يشهد سوق المال الإسلامي توسعا سريعا بالرغم من أنه خرج إلى النور منذ فترة وجيزة. ولا ريب أن أحد العوامل المحفزة وراء هذا التوسع هو الحجم الهائل للسيولة المالية المتاحة في منطقة الخليج. وهناك عامل آخر ألا وهو النمو الاقتصادي القوي في دول مثل ماليزيا، وإندونيسيا.

ويؤدي هذا المناخ إلى استحداث مجموعة كبيرة من الأصول القابلة للاستثمار جزء منها إسلامي بالفعل. وفي كلتا المنطقتين من العالم، نلاحظ تحركا تدريجيا باتجاه الاستثمار في الكيانات الإسلامية.

إلا أنه ورغم كل الجهود المبذولة في هذا الإطار، نجد أن هناك ندرة فيما يتعلق بمدى توافر المنتجات عالية الجودة المطابقة للشريعة الإسلامية. والواقع أنه في قطاع الاستثمار البديل، يكاد السوق يخلو من منتجات بهذا الشكل، أو أنه لا توجد منتجات مثل هذه على الإطلاق.

ومن الأرجح أن صناعة الاستثمار في القطاع الإسلامي ستتحرك في نفس الاتجاه الذي يتحرك فيه القطاع التقليدي والذي شهد نقلة باتجاه الاستثمار في الأصول البديلة نظرا للرغبة في خلق عوائد أعلى وأسهل في التنبؤ بها. وسينطبق ذلك أيضا على القطاع الإسلامي.

ومن المحتمل، على مدار السنوات الثلاثة المقبلة، أن يتم الاستثمار في سوق صناديق التحوط الإسلامية بمبلغ يصل إلى 90 مليار دولار أميركي. ومع أن هذا الرقم لا يزال محدود نسبيا مقارنة بقطاع الاستثمار البديل التقليدي، إلا أنه كبير بالقدر الكافي الذي يجعل حتى من أي سهم صغير ثروة تستحق الامتلاك.

ومن الأسباب وراء ندرة الصناديق الإسلامية البديلة هي أنها تستهلك الوقت ومن الصعب تدشينها. فصندوق التحوط التقليدي يستغرق في المتوسط عام ونصف العام للتحول من كونه محض فكرة إلى واقع بالأسواق. وفي المقابل، نجد أن أي صندوق ملتزم بالشريعة الإسلامية يتطلب ما لا يقل عن ثلاث سنوات لتدشينه.

ويواجه الصندوق الإسلامي معوقات لا تعاني منها صناديق التحوط التقليدية - خاصة فيما يتعلق بإنشاء ورقة مالية مطابقة للشريعة والحصول على موافقة عليها من قبل علماء الشريعة. وهذا أمر يستغرق وقتا وصبرا، خاصة فيما يتعلق بتدشين شيء جديد لم يختبر من قبل.

إن استحداث أي استثمار بديل من أي نوع مطابق للشريعة هو في حد ذاته أول عقبة. والعقبة الثانية هي استقطاب مديرين على مستوى عالي من الكفاءة مع الوضع في الاعتبار أن الكثير منهم يحبطون نظرا للقيود التي يشعرون أنهم سيواجهونها. وتتمثل العقبة الثالثة في إدارة كل شيء بشكل فعال غير مكلف بما يتفادى خلق أية تكاليف إضافية مستمرة للصندوق، وضمان أن إدارته لن تتجاوز على صعيد التكلفة إدارة الصندوق التقليدي. ولا شك أن هناك أوجه اختلاف في هيكل التكاليف، ولكن الأثر الصافي ينبغي أن يكون متساويا بصفة عامة. وهذا أمر ضروري لطمأنة المستثمرين على أن أرباحهم لن تتأثر بالسلب.

إن أول خطوة في مشوار بناء صندوق مطابق للشريعة هو إنشاء لجنة شرعية إشرافية تصدر أحكاما بشأن مشروعية هيكل الصندوق المقترح. ومن المهم أن نفهم أنه لا يوجد مسار واحد للتفكير في الإسلام؛ بل هناك العديد من المذاهب والمدارس.

ومن الأهمية بمكان تشكيل لجنة شرعية إشرافية تغطي أغلب هذه المذاهب المختلفة، وحث أعضائها على التوصل إلى اتفاق من نوع ما. فإن لم تفعل، من الممكن أن تواجه تحديات في منطقة الخليج، أو حتى في ماليزيا. ولا يقل أهمية عن ذلك التوصل إلى قرار بالإجماع بدلا من التعويل على أكثرية الأصوات. وفي النهاية، فإن اللجنة بأكملها يجب أن تشعر بالرضى عن القرارات التي تتخذها.

وثمة مشاكل أخرى محددة تتعلق باستراتيجيات خاصة بصناديق التحوط، فعلى سبيل المثال، فإن المضاربة في الأسهم على الصعود والهبوط، وهي إحدى الاستراتيجيات الرئيسية التي تعتمد عليها صناديق التحوط، تغطي ما بين 40% و60% من الاستثمارات في هذا السوق. غير أن المشكلة الأساسية التي تشوب المضاربة على الصعود والهبوط من منظور إسلامي هي أن البيع على المكشوف من منطلق تقليدي ليس مقبولا.

فأولا، ينطوي بيع الأسهم على المكشوف على بيع شيء لا يملكه المرء، وهذا أمر ينافي أحكام الشريعة الإسلامية. وثانيا، عندما يستلم مدير الاستثمار أرباح البيع على المكشوف، فإنها تودع في حساب بالبنك وتحصل على فائدة الأمر الذي يتنافى أيضا مع أحكام الشريعة الإسلامية.

وتكمن الحيلة في ابتكار هيكل جديد يحافظ على اقتصاديات البيع على المكشوف على أن يتجنب هذه المسائل ويحافظ في الوقت نفسه على الصلاحية التجارية للصندوق. إن الأمر يستحيل أن يكون مقبولا من منظور الشريعة الإسلامية: فهو ينطوي على تلاقي كل الجوانب.

عند إنشاء صندوق صناديق (وهو صندوق استثماري يتبع استراتيجية تعتمد على تنوع المحافظ الاستثمارية وتعدد الأصول) يلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية، فإن الاختبار الحقيقي للمدير المسؤول عن الاستثمار لا ينطوي على ما إذا كان على استعداد للمحاولة؛ بل ما إذا كان قادرا على تحقيق أرباح.

وفضلا عن ذلك هناك مسألة أخرى ينبغي لفت الأنظار إليها: لا يتعين على المديرين العمل فحسب في إطار الهيكل المسموح به، ولكن يجب أيضا أن يكون كبار الوسطاء قادرين على تنفيذه. ونشير هنا إلى أن أغلب الوثائق القانونية في قطاع صناديق التحوط التقليدية تم تطويرها على مدار العشرين عاما الماضية، وأغلبها غير مقبولة في إطار الشريعة الإسلامية. وهذا يعني أن الأمر سينطوي على جهد جهيد مع كبار الوسطاء، وإعادة هندسة أنظمتهم، وإعادة صياغة الوثائق القانونية.

وإذا ألقينا نظرة على الإجراءات المختلفة التي يجب أن يتخذها المديرون عند التعاطي مع صندوق صناديق إسلامي متعدد الأصول، نجد أولا أنه من غير الممكن أن يستثمر الصندوق المطابق للشريعة في الصناديق التقليدية للمديرين؛ لأن هذه الصناديق ستشتمل على عدد من الاستثمارات التي لا تقبل بها الشريعة الإسلامية.

والواقع أن المديرين القائمين على إدارة الصندوق لا يسعهم سوى إدارة حساب واحد مخصص، فهم يقدمون خبراتهم في مجال الاستثمار، وفي النهاية، يبسط هذا الحساب الأمور؛ لأنه لا يُطلب إليهم إدارة صندوق بأكمله.

إن الأمر التالي الذي يجب أن يضعوه نصب أعينهم هو أن كل استثمار يجب التحقق منه على خلفية نظام تدقيق مطابق لأحكام الشريعة، وكل استثمار يجب أن يخضع للتمحيص للتأكد من مطابقته معايير الصناديق الإسلامية.

وهذا أمر من الممكن أن يمثل عنصر إحباط لبعض المديرين. ومن منظور صندوق صناديق إسلامي متنوع الأصول، فإن أفضل المديرين على الأرجح هم الذي يسعون لشراء الأوراق المالية بأسعار منخفضة ترقبا لارتفاع قيمتها وبيعها بأسعار أعلى ويديرون محافظ استثمارية مكدسة.

هذا النوع من المديرين هم أفضل من يتولى العمل في مجال الاستثمارات المتفقة مع الشريعة، حيث يحد فضاء الاستثمار معايير الشريعة الإسلامية، والمديرون بحاجة للنظر إلى الأسهم بشكل جوهري أكثر من ذي قبل.

ومن بين الانتقادات التي انهالت على الصناديق المطابقة للشريعة أنه إذا كان مجال الاستثمار محدودا، فلا مناص من قصور العائد أيضا.

ومن حسن الطالع أن هذا ليس صحيحا. فالكثير من الدراسات الأكاديمية أثبت أنه إذا اختار المديرين من بين مجموعة أقل من الأسهم؛ فلن تقل الأرباح، بيد أن مستوى التقلب سيزيد بعض الشيء. وحتى هذه الزيادة، من الممكن أن تكون هامشية إذا كان فضاء أرقام الأسهم المرتقبة يقدر بالآلاف لا بالمئات.

وهناك أيضا مسألة عدد المديرين القائمين على الصندوق. فمن المرتقب أن تخضع صناديق الصناديق متنوعة الأصول المطابقة للشريعة الإسلامية لإدارة عدد أقل من المديرين مقارنة بصناديق الصناديق متنوعة الأصول التقليدية، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى أن عدد المديرين القادرين على الوفاء بمعايير الصناديق المطابقة للشريعة قليل في حد ذاته.

ويزعم البعض أن صندوق الصناديق متنوع الأصول الحقيقي يحتاج إلى عدد كبير من المديرين المسؤولين كي يتمتع بميزة التنوع. ولكن، وجد أن الدراسات الأكاديمية الواحدة تلو الأخرى أثبتت أنك تستطيع أن تجني 80% من عائد التنويع في وجود خمسة مديرين فقط.

وأخيرا، فإن تسويق منتج مطابق لأحكام الشريعة الإسلامية في حد ذاته أمر مختلف، حيث ينطوي جوهر ممارسة الأعمال في العالم الإسلامي على بناء العلاقات. فالمرء يحتاج لإنفاق الوقت والجهد كي يتعرف على العملاء ويعي مجالات عملهم. وهذا يمكن أن يعني تمضية وقت طويل بالمنطقة، وهو ليس بالأمر الشاق بضرورة الحال، ولكنه ليس بالأمر الذي تحتاج إليه عند التعاطي مع صندوق تقليدي.

الشريك والمؤسس لشركة أميري كابيتال