من إحساس عميق بالعجز والتفكك والعبثية، نشأ فيلم «في غياهب الانتظار» للمخرج اللبناني جوني كارليتش عن أهالي المحتجزين في السجون ومعاناتهم للمصالحة مع الغائب ـ الحاضر. صحوة الضمير جاءته مع عدم التمكن من التدخل في مجرى الحوادث، في بلاد تعيش حالاً من اللا استقرار على كافة المستويات.

هذا كله حمل كارليتش الصحافي والمخرج اللبناني، وصاحب فيلم «أكواريوس»، على المضي في تصوير أناس ضائعين، محكومين بالقلق والتعب، يعيش بعضهم منذ عقدين أو ثلاثة حالة انتظار غير انسانية لعودة المفقودين من احبّتهم. أي هؤلاء الذين تم خطفهم بين عامي 1975 و1990، سنين الحرب الاهلية اللبنانية، بقوة سلاح الميليشيات، قبل جرّهم إلى المعتقلات. مذ ذاك، لا يملك من يسأل عنهم الاّ الانتظار، ولا شيء سوى الانتظار، كذلك بضعة أسئلة قليلة، لا أحد يملك الرد عليها سوى الصورة أو المشهد السينمائي. * كيف نشأت فكرة الفيلم؟ ـ كنت أريد فيلماَ وثائقياً يعكس رد فعلي تجاه الظلم ويعوض عن شعور العجز، ويسمح لي بالاعتراض بطريقة سلمية. أردت أيضاً أن أصور هذا الفيلم، لأنه يبدو لي أن هناك تطرقا جزئيا إلى موضوع انتهاك حقوق الإنسان. لا يجب أن نحرم أشخاصاً يتعذبون حق الصورة، وليس لأن هؤلاء لبنانيين أو فلسطينيين أو مصريين أو غيرهم محتجزون تعسفاً في السجون منذ نحو 30 عاماً للبعض.

* في رأيك، لمَ أنت أول من تطرق إلى مسألة المعتقلين؟

ـ لا أظن أنني أول من يتحدث عن ذلك من خلال الوثائقي أو الريبورتاج التلفزيوني، لأن هناك بعض المحاولات قامت بها منظمات غير حكومية أو مؤسسات أو أفراد، وعُرضت في إطار تظاهرات دعم أو رفع التوعية. فلنقل أنني أول من تطرق إلى الموضوع من خلال وثائقي يغلب عليه طابع مهني ومخصص، لينشر تجارياً في شاشات التلفزيون.

* هل قمت بأبحاث قبل التصوير، وهل كان ذلك ممكناً؟

ـ بما أن الموضوع كان مثاراً باستمرار في الصحافة المكتوبة، فقد سهّل ذلك عمل الاعداد، الذي أُجري على الأرض خصوصاً مع جمعية «سوليد» التي تدعم اللبنانيين المحتجزين والمنفيين.

* ما الذي أغضبك أصلاً في قصة الأهالي الذين وضعوا في غياهب الانتظار؟

ـ لا يُمكن الاّ أن تهتم بقصة هؤلاء الأهالي،الذين يعيشون في انتظار ممزِق وفي الغضب والآمال الكاذبة والانكار والنبذ. لم تختف معاناتهم رغم السنين الطويلة. فهي ما زالت حية وبادية على أجسامهم وأصواتهم وأرواحهم. بأي حق تحرم أم ويحرم أب من ابنه وشقيقه وأقاربه، من دون حق أن يزورهم في سجنهم، أو معرفة أخبارهم والاثبات على أنهم لا يزالون على قيد الحياة منذ 15 أو 20 أو 30 عاماً؟ كيف لهم أن يتحمّلوا هذا الظلم، علماً أن معظم أقاربهم سجنوا خلال الحرب،في حين لم يكونوا الا مدنيين.

* هل كانت هناك عملية تثبيت ثقة متبادلة طويلة بينك وبين شخصياتك؟

ـ لم يطل الأمر بهؤلاء الذين يقيمون اعتصاماً دائماً في خيمة صغيرة قبالة مبنى «الأسكوا» التابع للأمم المتحدة في وسط بيروت، منذ شهر إبريل 2005 حتى منحوني ثقتهم، إذ اعتبروني شخصاً من «الخارج» يهتم بقضيتهم من دون أفكار مسبقة أو خلفية سياسية.

* هل تعتبر هذا الفيلم وثائقياً مناضلاً؟

ـ مناضلاً.. نعم، ولكن ليس في المعنى الذي يوحي به هذا الوثائقي فحسب. منذ العام 2002، عندما أنجزت أول فيلم قصير خيالي لي وعنوانه «أكواريوس»، بموازنة ضئيلة، أناضل من أجل سينما محترفة ومستقلة. «الرسول الثامن»، ثم «في يوم من تموز»، «ضاحية بيروت الجنوبية»، والآن هذا الوثائقي، هذا كله يعكس رغبة في عدم الالتزام بالمعايير المنصوص عليها، التي كثيراً ما تأتي على شكل ورقة طلب من 20 صفحة، عليك أن تملأ 10 نسخ منها، لحصول مساعدة على كتابة السيناريو أو المشاركة في ورش كتابة اكزوتيكية من أجل الحصول على إنتاج مشترك مطموع فيه، بشرط التملق من الناحية الايديولوجية والتبخير ثقافياً.

لذا أناضل على طريقتي القاسية والوحيدة، وأظن أنني أدفع ثمن ذلك. فبعد نحو 8 أشهر، أحاول بلا جدوى أن أضع فيلمي في دائرة نشر، ولكنه يُرفض ويهمَش ليس لأسباب سياسية فحسب، بل لسبب أخطر وهو أنني لا أدخل في إطار النظام الاقتصادي الدولي للإنتاج. والمقصود هو الآتي: إذا كنتم تظنون أنتم السينمائيون المستقلون، أننا سنجعلكم تتوصلون إلى شبكات التوزيع والنشر الخاصة بنا، في حين أنكم بمئات الدولارات تنفذون أعمالاً، كنا لننتجها ببضعة عشرات آلاف الدولارات، فأنتم مخطئون!.

ضد التسييس

يقول جوني كارليتش :» إن المعالجة التقليدية والكلاسيكية لهذا النوع من المواضيع، تكمن في التطرق اليها عن طريق مقابلات مع محتجزين سابقين ومشاهد مسروقة للسجون واعترافات شرطيين سابقين أو ما شابه، وأحاديث خبراء في السياسة أو حقوق الإنسان مع موسيقى صادمة. أقر أن هذا الاسلوب فعال، ولكن الرائج هو تسييس المعالجة. أما أنا، فلم «أسيس» موضوعي، بل حرصت على أن أنجز «فعلاً سياسياً» بامتياز: إظهار معاناة أشخاص بسبب تعسف الظلم».

بيروت ـ هوفيك حبشيان