قال خبراء إن ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأولية يمتص أموال أكثر الفقراء فقرا في آسيا، ما ينبئ بأسوأ الشرور في حال عدم العثور على حل عاجل. وصرح مدير بنك التنمية الآسيوي رجات ناغ أن حوالي مليار شخص يرزحون تحت ثقل أسعار المواد الأساسية المستعرة، مثل الخبز والأرز، في آسيا.

وقال إن «ذلك يشمل في الإجمال 600 مليون شخص يعيشون بأقل من دولار يوميا، وهو معيار للتعريف بالفقر، فيما يعيش 400 مليون غيرهم بأكثر من ذاك المبلغ بقليل». ويؤكد البنك الدولي أن 33 دولة في العالم مهددة بأزمات سياسية وتوترات اجتماعية بسبب الارتفاع الحاد لأسعار المنتجات الزراعية والطاقة.ويواجه القادة الآسيويون موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات الاجتماعية التي تعزز عدم الاستقرار السياسي. وطغت الأزمة الغذائية العالمية على عيد العمال في الأول من مايو فيما تظاهر الآلاف في جاكرتا ومانيلا وبانكوك للمطالبة برفع الرواتب تعويضا على ارتفاع الأسعار.

وتعاني بنغلادش والفيليبين بحدة من الأزمة إذ إنهما من كبار مستوردي الأرز وتنفق العائلات الفقيرة فيهما ما لا يقل عن 70% من دخلها ثمنا للغذاء. وحذر الاستاذ في جامعة ديكن الاسترالية داميان كينغسبوري من انه «عندما يجوع الناس يعتريهم اليأس ويتخذون خيارات يائسة». وبلغ التوتر في الفيليبين مرحلة أمسى ضروريا فيها توكيل قوات من الجيش بتوزيع الأرز في أحياء مانيلا الفقيرة.

وتحدث وزير العدل راوول غونزالس عن «حالة طوارئ». أما مونكومبو سامباسيفان سواميناتان الذي يعتبر أب «الثورة الخضراء» في الهند التي سمحت لهذه الدولة العملاقة في جنوب آسيا في الستينات من تحقيق انجازات أمنها الغذائي وتجنب الأزمات، فقد دعا مؤخرا إلى ثورة زراعية ثانية.

وارتفعت أسعار المواد الأولية الغذائية بمقدار الضعف تقريبا في العالم في غضون ثلاثة أعوام، بحسب البنك الدولي، ما سبب أعمال شغب في ابريل في مصر وهايتي وتظاهرات في دول كثيرة أخرى وفرض عدة دول منتجة قيودا على التصدير منها البرازيل وفيتنام والهند ومصر.

وتعزى الأزمة إلى عدة أسباب أبرزها تطوير قطاع الوقود الحيوي والحواجز التجارية وارتفاع الطلب الاسيوي بسبب تغير العادات الغذائية وتراجع المحاصيل إلى جانب اسعار النفط التي تلقي بثقلها على قطاع النقل. وفي استراليا، ثاني دولة مصدرة للقمح في العالم بعد الولايات المتحدة، أدى الجفاف التاريخي الذي بلغ أسوأ مستوياته منذ قرن إلى ضرب المحاصيل إلى تدهورت إلى 13 مليون طن عام 2007 مقابل معدل معتاد من 22 مليون طن.

وأوضح مسؤول الاتحاد الوطني للمزارعين الاستراليين بن فارغر «كانت أسوأ موجة جفاف في تاريخنا، طالت الكثير من عائلات المزارعين ماليا ونفسيا. ستستغرق مجتمعاتنا الكثير من الوقت لتخرج منها مجددا». وفي فيتنام، الدولة الثانية المصدرة للأرز في العالم والتي أعلنت في فبراير أنها ستقلص صادراتها لهذا العام، تعرضت عدة متاجر كبرى ومحال للنهب اثر إشاعات عن أزمة محتملة.

أما في كوريا الشمالية، فيهدد ارتفاع الأسعار بمأساة بحسب برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة الذي قدر أن 6. 5 ملايين من أصل 23 مليون كوري شمالي لا يأكلون حتى الشبع وان هذا العدد قد يتفاقم في غياب المساعدات. وشهد هذا البلد الشيوعي مجاعة في وسط التسعينات، ما أدى إلى موت حوالي مليوني شخص بحسب منظمات إنسانية.

وفي ذات السياق أكد مسؤولو الاتحاد الأوروبي على أن الارتفاع في أسعار الغذاء العالمية يأتي من أسباب مثل ارتفاع الطلب في الصين والهند وتأثر إنتاج المحاصيل وارتفاع أسعار الوقود وليس بسبب سياسات الوقود الحيوي في الاتحاد الأوروبي.

وقال متحدثون باسم المفوضية الأوروبية ـ الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي - إن الإنتاج الحالي للاتحاد الأوروبي من الوقود المستخرج من النباتات يأتي على نطاق صغير بدرجة ليس لها تأثير كبير على أسعار الغذاء. وقالوا إن الهدف طويل المدى للاتحاد الأوروبي للوفاء بنسبة 10% من احتياجات الوقود من مصادر قائمة على النبات بحلول عام 2020 مصمم بصفة خاصة لقبول تلك المصادر فقط التي لا تدمر البيئة أو الظروف الاجتماعية.

وأشار المتحدث باسم لجنة الطاقة «إذا لم نحصل على هذا الوقود الحيوي الجيد والمستدام الذي ينتج حدا أدنى بمقدار 35% أقل من ثاني أكسيد الكربون من الوقود الاحفوري فإننا مازلنا نستخدم وقودا غير مستدام لا يوفر أي نسبة ثاني أكسيد كربون بالمرة». ويوم الأربعاء أجرت الدول الـ 27 الأعضاء في المفوضية ما يسمى «حوار التوجهات» لبحث كيفية تفاعل أوروبا مع المشكلة.

وقال المتحدثون إنهم اتفقوا على أن الأزمة سببها عدد كبير من العناصر مثل تزايد الطلب في الاقتصاديات الناشئة مثل الصين والهند وارتفاع أسعار الطاقة وسوء الحصاد وهبوط الدولار وعدم وجود استجابة عالمية متناسقة. وفي حين أن الحوار لا يهدف إلى تقرير ردود فعل عملية أشار مسؤولو الاتحاد الأوروبي إلى أن المفوضية تستعد لاقتراح عدد من التغييرات في السياسة الزراعية العامة للاتحاد يوم 20 مايو.

قال البنك الدولي انه ينبغي للولايات المتحدة الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع أسعار الغذاء الذي يضر بفقراء العالم عندما تضع السياسات التي تحول جزءا كبيرا من محصولها من الذرة إلى إنتاج الوقود الحيوي.لكن المحللين يرون أيضا أن السعي العالمي لزيادة انتاج الايثانول مسؤول بدوره عن دفع الأسعار للارتفاع وقال رئيس البنك الدولي روبرت زوليك انه ينبغي للولايات المتحدة أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار.

وأبلغ زوليك مؤتمرا صحافيا في مكسيكو سيتي أول من أمس الأربعاء انه يتعين على الولايات المتحدة «تقييم تأثير هذا على المنظومة الإجمالية للقضايا الإنسانية فيما يتصل بسعر المنتجات الغذائية». وتقول الحكومة الأميركية إن الايثانول الذي ينتج من الذرة والذي يمكن استخدامه كبديل للبنزين من شأنه المساعدة في الحد من اعتماد البلاد على استيراد النفط من دول غير مستقرة.

وفي العام الماضي أقر الكونجرس الأميركي تشريعا ينص على أن تتضمن إمدادات البنزين 36 مليار جالون من الوقود المتجدد بحلول عام 2022 . وفي الوقت الحالي يتم تحويل أكثر من ربع محصول الذرة الأميركي إلى وقود حيوي. وقال الرئيس الأميركي جورج بوش الأسبوع الماضي انه لا يزال يؤيد التوجه الأميركي نحو إنتاج الايثانول وان صناعة الايثانول الأميركية مسؤولة عن جزء صغير فقط من التضخم في أسعار الغذاء.

بيد أن زوليك حث على بحث الأمر بشكل أكبر قائلا «قضية الوقود الحيوي قضية جديرة بالتحليل والمناقشة». وفي الأسبوع الماضي تعهد البنك الدولي ووكالات تابعة للأمم المتحدة بتشكيل قوة عمل للتصدي لارتفاع أسعار الغذاء على مستوى العالم.

منظمة التجارة عاجزة عن التدخل

قال رئيس منظمة التجارة العالمية إن المنظمة لا يمكنها المساهمة بشكل فوري في الحد من أسعار الغذاء المرتفعة لكن من شأن التوصل إلى اتفاق في جولة مفاوضات الدوحة لتحرير التجارة العالمية أن يوفر حلولا طويلة الأجل. وأبلغ باسكال لامي المجلس العام وهو جهاز صناعة القرار بالمنظمة بحسب نسخة من تصريحاته أنه لكي تحقق المنظمة هدفها بإنجاز المحادثات المستمرة منذ فترة طويلة هذا العام ينبغي لها أن تحقق انفراجة في غضون أسابيع.

وقال «رغم أن المنظمة لا يمكنها تقديم أي شيء على الفور للمساعدة في حل الأزمة الحالية إلا أنه يمكنها من خلال جولة مفاوضات الدوحة توفير حلول متوسطة إلى طويلة الأجل». وأضاف إن اتفاقا تجاريا جديدا سيساعد في تخفيف أثر ارتفاع الأسعار من خلال خفض التعريفات الجمركية على تجارة المنتجات الزراعية بما في ذلك الدعم الذي تقدمه البلدان الغنية لمزارعيها.

وقال لامي إن من الضروري أن يتفق الوزراء على الخطوط العريضة للاتفاق قريبا جدا لإتاحة الوقت أمام انجاز التفاصيل بنهاية العام 2008. ويقول كثير من المفاوضين التجاريين إن المحادثات التي بدأت في نوفمبر 2001 وتجاوزت عدة مواعيد نهائية منذ ذلك الحين ستتجمد ما لم تنجز هذا العام نظرا لان العام القادم سيشهد تولي إدارة أميركية جديدة وتغييرات في المفوضية الأوروبية وانتخابات في الهند.

الأزمة باقية حتى 2015

أكد رئيس البنك الدولي روبرت زوليك مساء الاربعاء في مكسيكو ان اسعار المواد الغذائية ستبقى مرتفعة حتى 2015 «بسبب زيادة الطلب من قبل الدول النامية». وقال في مؤتمر صحافي في مكسيكو بعد زيارة استمرت يومين ان «الاسعار في 2015 ستكون اكثر ارتفاعا من 2004».

مضيفا «ان احد الحلول في مواجهة هذا الوضع هو ان يتمكن العرض من خفض الاسعار». ومن المقرر ان يزور زوليك ايضا كولومبيا في اطار اول جولة يقوم بها في اميركا الجنوبية منذ توليه مهامه في 2007.

شركات الأغذية تجني أرباحاً طائلة

أعلنت شركة الأغذية الهولندية البريطانية العملاقة يونيلفر زيادة أرباح التشغيل خلال الربع الأول من العام الحالي بنسبة 34% إلى 41. 1 مليار يورو (018. 2 مليار دولار) رغم ارتفاع أسعار المواد الخام. وذكرت الشركة أن أرباحها زادت بفضل العائدات غير المتكررة لبيع شركة بورسين لإنتاج الجبن.

وزادت أرباح الشركة قبل سداد الضرائب بنسبة 34% أيضا إلى 78. 1 مليار يورو. وبلغت إيرادات يونيلفر خلال الربع الأول من العام الحالي 57. 9 مليارات يورو بزيادة طفيفة عن أرباح الفترة نفسها من العام الماضي وكانت 53. 9 مليارات يورو.

نار الغلاء تلتهم الآسيويين

تشهد الدول الآسيوية كغيرها من بلدان العالم، ارتفاعا في أسعار المواد الغذائية، بدرجات متفاوتة، في ما يلي عرض للوضع في أبرز الدول الآسيوية.

* أفغانستان: يجهد ملايين الأفغان للحصول على المواد الغذائية الأساسية بسبب الأسعار التي تضاعفت في بعض المناطق في الأشهر المنصرمة، بحسب برنامج الأغذية العالمي. شهدت أسعار المواد الغذائية ارتفاعا حوالي 30% (والقمح، 50%).

* باكستان: اعتبر المحللون أن غضب الباكستانيين جراء نقص بعض المواد الغذائية والارتفاع الحاد في أسعارها، شكل عاملاً أساسياً في هزيمة الأحزاب الداعمة للرئيس الباكستاني برويز مشرف في الانتخابات التشريعية في 18 فبراير. وأبرز المواد الغذائية المعنية هي طحين القمح المستخدم في إعداد خبز «روتي» المسطح أساس المطبخ الباكستاني ويلعب دورا حيويا لدى الأكثر فقرا في الوجبات الثلاث الرئيسية.

* بنغلادش: إحدى أكثر دول آسيا فقرا ومستورد مهم للأرز، حيث تصرف العائلات ما معدله 70% من دخلها على الغذاء. وافق أرباب العمل في صناعة الأقمشة على دعم المنتجات الغذائية المخصصة لموظفيهم لنزع فتيل التوتر الناجم عن ارتفاع أسعار الأرز.

* كمبوديا: أجبر ارتفاع أسعار الأرز برنامج الأغذية العالمي على تعليق حملته لتوزيع الفطور المجاني على 450 ألف تلميذ مدرسي من فقراء البلاد إلى أجل غير مسمى.

* الصين: تواجه هذه الدولة الآسيوية العملاقة تحدي ارتفاع أسعار المواد الغذائية، الذي قد يطال القدرة الشرائية لدى الملايين من مواطنيه ويهدد الاستقرار الاجتماعي. وارتفعت الأسعار الغذائية في الصين في الفصل الأول من 21% منذ عام.

* الهند: تشهد كافة المواد ارتفاعا في أسعارها كالأرز والحليب والشاي والخضار والوقود والمواد الصناعية مثل الفولاذ المستخدم في البناء. ويعتاش حوالي ثلثي عدد سكان الهند البالغ عددهم 1. 1 مليار نسمة من الزراعة في الأرياف. وبالرغم من ظهور مئات الملايين من الأثرياء الجدد في المدن، ما زال حوالي 300 مليون شخص يعيشون بأقل من دولار يوميا.

* اندونيسيا: أعلنت الدولة الثالثة عالميا من حيث إنتاج الأرز في منتصف ابريل تحديد وارداتها وصادراتها من الأرز لتهدئة سوقها المحلي بسبب ارتفاع الأسعار.

ـ كوريا الشمالية: قدر برنامج الأغذية العالمي أن 5. 6 ملايين شخص من أصل 23 مليون كوري جنوبي لا يأكلون حتى الشبع، وهو رقم قد يتفاقم بغياب المساعدات.

ـ كوريا الجنوبية: لم يكن لارتفاع أسعار الأرز عالميا تأثير يذكر على هذه الدولة التي يقتصر استيرادها على 5% فحسب من استهلاكها لهذه المادة الأولية، إلى جانب الدعم المخصص لمزارعيها.

* النيبال: منعت النيبال في الأول من مايو تصدير الحبوب خشية من الأزمات. وارتفع سعر الأرز في الأسابيع المنصرمة بنسبة 36% في المملكة ليبلغ 1500 روبية نيبالية (23 دولارا) لكل 30 كلغ.

* تايلاند: هي الدولة الأولى المصدرة للأرز في العالم. لكن خلافا للهند وفيتنام لم تفرض قيودا على صادراتها من الأرز (5. 9 ملايين طن صدرت إلى الخارج عام 2007).