مع بلوغ أسعار النفط الاسمية مستويات قياسية، وهبوط سعر صرف الدولار ـ العملة الرئيسية لتسعير النفط ـ مقابل العملات الرئيسية الأخرى، عاد الحديث مجدداً لدى بعض الجهات عن سلبيات تسعير النفط بالدولار في الأسواق العالمية، ومطالبة بعض الدول المنتجة باستحداث نظام جديد للتسعير، الأمر الذي جعل السوق النفطية في حالة ترقب لما ستؤول إليه التطورات تجاه تلك المسألة.
ومن الأهمية بمكان التمييز بين نوعين من الانخفاض في قيمة الدولار. النوع الأول يتمثل في الانخفاض الاسمي الناجم عن ارتفاع معدلات التضخم في الولايات المتحدة نسبة إلى الدول الأخرى التي تتعامل معها تجارياً. أما النوع الثاني، فهو الانخفاض في القيمة الحقيقية للدولار، والذي لا يمكن تبريره بالفوارق في معدلات التضخم.
أما على صعيد الأقطار الأعضاء في المنظمة التي شكلت وارداتها من منطقة اليورو نسبة 29% من إجمالي وارداتها العالمية خلال السنوات الأخيرة، فلا ريب أن انخفاض قيمة الدولار مقابل اليورو قد أثر بدرجات متفاوتة على الأقطار الأعضاء بناءً على درجة ارتباطها التجاري مع بلدان تلك المنطقة.
إن الحديث الشائع عن تزايد العائدات المالية لدى الأقطار الأعضاء نتيجة لزيادة أسعار النفط أمر بحاجة إلى مزيد من الإيضاح. فعلى الرغم من ارتفاع أسعار النفط في عام 2007 بنسبة 13% مقارنة مع عام 2006، إلا أن انخفاض سعر صرف الدولار مقابل اليورو والجنيه الإسترليني بنسبة 8%، قد أدى إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد لدى الأقطار الأعضاء حيث يقدر أن حوالي ثلث الزيادة المحققة في العائدات قد ذهبت إلى الدول المستهلكة للنفط، على هيئة زيادة في تكلفة الاستيراد نتيجة انخفاض الدولار.
كما ساهم انخفاض الدولار، من جملة عدة عوامل، في تراجع القوة الشرائية للدول المنتجة للنفط وانخفاض قيمة الاستثمارات العربية في الأسواق الأميركية، التي تمثل حوالي 70% من إجمالي الاستثمارات العربية.
وفي ظل هذه المعطيات، فإن استقراءات المهتمين بالصناعة النفطية حول مستقبل الارتباط بين النفط والدولار قد تباينت بناءً على اتجاهاتهم الفكرية والاقتصادية، وهو أمر ليس بغريب في مسألة تمس عصب الاقتصاد العالمي.
إن إيجاد نظام جديد للتسعير مسألة ذات حساسية بالغة ولا يمكن إقرارها من قبل طرف معين. فالموضوع يعود في المقام الأول إلى الدول المنتجة والمستهلكة التي يتعين عليها أن تتوصل إلى رؤية مشتركة، حول السبل المثلى للتخلص من الآثار السلبية الناجمة عن انخفاض الدولار. والأمر بحاجة كذلك إلى أبحاث علمية متعمقة من قبل المختصين في الاقتصاد والسياسات المالية، حول البدائل المطروحة لاستبدال تسعير النفط بالدولار.
والأمانة العامة، وهي تتابع عن كثب تلك التطورات، تتطلع بأن تنجح مساعي الأقطار الأعضاء في تخطي العواقب السلبية الناجمة عن انخفاض الدولار، وأن تتمكن من إيجاد السبل ووضع السياسات الكفيلة بالمحافظة على القوة الشرائية لإيراداتها البترولية، التي تمثل عصب الحياة الرئيسي لاقتصاداتها، في ظل الظروف المتقلبة التي تمر بها السوق النفطية.