قالت الأمم المتحدة مؤخراً إن أسعار المواد الغذائية ارتفعت عالمياً بنسبة أربعين في المئة خلال التسعة أشهر الماضية وتدنت احتياطيات الغذاء إلى أدنى مستوياتها خلال ثلاثين عاماً. وتزامنت مواسم الحصاد الضعيفة مع نمو عدد السكان، ارتفاع أسعار الطاقة والحبوب، آثار التغير المناخي والتحول نحو محاصيل الوقود الحيوي حيث ساهمت كل هذه العوامل في هذه الأزمة.
وفيما دعا الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون زعماء العالم إلى حضور قمة الغذاء المقرر عقدها في العاصمة الإيطالية روما خلال الشهر المقبل وهم مسلحون «بأفكار جديدة» لمكافحة أزمة الغذاء العالمية، طالب وزير الزراعة الفرنسي ميشال بارنييه إلى انشاء «منتدى عالمي» يواجه تحديات أزمة الغذاء والزراعة.
وقال بارنييه على هامش مؤتمر حول الثقافة الغذائية والتنوع في الدول المتوسطية «أثرت ضرورة إنشاء منتدى عالمي حول قضايا الغذاء والزراعة، وذلك كعبرة من هذه الأزمة».
وأضاف ان «أعمال العنف الناتجة من الجوع، والتي ستنتج يوما ما من المياه، أصبحت موضوعات أمنية لا يمكن اختصارها في المناقشات المتواصلة داخل منظمة التجارة العالمية».
وقال مون في تصريحات للصحافيين بمقر الأمم المتحدة في نيويورك عقب عودته من جولة بافريقيا وأوروبا «إذا لم تعالج الأزمة بالشكل المناسب ، فإنها ستتفرع إلى عدد من الأزمات التي تؤثر على التجارة والتنمية وحتى الأمن الاجتماعي والسياسي حول العالم».
وأضاف أن مجموعة عمل بشأن أزمة الغذاء العالمي ستتحرك بأقصى سرعة وستعقد أول اجتماعاتها الاثنين المقبل. وكان بان كي مون أعلن الأسبوع الماضي عن تشكيل مجموعة العمل المكونة من رؤساء عدد من المؤسسات الرئيسية التابعة للأمم المتحدة ، بالإضافة إلى صندوق النقد والبنك الدوليين.
وأكد مون ان المنظمة الدولية بدأت تعبئة مواردها لمحاربة الأزمة وتخطط لاقتراح حلول طويلة الأجل للتعامل مع أسبابها الأساسية. وأوضح «دعوني أؤكد ببساطة على خطورة هذا الوضع الطارئ والحاجة الى استجابة عاجلة».
ومن جانبه شدد الوزير الفرنسي على ضرورة تنسيق الجهود التي تبذلها في شكل منفصل الدول والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة أو منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو).
ودعا أيضا إلى التفكير في بلورة «سياسات زراعية إقليمية» تتيح لبعض الدول «بناء أو إعادة بناء زراعة غذائية»، إضافة إلى «تقاسم الأراضي لأغراض غذائية ولاستخدامها على صعيد الطاقة».
وفي موضوع الوقود الحيوي الذي ساهم إنتاجه المتزايد في رفع أسعار المواد الغذائية، اعتبر ان الاتحاد الأوروبي يملك «سياسة منطقية، مع تخصيص سبعة في المئة من الأراضي المزروعة للوقود الحيوي بحلول العام 2010». وتدارك بارنييه «ولكن ثمة دولاً مثل الولايات المتحدة والبرازيل حيث إنتاج الوقود الحيوي أكثر كثافة. ولا يمكن تناول هذه القضية في كل دولة على حدة».
ويؤكد البنك الدولي ان أسعار المواد الغذائية تضاعفت عمليا خلال ثلاثة أعوام، ما اثار أعمال عنف وتظاهرات في دول عدة ودفع العديد من الدول المنتجة إلى فرض قيود على الصادرات، مثل البرازيل وفيتنام والهند ومصر. ومن أسباب هذه الأزمة تطوير الوقود الحيوي والحواجز التجارية وازدياد الطلب من آسيا على خلفية تبدل العادات الغذائية وضعف المحاصيل وارتفاع أسعار النفط.
وتعقد فنزويلا ودول أميركا الوسطى اجتماعا اليوم الأربعاء في مدينة ماناجوا عاصمة نيكاراجوا من أجل البحث عن حلول حكومية لأزمة الأمن الغذائي الراهنة في المنطقة. ويشارك في الاجتماع رئيس فنزويلا هوجو شافيز ورئيس كوستاريكا أوسكار أرياس وأنطونيو ساكا رئيس السلفادور. كما تتوقع سلطات نيكاراجوا مشاركة قادة هندوراس وجواتيمالا وبنما وبليز .
من ناحيته يصر الرئيس البرازيلي لويس إناسيو لولا دا سيلفا الذي تنتج بلاده الجزء الأكبر من إنتاج الوقود الحيوي في العالم على أن هذا النوع
من الوقود ليس السبب الحقيقي للأزمة الغذائية الراهنة. وقال دا سيلفا «ما يحدث في العالم هو أن هناك أعداداً متزايدة من الفقراء يأكلون بكميات أكبر بفضل تحسن أوضاعهم الاقتصادية، فهناك أعداد متزايدة من الصينيين والهنود والأفارقة والبرازيليين يأكلون. في حين أن إنتاج الغذاء في العالم لم يزد بنفس معدلات نمو الطلب». ويرى الرئيس البرازيلي أن مشكلة الأمن الغذائي يمكن أن تحل إذا غير العالم نظام توزيع المواد الغذائية بما يضمن توفيرها لأعداد متزايدة من الناس.
وتزداد معاناة دول أميركا الوسطى من الأزمة الراهنة نظرا لاعتمادها على الاستيراد لسد جزء كبير من احتياجاتها الغذائية. وتسعى هذه الدول حاليا إلى التكيف من الأوضاع الصعبة بما في ذلك محاولة زيادة الإنتاج المحلي من المواد الغذائية وتطوير القطاع الزراعي.
من جهة أخرى استضاف رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون رؤساء بعض أكبر المؤسسات في العالم لتشجيع الشركات الكبرى على مكافحة الفقر العالمي. وضم الاجتماع 80 من الرؤساء التنفيذيين لشركات عالمية وقدم العديد منها ومن بينها كوكاكولا ودياجو ومايكروسوفت وسوميتومو كيميكال وطومسون رويترز وفودافون البرامج التي نفذوها لمكافحة الفقر.
وقالت إدارة التنمية الدولية في بريطانيا في بيان «من المتوقع أن تنقذ المبادرات نحو نصف مليون شخص على مدى السنوات الخمس المقبلة وتوفر آلاف الوظائف وتعود بالنفع على ملايين من الفقراء في افريقيا وآسيا».
وانتقدت جمعية الحرب على العوز الخيرية التي تكافح الفقر الاجتماع ووصفته بأنه «دعاية» واتهمت بعض الشركات المشاركة مثل وول مارت وكوكاكولا بضعف سجلها الخاص بحقوق العمال في افريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.
وقال جون هيلاري المدير التنفيذي للحرب علي العوز في بيان «بدلاً من محاسبة الشركات أتاح جوردون براون لها ان تظهر في صورة حليف في الحرب ضد الفقر. ينبغي أن يعمل رئيس الوزراء على علاج مشاكل الفقر وحقوق الإنسان التي تسببها الشركات لا أن يعطيها دون مقابل».
والاجتماع الذي شارك في استضافته رئيس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي كمال درويش جزء من مساعي الوفاء بأهداف الألفية وتشمل ثمانية إجراءات أقرها المجتمع الدولي في عام 2000 بهدف خفض نسبة الفقر بحلول عام 2015. وقال براون في بيان «ينبغي ان يكون هذا العام عام عمل اذا أردنا الوفاء بالحاجة الملحة للتنمية، سنفشل ما لم نبذل جهدا استثنائيا».
وكان بنك التنمية الآسيوي قد حذر من أن أكثر من مليار آسيوي قد ينزلقون إلى فقر شديد اذا لم تقدم معونات إضافية لمواجهة ارتفاع أسعار المواد الغذائية فيما تتجمع نذر معركة حول من سيمول هذه المعونات الإضافية.
والدعوة إلى أموال لتأمين إمدادات غذائية للقارة الآسيوية حيث يوجد ثلثا فقراء العالم ترافقها مناقشات بشأن هل ينبغي ان تدفع الفاتورة الدول النامية أو الدول السريعة النمو السكاني مثل الصين والهند؟، وهناك توترات أيضا بشأن تحديد المسؤول عن ارتفاع أسعار الغذاء العالمية بأكثر من 40 في المئة في السنة المنتهية في مارس الماضي والتي أدت إلى احتجاجات وأعمال عنف في افريقيا وآسيا.
التكنولوجيا ضرورية لترويض الأسعار
أبرز معرض اغرا الشرق الأوسط للتقنيات الزراعية الذي اختتم أعماله في دبي مؤخرا طرق الزراعة الحديثة التي تستطيع مساعدة دول مجلس التعاون الخليجي على مواجهة الأسعار المرتفعة للمواد الغذائية. وقال خبراء شاركوا في اكبر معرض للأعمال الزراعية في المنطقة إن التكنولوجيا هي أمر أساسي لتحقيق مستقبل مستدام في المنطقة.
وقال إن معرض اغرا الشرق الأوسط ابرز مزايا التطبيقات التكنولوجية الحديثة في القطاع الزراعي بمنطقة الشرق الأوسط مشيرا إلى انه من الضروري تعاون جميع العاملين في هذا القطاع في سبيل تحسين كل ما له علاقة بالثروات الزراعية والحيوانية والسمكية.
وأضاف أن استقطاب الاستثمارات وتبادل الخبرات عوامل أساسية تصب في مصلحة المنتجين والمستهلكين على السواء خاصة في ظل فاتورة الاستيراد الضخمة التي تدفعها دول المنطقة لسد احتياجاتها الغذائية.
وتستورد دول المنطقة مواد غذائية بقيمة 10 مليارات دولار سنويا الأمر الذي يشكل عبئا عليها وعلى أمنها الغذائي. وشهدت أسعار العديد من المواد الغذائية في الأسواق العالمية كالأرز والقمح ومشتقات الألبان وزيت الطهي ارتفاعات قياسية مدفوعة بانخفاض مستويات المحاصيل وارتفاع الطلب العالمي. وتسهم القيود التجارية المحدودة وارتفاع دخل الفرد والطلب المتنامي نتيجة التكاثر السكاني المتواصل في المنطقة في زيادة فرص الأعمال الزراعية في المنطقة.
الأحوال الجوية السيئة تضر بمحصول الذرة الأميركي
أخذت أحوال الطقس السيئة تهدد بإحداث نقص حاد في محصول الذرة الأميركي، هذا العام، وفقاً لمسؤولين اميركيين، الأمر الذي يزيد من مخاطر كبيرة في اسعار المواد الغذائية والطاقة. وقالت صحيفة فاينانشيال تايمز، ان الذرة، المكون الرئيسي في انتاج الإيثانول الأميركي، من المحتمل ان يضيف أي تسارع جديد في اسعارها، الى زيادة مخاوف الكابتول هيل، من ان المساعدات الفيدرالية الى الوقود الحيوي، تزيد ازمة الغذاء سوءا.
وأضافت الصحيفة، ان مسودة مشروع «قانون المزارع»، الذي تجري مفاوضات بشأنه بين الكونغرس، والبيت الأبيض والذي سيحدد السياسات الزراعية للسنوات الخمس المقبلة يحتوي على خفض بسيط في مساعدات الإيثانول، من 51 سنتاً الى 45 سنتاً، كما ان الولايات المتحدة تفرض تعرفة واردات نسبتها 54 سنتاً للغالون، التي تمنع دخول ايثانول قصب السكر الرخيص من البرازيل.
وكان المزارعون اعربوا عن اعتزامهم زراعة 86 مليون فدان فقط من الذرة عام 2008، بانخفاض نسبته 8 في المئة عن العام الماضي، بسبب التكاليف الإنتاجية العالية والعوائد الأفضل للمحاصيل الأخرى. وقد حذر مسؤولون بأن مطر الربيع البارد، الذي غطى كثيراً من الولايات التي تزرع الذرة، قد يؤدي الى مزيد من الانخفاض.
ومن جهة أخرى، ابلغ «جوزيف غلوبر» كبير الاقتصاديين في وزارة الزراعة الأميركية، الكونغرس، الأسبوع الماضي ان اسعار الذرة مرشحة للارتفاع مرة اخرى عام 2008 ـ 2009، قائلاً: ان الطقس البارد الرطب ابطأً العملية الزراعية التي قد تساهم في خفض كبير لزراعة الذرة عام 2008.
واضاف غلوبر، ان الاستخدام الزائد وتدني الإنتاج، ونفاد المخزون، قد تؤدي الى ارتفاع الأسعار، مشيراً الى ان استهلاك الإيثانول يصل الى 24 في المئة من محصول الذرة. وكان مسؤول سابق في الإدارة الأميركية، قال ان 14 في المئة فقط من محصول الذرة، زرع في نهاية ابريل، بدلاً من الثلث كما جرت العادة.
