تخلت أسعار النفط في العقود الآجلة عن مكاسبها أمس مع عدم وجود أنباء تدفعها نحو الصعود. وبعد أن ارتفع النفط في أسواق آسيا مقتربا من 115 دولاراً للبرميل مدعوما بخفض الفائدة الأميركية واستمرار إضراب عمال النفط في نيجيريا، تراجع الخام الخفيف في عقود يونيو إلى 46 .113 دولاراً للبرميل دون تغيير عن إغلاق اليوم السابق بعد أن ارتفع في وقت سابق من الجلسة إلى 23 .115 دولاراً للبرميل. وتراجع سعر مزيج برنت في لندن عشرة سنتات إلى 26 .111 دولاراً للبرميل.
لكن في الجانب الآخر قال زعماء نقابيون ان شركة اكسون موبيل فشلت في التوصل لاتفاق مع أكبر نقابة لعمال النفط في نيجيريا لإنهاء إضراب عن العمل بدأ قبل سبعة أيام. وفي وقت سابق قال متحدث باسم شركة النفط الوطنية النيجيرية التي تتوسط في المحادثات إن نقابة بنجاسان وافقت على العودة إلى العمل في الوقت الذي تستمر فيه المحادثات لكن زعماء بالنقابة نفوا أنهم وافقوا على هذا.
وأدى الإضراب إلى وقف إنتاج اكسون موبيل النفطي في نيجيريا والبالغ 800 ألف برميل يوميا مما اضطر الشركة الأميركية يوم الاثنين الماضي إلى إعلان ظروف قاهرة قد تمنع شحناتها من نيجيريا وهو ما يعني أنها قد لا تفي بالتزاماتها المتعاقد عليها مع العملاء.
وقد هبط الخام الأميركي أول من أمس الأربعاء دولارين ليصل إلى أدنى مستوى منذ منتصف ابريل بعد أن أظهرت بيانات الحكومة الأميركية زيادة كبيرة في مخزونات النفط الخام. لكن السوق تمكنت من تقليص خسائرها في وقت متأخر من الجلسة بعد أن خفض البنك المركزي الأميركي أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مؤوية وأشار إلى انه يتوقع مستويات معتدلة للتضخم في إشارة إلى احتمال إجراء المزيد من التخفيضات للفائدة.
وقالت إدارة معلومات الطاقة الأميركية إن مخزونات النفط التجارية في الولايات المتحدة سجلت قفزة بلغت 8 .3 ملايين برميل الأسبوع الماضي فيما كانت التوقعات تشير إلى زيادة لا تتعدى 300 ألف برميل. وأنهى الخام الأميركي الخفيف للعقود تسليم يونيو جلسة تداولات الأربعاء في بورصة نايمكس بنيويورك منخفضا 17 .2 دولار إلى 46 .113 دولاراً للبرميل لكنه تعافى في التعاملات الالكترونية اللاحقة إلى 84 .114 دولاراً.
وفي لندن هبط خام القياس الأوروبي مزيج برنت 47 .1 دولار إلى 96 .111 دولاراً للبرميل قبل ان يقلص خسائره ليغلق على 40 .112 دولاراً. وجاءت خسائر النفط الأخيرة في أعقاب هبوطها بأكثر من 3 دولارات يوم الثلاثاء عندما أدى انتعاش للدولار وانحسار المخاوف من عرقلة إمدادات الخام من نيجيريا وبحر الشمال إلى تهدئة السوق. وكان الخام الأميركي قد سجل مستوى قياسيا مرتفعا جديدا بلغ 93 .119 دولاراً للبرميل يوم الاثنين. ورغم خسائر اليومين السابقين فإن أسعار النفط ما زالت أعلى بحوالي خمس مرات عن مستواها في عام 2002 مدعومة بصعود حاد في الطلب من الصين واقتصادات صاعدة أخرى.
وأظهر تقرير إدارة معلومات الطاقة أيضا انخفاضا قدره 5 .1 مليون برميل في مخزونات البنزين وزيادة قدرها 1 .1 مليون برميل في مخزونات المشتقات الوسيطة التي تشمل زيت التدفئة والديزل.
وأفاد التقرير أن مخزونات الخام الأميركي ارتفعت بأكثر من المتوقع الأسبوع الماضي مع زيادة الواردات واستمرار الطلب الضعيف من المصافي المحلية. وقالت إدارة معلومات الطاقة الأميركية في تقريرها الأسبوعي أن مخزونات الخام التجارية ارتفعت بمقدار 8 .3 ملايين برميل إلى 9 .319 مليون برميل لتكون بذلك أقل بنسبة 8 .4% عن مستواها قبل عام. وكان المحللون قد توقعوا زيادة بمقدار 300 ألف برميل يوميا فقط.
وجاءت الزيادة الكبيرة بشكل مفاجئ مع ارتفاع الواردات بمقدار 174 ألف برميل يوميا إلى 22 .10 ملايين برميل يوميا وتراجع معدل تشغيل المصافي بنسبة 2 .0% لتعمل بنسبة 4 .85% من طاقتها مواصلة تراجعها بسبب أعمال صيانة. وانخفضت مخزونات البنزين التجارية 5 .1 مليون برميل إلى 1 .211 مليون برميل أي بأكثر من مثلي التراجع المتوقع لتكون المخزونات بذلك اقل بنسبة 8 .6% عن
مستواها قبل عام. وزادت مخزونات نواتج التقطير بشكل مفاجئ بمقدار 1ر1 مليون برميل إلى 8 .105 ملايين لتكون بذلك اقل بنسبة 3 .12% عن مستواها قبل عام.
في الأثناء قال شكيب خليل وزير الطاقة الجزائري ورئيس منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك» إن هناك توازنا بين العرض والطلب في سوق النفط العالمية مجددا القول إن الأسعار الحالية المرتفعة ناتجة عن هبوط الدولار بسبب ضعف الاقتصاد الأميركي. ونقلت وكالة الأنباء الجزائرية عن خليل قوله أثناء زيارة إلى تونس إنه لا يوجد أي اختلال بين العرض والطلب في السوق.
وفي أسواق الغاز، قال محللون إن اتجاه الجزائر للتحول إلى عقود قصيرة الأجل لتصدير الغاز من أجل تعزيز أسعاره لن يثير إعجاب الكثيرين في أوروبا المتعطشة للطاقة، ويجعل الكثير من المستهلكين ينظرون بحذر للخطوة، ولكنه رد فعل طبيعي للسوق التي تشهد ارتفاعا مطردا وتمنح الدول المنتجة قوة متزايدة.
ويقول مسؤولون جزائريون كبار إنهم غير راضين عن الأسعار في ظل العقود الحالية طويلة الأجل ولن يوقعوا أي عقود أخرى من هذا النوع تحدوهم الثقة في أن هذه الخطوة لن تضر بالسمعة الراسخة التي اكتسبتها الجزائر كمصدر يعتمد عليه في مجال الطاقة.
وتمد الجزائر أوروبا بخمس وارداتها من الغاز الطبيعي ومعظمها بموجب عقود تصل آجالها إلى 20 عاما. وتتحدث الجزائر بصراحة تامة عن مبررات التحول إلى عقود أقصر أجلا تتراوح بين أربع وخمس سنوات. وقال وزير الطاقة والمناجم ورئيس أوبك شكيب خليل لصحيفة وول ستريت جورنال «بمجرد توقيع عقد طويل الأجل يصبح المنتج في وضع خاسر».
أما في حال إبرام عقد قصير الأجل فإن خليل يتصور نفسه قائلا للعميل «إذا كنت تريد المزيد من الغاز فعليك أن تدفع لي أكثر». وربما لن تدخل هذه الخطة حيز التنفيذ قبل سنوات كما أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان أي منتجين آخرين سيحذون حذو الجزائر فيها ولكنها تعكس سعي المنتجين لتحقيق أكبر مكاسب ممكنة من تصدير الغاز في سوق تعاني من عدم الاستقرار بسبب تقلبات أسعار النفط.
وغالبا ما يجري تسعير الغاز دون أسعار المنتجات النفطية ولكن لان عقود الغاز تسري لفترة طويلة فإنها لم تساير ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية.
وأثار حديث خليل بصراحة الانتباه وان كان الخبراء يقولون انه لا ينبغي اعتبار التحرك مفاجأة تامة. ويقول مايكل كورك من شركة بيرفين اند جيرتز لاستشارات الطاقة «سيكون الأمر مفاجأة لو أن التقلبات الحادة في أسعار النفط التي نراها منذ عام 2004 لم تثر مشاكل».
وأضاف «تقصير آجال العقود سيكون رد فعل منطقيا على الشكوك الحالية». وتتضمن العقود طويلة الأجل فقرات تسمح بتعديلات دورية في الأسعار ولكن عدم الاتفاق على هذه التعديلات يؤدي إلى إحالة النزاعات إلى عمليات تحكيم طويلة ومكلفة.
أما في ظل عقد قصير الأجل فإن البائع سيكون حرا في السعي للحصول على سعر أفضل في مكان آخر ويقول جوناثان ستيرن من معهد اكسفورد لدراسات الطاقة «بشكل ما هذه حيلة تكتيكية لكي يقولوا للأوروبيين، إذا كنتم لا تريدون دفع القيمة الكاملة للغاز فسنتحول إلى العقود قصيرة الأجل وعندئذ سنذهب إلى صاحب أعلى سعر عندما ينتهي اجل هذه العقود». ومضى قائلا: «هذا يتعارض تمام مع الحديث الأوروبي التقليدي عن الغاز.
حيث يتحدث الناس بلا كلل أو ملل عن أهمية العقود طويلة الأجل ومدى أهمية هذه العقود لتأمين الإمدادات. أعتقد أن ما يريدون قوله أيضا هو إننا سنرفع طاقة تسييل الغاز إلى الحد الأقصى وربما نتوقف عن تصدير الغاز الطبيعي إذا كان بوسعنا الحصول على عائد أعلى على صادرات الغاز الطبيعي المسال».
وتقول الجزائر التي تصدر الغاز عبر خطوط الأنابيب بالإضافة إلى تصدير الغاز المسال في ناقلات الغاز إنها لا تدعو لقطع الصادرات عن المستهلكين. ولكنها تبحث مع منتجين آخرين ما ينبغي عمله للتقريب بين أسعار الغاز وأسعار النفط. ويقول منتدى الدول المصدرة للغاز انه سيعيد تقييم نظام تسعير الغاز في إطار إجراءات للاقتراب من نظام أوبك. والجزائر عضو في أوبك وفي منتدى الدول المصدرة للغاز.
وقال خبير امتنع عن الكشف عن اسمه ان الجزائر تتحرك من منطق مصلحتها الخاصة. وأضاف «أسعار الغاز ارتفعت بشدة مع اقتراب أسعار الغاز الطبيعي المسال أكثر فأكثر من أسعار النفط حتى إن بعض الاتفاقات طويلة الأجل التي أبرمتها سوناطراك لنقل الغاز عبر خطوط أنابيب تبدو على الأرجح غير جذابة إلى حد كبير مقارنة مع بعض العقود التي يتم توقيعها حالياً». وتابع «وجهة نظرهم هي أن الأمان الذي تتيحه الاتفاقات طويلة الأجل ليس مطلوبا بنفس القدر اليوم. ويبدو جليا انه ستكون هناك دوما سوق لبيع الغاز».
شح الطاقة يرفع الطلب على الفحم الأميركي
قال تقرير صادر عن «ميريل لينش» إن تكاليف النقل تركت أسواق الفحم في شرقي الولايات المتحدة معزولة عن الأسواق العالمية لسنوات. ففي الفترة الأخيرة، بدا الفحم الأميركي ذو الجودة العالية أكثر جاذبية للمستهلكين الآسيويين والأوروبيين بفضل الفورة في أسعار الفحم العالمية وضعف الدولار الأميركي. كما ان الأوروبيين يفضلون استعمال الفحم الحراري الأميركي، الذي يحتوي على انبعاثات أقل من فحم جنوبي افريقيا.
يضاف إلى ذلك، ان الفحم العالي الجودة «الأبالاشي» أصبح يشكل الإمداد الهامشي في الأسواق الآسيوية. ثم ان الفجوة الواسعة بين أسعار الفحم الأميركي والأوروبي أسفرت عن عمليات شراء البضاعة في سوق وبيعها بربح في سوق أخرى أو ما يعرف بـ «الفرشخة» في أواخر 2007. وأخيراً انه رغم ارتفاع الأسعار التي نجمت عن التصدير في الأشهر الأخيرة، أظهرت الفحم الأميركي انه بين أرخص مصادر الطاقة في العالم.
وفي الواقع، فإن الارتفاع في أسعار الفحم الأوروبي لم ينعكس في البدء صعوداً مقابلاً في الولايات المتحدة في منتصف 2007. فالاقتصاد العليل وأسعار الغاز الطبيعي الرخيصة أبقت على طلب الفحم الداخلي في الولايات المتحدة يتراوح في نطاق محدود. غير أنه في نهايات 2007 أخذ الفحم الحراري الأميركي يلحق بأسعار الفحم الدولية.
فمنذ أواخر أكتوبر 2007 إلى يناير 2008، بدأت «الفرشخة» بين الفحم الأميركي والأوروبي، ما دفع إلى زيادة التصدير. وكانت النتيجة، ان حصل شحّ في سوق الفحم في شرقي الولايات المتحدة. ففي 2007، ازدادت صادرات الفحم الحراري 22% بينما نتوقع في هذه السنة ان تزداد بمعدل 30% لتصل الصادرات إلى 35 مليون طن.
هذه الحالة يمكن ان تؤدي إلى مزيد من الشحّ في أسواق الفحم في القسم الشرقي من الولايات المتحدة. وفي الواقع، ان عجز الإنتاج في أوستراليا وافريقيا الجنوبية والى مدى أقل في أندونيسيا جعلت أوروبا تتدافع على طلب الفحم. وهكذا فإن كثيراً من الفحم وجد طريقه الآن إلى الأسواق الأوروبية حيث معدل الطلب يبلغ 380 مليون طن في العام. وأدى ازدياد الصادرات إلى تخفيض مخزون الفحم الذي كان ضخماً في شرقي الولايات المتحدة في 2005 ـ 2006.
وفيما المخزون في غربي الولايات المتحدة بقي هائلاً فقد تدنى في شرقيها إلى مستويات خطرة.
وفي المحصلة، قال التقرير نتوقع ضغطاً صعودياً قوياً على أسعار الفحم الأميركي. ففي الأشهر الأخيرة، ضربت أسعار الفحم الأوروبي تسليم 2009 أرقاماً أساسية بسبب ارتفاع أسعار الشحن وخفض توليد الطاقة النووية وتدني مستويات الطاقة المائية في اسبانيا وسويسرا. يضاف إلى ذلك، ان مخزون الفحم الصيني لا يزال متدنياً جداً والاستيراد يستمر بازدياد، ما أضاف مزيداً من الضغط على أسعار الفحم العالمية.
لا شك، ان الرأي الذي نبديه لا يخلو من المخاطرة، وعلى الخصوص لأن التباطؤ الاقتصادي يمكن ان يكبح جماح الأسعار.
كما ان هناك أخطاراً أخرى تشمل على سبيل المثال، إعلان الصين انها ستزيد انتاجها من الفحم 19% في هذا العام ثم تنامي المعارضة من قبل العديد من المهتمين في البيئة من الشعب الأميركي ضد استعمال الفحم في توليد الطاقة.
