الخطر.
ويقول بن بخيت ان الحوادث الأخيرة في الدولة مع ما تمر به من نمو اقتصادي كبير ووجود المشاريع الكبرى يستدعي من شركات التأمين تطبيق أعلى المعايير في دراسة وتقييم المخاطر ومنها شهادات الاستيفاء من الدفاع المدني قبل علمية الاكتتاب في هكذا مخاطر ونعلم جميعا ان الخطر يعد ركنا أساسياً في صناعة التأمين وهي صناعة مخاطر على العموم مشيرا إلى أهمية توفر الكفاءات الفنية والمادية عالية المستوى والمتخصصة في إدارة وتقييم المخاطر كشرط رئيس عند الاكتتاب في الخطر.
وأضاف انه وفي حالة المشاريع الكبرى خصوصا الإنشاءات والنفط فان شركات التأمين تلجأ عادة إلى الخبراء من شركات إعادة التأمين لتقييم المخاطر ليس فقط خلال الإنشاء ولكن في مرحلة ما بعد الإنشاء.
وتهدف إدارة الخطر إلى تقليل الآثار المترتبة عند وقوع خطر ما وهناك هدف مهم لهذه الإدارة وهو وضع السياسات والإجراءات العملية لمواجهة أي خطر ما من أجل الحد من الخسائر التي يحتمل وقوعها نتيجة لذلك الخطر مع توضيح الخطة الكاملة لجميع أفراد المنشأة في كيفية التعامل مع الخطر عند وقوعه.
ومن جهته يقول فريد لطفي الأمين العام لهيئة التنسيق لشركات التأمين وإعادة التأمين الخليجية ان مفهوم إدارة وتقييم المخاطر يعد من المفاهيم التي نالت اهتماما كبيرا خلال السنوات الماضية وهو يشكل محورا أساسيا في أنظمة الحوكمة لدى شركات التأمين مشيرا إلى ان الشركات تستعين عادة بمعاينين من الخارج لتقييم الخطر خصوصا في المشاريع والمخاطر الكبرى فضلا عن كوادر الشركة نفسها. وقال إن المشكلة تبرز في بعض الحالات بعد تقييم الخطر في غياب التفتيش الدوري حيث تلجأ بعض المؤسسات إلى تغييرات داخلية في المؤسسة تزيد من درجة المخاطر الأمر الذي يؤكد ضرورة استمرار التفتيش والتدقيق والتأكد من الالتزام بالمعايير المطلوبة. وأضاف انه لا يوجد في القوانين عادة ما يلزم الشركات بوجود إدارة أو أقسام للمخاطر فهي مسؤولية الشركة قبل كل شيء والشركات المحلية بدأت بالتركيز أكثر على هذا العامل خصوصا مع نمو صناعة التأمين ووجود مشاريع وتغطيات تأمينية تمتاز بمخاطرها العالية.
ويرى احمد الكاظم مدير عام الشركة العربية الاسكندنافية للتأمين ان الشركات المحلية عموما لديها متخصصون في إدارة وتقييم المخاطر وبعض الشركات استحدثت إدارات متخصصة في هذا المجال والمشكلة تبرز في تهافت بعض الشركات على السيولة وعدم تقدير درجة الخطر بعض المشاريع.
وقال إن الجهات الرسمية المختصة مطالبة بالتشدد أكثر مع المؤسسات والشركات التجارية مع ضرورة إلزامية التأمين لجميع المنشآت التجارية و المخازن والمستودعات وربط ذلك بالحصول على الترخيص لمباشرة العمل.
وأضاف إن بعض شركات التأمين ورغم تقييمها للمخاطر فإنها تلجأ أحيانا إلى الاكتتاب في المخاطر بأسعار اقل من قيمته الحقيقية اعتمادا على توفر سيولة كافية في المؤسسة وسعيها للحصول على سيولة إضافية بأقل الأسعار الأمر الذي يتسبب بممارسات غير مهنية تنزل بالأسعار إلى مستويات متدنية.
فرص التغطية
وتقول دراسة أجرتها «ستاندرد أند بورز» قبل عامين أن هناك رغبة حقيقية من جانب شركات التأمين في المنطقة في زيادة قدرتها على الاحتفاظ بالمخاطر من خلال زيادة قوة الرسملة، وقبول أفضل للمخاطر وإدارتها، وكذلك عبر الحصول على تصنيف حول قوة مركزها المالي ويعكس هذا التغيير في منهج النشاط العملي إدراك شركات التأمين المحلية أن نشاطاتها العملية يمكن أن تستفيد من زيادة الاحتفاظ بالمخاطر، وعلى الرغم من أن الأسواق ليست ناضجة فيما يتعلق بمستوى تطورها، إلا أن شركات التأمين تعمل بنشاط على إيجاد فرص لتغطية المزيد من المخاطر الجديدة، وإنشاء أنظمة سيطرة لتحسين إدارة المخاطر التي تتعرض لها شركات التأمين.
وتظهر شركات التأمين الخليجية التي تتلقى تصنيفات «ستاندرد أند بورز» المتعلقة بقوة الموقف المالي، رسملة قوية، ما يؤهلها لزيادة قدرتها على دعم النمو السريع في ضمانات المخاطر خلال أفق التصنيفات.
والخلاصة أن هناك شركات قليلة فقط في سوق الدولة تمتلك تعمل وفق استراتيجية تعتمد على دراسة احتياجات العملاء وإدارة المخاطر وتحليل العوامل الفنية للمخاطر ومن ثم تقديم أسعار توازي حجم الخطر المغطى.
كما أن هناك شركات تفتقد تلك الممارسات وتهدف فقط إلى اختراق السوق بجذب أكبر عدد من العملاء عن طريق تقديم منتجات بتغطيات أقل وبأسعار غير اقتصادية فضلاً عن الممارسات غير المهنية في السوق وهنا يبرز دور الجهات المختصة والإشرافية والرقابية ممثلة بوزارة الاقتصاد وهيئة التأمين للوقوف أمام تلك الظواهر السلبية ولوضع حد لهذه الممارسات وإتاحة الفرصة أمام الشركات الجادة للعمل وفق خطط واستراتيجيات واضحة المعالم والأهداف.
