«لا توجد هيئة دولية واحدة معنية بدعم تجارة وصناعة اللؤلؤ، فيما نجد الأمر على خلاف ذلك بالنسبة للذهب الذي يتولى مجلس الذهب العالمي مهمة الدفاع والترويج له، والألماس الذي يعمل مجلس الألماس العالمي على دعمه».. بهذه الكلمات المقتضبة، لخصت جيتي رباني المديرة التنفيذية للأحجار الكريمة واللآليء بمركز دبي للسلع المتعددة في حديثها الخاص مع «البيان الاقتصادي» أحد الأسباب المحفزة على بذل الجهود وإطلاق المبادرات المتنوعة الرامية إلى تتويج دبي كعاصمة للؤلؤ في العالم.

ولا تقتصر هذه المبادرات على إطلاق مشروع «اللآلئ العربية» الذي من المقدر له أن يوفر منصة عالمية لكبار اللاعبين وتجارة الجملة، بل تشتمل كذلك على التخطيط لوضع أطر تنظيمية تضمن شفافية الجودة من خلال وضع مقاييس محلية تلزم تجار التجزئة بالإفصاح عن منشأ وجودة حبات اللؤلؤ، إلى جانب إطلاق حملات لتوعية المستهلكين بأهمية اللؤلؤ مقارنة بأصناف المجوهرات الأخرى.

ولكن يقفز إلى قلب هذه المبادرات، أولوية العمل على تحفيز كبار اللاعبين في تجار اللؤلؤ على القدوم إلى دبي ليتخذونها مقرا لمباشرة أعمالهم، وهو ما يتجلى في إعلان بعض كبار شركات تجارة اللؤلؤ افتتاحها محلات في دبي، وذلك على غرار روبرت فان وميكيموتو وباسبالي.

مشروع «اللآلئ العربية»

وعند سؤالها عن ما إذا كان تتويج دبي كعاصمة للؤلؤ يندرج ضمن أجندة الأعمال الآنية لمركز دبي للسلع المتعددة، أجابت قائلة بأن مشروع «اللآلئ العربية» سيحقق هذا الهدف، حيث ينشد المشروع تحقيق أهداف تتجاوز الإطارين المحلي والإقليمي، عبر إتاحته ساحة يمكن من خلالها التعرف على مختلف جوانب تجارة اللؤلؤ، بأبعادها التاريخية والثقافية والتجارية، من دون أن يكون الأمر قاصرا على منطقة معينة.

وبالتالي، توفر هذه الجزيرة منصة للمنتجين العالميين وتجار الجملة لخلق الوعي بهذه التجارة التي تشكل أحد روافد المواريث الثقافية في منطقة الخليج، فمن المقدر - بحسب أقوال أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة - أن تمثل الجزيرة همزة وصل بين الماضي والحاضر، بحيث يكون في مقدور المرء الذي يسبح بعينيه عبر صفحة مياه الخليج البراقة أن يستلهم من التراث ليبني مستقبلا أكثر إشراقاً.

خبرات متكاملة

وينطلق مشروع «اللآلئ العربية» ـ بحسب أقوال جيتي رباني ـ من تصور عصري وحديث، بحيث يكون أبعد ما يكون عن أن يصبح متحفا بالمعنى التقليدي، وبحيث يتيح الفرصة للزوار والمترددين اكتساب خبرات متكاملة تتنوع ما بين الترفيه والتسوق واكتساب المعرفة، ومن خلال هذا المزيج المتنوع ما بين ما هو ثقافي وترفيهي وتاريخي، سيكون بمقدور الزائرين التعايش مع نمط فريد ومتميز للشراكة بين الإنسان والطبيعة.

وبعد مرور قرابة قرن كامل على مغادرة آخر أسطول لصيد اللآليء عن شواطئ دبي التي كانت ذات مرة مركز اللؤلؤ، أعلن أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة إطلاق مشروع جزيرة «اللآلئ العربية» بهدف إعادة إحياء هذه التجارة العريقة في دبي التي كانت تمثل في الماضي 95% من إجمالي عائدات البلاد وتوفر 80 ألف فرصة»، ومن المخطط، بناء المشروع على إحدى جزر «العالم» قبالة شواطئ إمارة دبي وسيقام المشروع على مساحة ستة آلاف متر مربع في قارة انتاركتيكا، ومن المتوقع انتهاء أعمال بنائه في 2010.

وسيضم المشروع مركزا ثقافيا حول تاريخ صيد وتجارة اللؤلؤ في الخليج ودبي، إضافة إلى صالة للعروض الفنية المتنوعة ومطعم خاص للمأكولات البحرية، كما سيضم سلسلة من أهم المتاجر المتخصصة في بيع اللؤلؤ، كما يسعى مصممو المشروع إلى أن يصبح مركزا عالميا لتجارة اللؤلؤ عبر اجتذاب أهم التجار والموزعين والمصممين.

خصوصية ثقافية

وتحدث أحمد بن سليم عن هذا المشروع قائلا: تنطوي تجارة اللؤلؤ على دلالات ومعان بالغة الخصوصية بالنسبة لحياة الشعوب التي قطنت منطقة الخليج العربي، فمنذ حوالي قرن مضى، كانت هذه التجارة تمثل عصب الحياة بالنسبة لهذه الشعوب.

وتابع حديثه قائلا: هنا في دبي، ومنذ وقت ليس ببعيد، كان غواصو اللؤلؤ يغوصون في أعماق مياه المحيط، ثم يطفون على السطح حاملين في أيديهم محارات تحتوي على كنزهم المدفون، وكان هذا العمل جزءا من أسلوب حياتهم اليومي في الحصول على قوت عيشهم، وبالتالي، يؤشر إطلاق مشروع «اللآلئ العربية» على أن الإمارات تعيد إحياء ذكريات الماضي التي ما زالت واقرة في الأذهان، وهو ما يدل على أن الجيل الحالي يكن كل احترام وتبجيل لمواريث الأجداد، ويمثل ذلك إقرارا بالعرفان لكل ما منحته لنا الطبيعة من جمال، ويعد أيضاً تعبيرا عن حكمة الآباء في قالب عصري وحديث، بحيث يكون بمثابة إعادة إحياء للمواريث التاريخية للمنطقة، بما يحقق صالح أجيال المستقبل.

ردود فعل إيجابية

وقد أحدث مشروع جزيرة «اللآلئ العربية» - بحسب أقوال جيتي رباني ـ ردود فعل ايجابية في أوساط كبار اللاعبين في تجارة وصناعة اللؤلؤ، ونظر الجميع إلى هذه المبادرة على أنها تنطوي على الكثير من المعاني والدلالات، وأبدى كبار اللاعبين استجابات مبهرة، حيث ترسي تجارة اللؤلؤ ارتباطات وعلاقات، ولكنها صارت في الوقت الحاضر مقيدة بشكل كبير، وبالتالي، بات تجار اللؤلؤ يتطلعون إلى مركز آخر جديد لمباشرة أعمالهم، يتخذونه كنقطة انطلاق ووثوب إلى الأسواق الأخرى.

وتابعت جيتي رباني حديثها بقوله: لمست بنفسي خلال المناقشات التي أجريتها، وفي ورش العمل والمؤتمرات التي شاركت فيها، تحمس تجار اللؤلؤ للقدوم إلى دبي، حتى يستطيعوا المشاركة في تأسيس سوق لتجارة اللؤلؤ في هذه البقعة الجغرافية من العالم، وذلك بسبب اقتناعهم الجازم بأن دبي توفر مزايا غير موجودة في أي مكان آخر في العالم، سواء من ناحية تمتعها بموقع إستراتيجي يتيح إمكانية النفاذ إلى الكثير من الأسواق في العالم، إلى جانب تمتعها بمزايا توافر بيئة أعمال مواتية تصل فيها الضرائب إلى مستوى الصفر، فضلا عن السلاسة والسهولة في مباشرة الأعمال.

ويوجد الكثير من المراكز التجارية - والكلام ما زال لها - في الدول المنتجة، ولكن تتوافر في دبي الكثير من المقومات التي تصب في خانة اضطلاعها بدورها الطبيعي في دعم تجارة اللؤلؤ، حيث يروي التاريخ القريب الكثير عن أوجه تميز وتفرد الإمارة في مجال تجارة اللؤلؤ، فهي كانت معروفة حتى نهاية القرن الماضي، باحتضان مناطقها الساحلية بأفضل أنواع اللآليء الطبيعية على مستوى العالم، كما شغلت دبي مكانة المركز التجاري المؤثر والذي كان يرتاد حوانيتها تجار من بومباي وإيران وأوروبا، بل بقيت مهنة الغوص أحد معالم نمط الحياة في المناطق الساحلية للدولة حتى نهاية الأربعينات ومطلع الخمسينات، وبلغت صناعة اللؤلؤ الخليجية ذروة الانتعاش والازدهار بحلول مطلع القرن العشرين.

وتابعت جيتي رباني حديثها بقولها: من خلال عملي في دبي، وحضوري المؤتمرات، يجب الإقرار بأن الناس ليست على دراية بواقع أن اللؤلؤ يشكل جزءا من تاريخ هذه المنطقة، وأنه أحد الروافد الأساسية التي شكلت هويتها الثقافية.

كما أنهم ليسوا على دراية بمدى اعتماد اقتصاديات هذه المنطقة على تجارة اللؤلؤ في مرحلة معينة من تاريخها، وأعتقد أنه أمر رائع أن يعمل مركز دبي للسلع المتعددة على إرساء وترسيخ مكانة دبي كمركز لتجارة اللؤلؤ، ونحن بالتأكيد نعمل على إرساء القواعد التجارية لتجارة اللؤلؤ في دبي، وذلك من خلال العمل على استقدام اللاعبين الدوليين إلى دبي، وتشجيعهم على مباشرة أعمالهم في مجال بيع وشراء اللؤلؤ عبر دبي والتي تزخر بفرص ضخمة.

شفافية الجودة

وردا على سؤال بشأن المبادرات التي يعتزم مركز دبي للسلع المتعددة اتخاذها لتعزيز مكانة دبي كعاصمة للؤلؤ في العالم وذلك على صعيد وضع أطر تنظيمية تكفل شفافية الأسعار، ردت جيتي رباني قائلة: أعتقد أن الشفافية هنا لا تتعلق بالأسعار بقدر تعلقها بفهم جودة اللؤلؤ، وأعتقد أن إحدى المبادرات التي يعكف المركز على إطلاقها هي تطوير مقاييس للسوق المحلية، ومن ثم يكون من المستوجب على التجار أن يستخدموا هذه المعايير في الإفصاح عن جودة اللؤلؤ.

وتابعت حديثها قائلة: في الوقت الحالي، لا يفرق المستهلك العادي بين اللؤلؤ المستخرج من بحر الجنوب واللؤلؤ المستخرج من بحر الصين، وأعتقد أن الكثير من المستهلكين لا يعرفون الفوارق بين الأصناف المختلفة من اللؤلؤ ولا يعرفون سببا أن أحد الأصناف غالي الثمن فيما هناك أصناف أخرى رخيصة. وأعتقد - والكلام مازال لها - أن دورنا يتمثل في ضمان أن يكون المستهلكون على دراية بأصناف حبات اللؤلؤ، ومن ثم يكون في مقدورهم توجيه الأسئلة لتجار التجزئة بشأن مدى جودة حبات اللؤلؤ، ونحن نعتقد أن دورنا هنا هو تعزيز الثقة لدى المستهلك الذي يرغب في شراء اللؤلؤ، وبالتالي تكون مدينة دبي مقصدا للمستهلكين الذين يرغبون في شراء اللؤلؤ بأمان وثقة.

واستدركت جيتي رباني قائلة: سنطلب من تجار التجزئة الإفصاح عن التفاصيل المتعلقة بالجودة والمنشأ وهذا في حد ذاته، سيوفر إطارا تنظيميا يتيح تعزيز عامل الثقة في الثقة.

فضلا عما سبق، يخطط مركز دبي للسلع المتعددة لإطلاق حملات المستهلكين بأهمية اللؤلؤ في المنطقة مقارنة مع المجوهرات الأخرى، وذلك من خلال العمل مع التجار والمنتجين، بيد أنه يقفز إلى قلب هذه المبادرات، مسألة العمل على جذب المزيد من اللاعبين للقدوم إلى السوق، ونحن بالفعل شهدنا تدفقا للعلامات التجارية الدولية لتؤسس تواجدا لها هنا، من جانب قامت باسبالي التي تعد واحدة من أفضل بيوت المجوهرات في العالم والمعروفة بإنتاجها علامات تجارية راقية من مجوهرات لؤلؤ بحر الجنوب، وعلى نفس المنوال، قامت شركة ميكيموتو والمعروفة بالترويج لتشكيلات اللؤلؤ اليابانية بافتتاح متجر لها في مركز موافي.

واختتمت جيتي رباني حديثها قائلة: نحن نشهد قدوم المزيد والمزيد من اللاعبين إلى هنا وصرنا كذلك نرى الكثير من الحملات الترويجية المرتبطة بصيحات الموضة، ونرى أيضاً الكثير من تشكيلات المجوهرات التي تمزج حبات اللؤلؤ مع الأحجار الكريمة الأخرى والمعادن النفيسة.

دبي ـ مجدي عبيد