بعد سيل التكهنات والتوقعات التي تم إثبات بعضها وبقي بعضها الآخر محوراً للتقديرات المتفاوتة فيما يتعلق بسيناريوهات ضعف الدولار الأميركي، باتت فكرة التداول على العملات قناة استثمار هي الأحدث بين سلسلة المنتجات المالية المتوفرة في أسواق المنطقة. فعلى الرغم من قدم هذه الثقافة الاستثمارية في شتى أنحاء العالم، إلا أنها مازالت ناشئة في أسواق المنطقة، وهو ما يبدو جلياً من خلال تهافت كبرى مزودي الخدمات التقنية ومنصات التداول العالمية على الأسواق المحلية والمجاورة، في خطوة تسعى من خلالها إلى تأسيس قاعدة انطلاق تخدم مخططاتهم التوسعية.
ففي الأمس القريب، افتتحت شركات عالمية متنوعة، من حيث قدراتها وملاءتها المالية، فروعها في دبي كنقطة انطلاق إلى الشرق الأوسط، وشهدنا مؤخراً افتتاح بنك ستاندرد تشارترد أكبر منصة لتداول العملات في المنطقة من مركز دبي المالي العالمي، واليوم يطرق بنك ساكسو الدانماركي أبواب الشرق الأوسط عبر بوابة دبي.
لم تعد الفكرة في مرحلة المخاض، بل تعدتها إلى التنفيذ الفعلي على أرض الواقع، فالهاجس الأساسي بالنسبة لكبار المزودين، ومالكي التكنولوجيا القادرة على استيعاب وخدمة هذا القطاع، لا تتمثل برأيهم في افتتاح مقر أو تسويق منتج بقدر محاولتهم الاستفادة من قاعدة العملاء الضخمة التي استطاعت بيوت استثمار وشركات مالية تجاوزها منذ بعيد. باتت كبرى شركات التداول العالمية تعرف حق المعرفة أن الانتظار والتريث لا يصب في مصلحتها اليوم، خاصة ونحن نعلم حجم التدفقات النقدية والمضاربات المؤثرة في حركة العملات العالمية، في محاولة للاستفادة من حمى التكهنات بفك ارتباط عملة ما أو إعادة تقييم عملة أخرى.
تراجع الدولار، وارتفاع اليورو والذهب والفضة، واختراق أسعار النفط مستويات تاريخية لم تعهدها من قبل، ألقت بظلالها على سوق العملات العالمي إلى درجة رفعت من قيمة التداولات اليومية التي كانت تناهز تريليوني دولار يومياً في العام 2005، لتصل إلى أكثر من 3 تريليونات دولار منذ بداية العام الحالي. نحن نتحدث عن نمو في حجم السيولة المخصصة لهذا القطاع بنسبة تقارب 50% خلال عامين على أكبر تقدير.
وفرة السيولة، وتدني معدلات الفائدة الممنوحة على الإقراض وتطور ثقافة التنويع الاستثماري، وتعدد القنوات والخيارات الاستثمارية، هي معطيات، دفعت شركات التداول العالمية على العملات للبدء في تسويق منتجاتها وقدراتها التكنولوجية في المنطقة من خلال ما يعرف بـ «البطاقة البيضاء»، في خطوة أشبه بالسباق مع الزمن، مما يجعل هذه الفكرة طوق النجاة الوحيد لتلك الشركات، بواسطة أسلوب تقوم منصات التداول العالمية من خلاله، بتأجير منصاتها وبرامجها التكنولوجية وابتكاراتها.
لبنوك وشركات استثمارية تتخذ من المنطقة مركز أعمال رئيسيا منذ زمن بعيد، بعد تجاوزها مرحلة التأسيس والدعاية والتسويق، مما يؤهلها لإقناع عملائها في الوقت ذاته بقدرتها على إدارة هذا النوع من القنوات الاستثمارية عبر منصات عالمية، تمنح المستفيدين منها خيارات فتح الحسابات وإدارة أموال عملائهم، مع حق صريح ومتفق عليه، بشطب العلامة التجارية الخاصة بالمزود العالمي لهذه التقنية، والمزودون العالميون لا يعتبرون هذه الخطوة تضحية بحقوقهم بقدر ما هي عائد استثماري، ومصدر رزق في بيئة تنمو في سباق مع الزمن، ودبي هي البوابة التي ستمكنهم من العبور إلى الشرق الأوسط دون أدنى شك.
