جاءت تقنية الديجتيال الرخيصة والسريعة والمذهلة لتغير كثيراً من آليات العمل السينمائي، وتفرض سطوتها من خلال التليفزيون، لنراها سيدة الموقف لاسيما في دول الخليج التي لاتزال صناعة السينما فيها في بدايتها.
وأصبح الفيلم بهذه التقنية ومن خلال شاشة التليفزيون أكثر قدرة على الوصول لشريحة كبيرة من المشاهدين، ودعم الموقف إقبال بعض القنوات الفضائية على الدخول في إنتاج تلك الأفلام، ما ساهم في ثرائها من حيث اختيار أفكار الموضوعات المطروحة أو توفير مختلف العوامل الفنية ليخرج العمل بمواصفات سينمائية. «جمعة والبحر» فيلم تم تنفيذه سينمائياً بتقنية الديجيتال وعرض خارج المسابقة في مهرجان الخليج السينمائي، إنتاج تليفزيون الشارقة وإخراج هاني الشيباني الذي قدم منذ ثلاث سنوات فيلم «حلم» أول عمل سينمائي إماراتي عرضته صالات السينما المحلية. الفيلم ينقل بحرفية عالية صورة المجتمع الإماراتي في فترة مضت، يجسد مفردات حياة بدأت تنقرض ويجب ألا تغيب عن عيون وعقول أبناء هذا الوطن، فمن لا ماض له لا حاضر له، أو بمعنى آخر حاضره ممسوخ بلا روح أو بصمة تؤكد كم المعاناة والألم التي دفعته للتغير والتطور الموجود حاليا والمذهل في كثير من الأحيان .
ومن الملاحظ اليوم أن غالبية أفلام الشباب في الخليج، تهرب من المدن الحديثة إلى القرية التقليدية والسبب يعود إما للتكلفة المالية الضعيفة والمتاحة لهذه الأعمال، أو احتفاء بالتراث والحنين للماضي، وفي كلا الحالتين يجب ألا يغيب عن أذهان الجميع التغير الشامل معماريا وحياتيا بزاوية 360 درجة، ومن ثم مطلوب فنيا وثقافيا التكريس لهذا الماضي قبل أن يندثر ويموت تحت عجلات الحداثة وتكنولوجيا المدنية.
أما من الناحية المادية، فلا يعني الاستسهال في الإنتاج ألا يراعي في هذه الأفلام الدقة والتأثير، خصوصا عندما يتم تناول فكرة لا تحتاج إلى الاستعجال، بل من الضروري أن تكون مدروسة ومخطط لها، فهذه الأعمال هي بالفعل وثيقة ستبقى شاهد عيان لمرحلة من المؤكد في طريقها إلى الزوال.
فيلم «جمعة والبحر» قدم أشياء كثيرة ونبش في تفاصيل العادات والتقاليد، ونقل صورة رائعة لبيئة لم تعد موجودة، ومطلوب من الخليجيين البحث عنها ونقلها للأجيال الحالية، لأن الصورة الإعلامية للخليج حاليا مفصولة تماما عن الماضي ومغايرة لمراحل صعبة عاشتها الأجيال الماضية.
يتناول الفيلم صراعاً بين عالمين، عالم جمعة «الأب»، السماك الذي يستعين بقارب صغير ليس به أي مقومات تكنولوجية وآلية تسهل له رحلة الاصطياد لجلب لقمة العيش، وعالم راشد «الابن» الذي يرفض واقع والده المعاش ويستعجل الانتقال لعالم الثراء والبحث عن مغريات الحياة ويجد ضالته في الجيش، مزج الفيلم بين الحكايتين بطريقة الفلاش باك، من خلال رسالة تصل إلى راشد من أخيه الصغير «علي» وفي ليلة واحدة مدتها 70 دقيقة ـ هي مدة الفيلم على شاشة العرض ـ نغوص مع تفاصيل زمن يأخذنا الحنين إليه، أجاد هاني الشيباني وطاقم عمله في نقل مفرداته بصورة جميله ستظل محفورة في الوجدان.
البحر بأمواجه المتلاطمة والتي حرص المخرج من تيترات الفيلم على خلفية سوداء، أن يعتمد على الأذن قبل العين ليسحبنا إلى عالمة، البيوت المتلاصقة وما فيها من شظف الحياة، البراجيل التي كانت بديلا عن مكيفات الهواء، الفنر الذي أضفى بأضوائه زخما فأغنى عن بهرجة الكهرباء، النساء.
وهي تجلس على شاطئ الخليج تغسل دون ضجيج للغسالات الأوتوماتيك، الحقائب المدرسية المصنوعة من القماش، الشوارع والمقاهي والسوق الصغير وجلسات السمر على أسطح المنازل، حميمية العلاقة التي أصبحت مفقودة الآن، فهناك الصديق الذي يتولى رعاية أبناء صديقه أثناء عمله في صيد السمك مراعاة للصداقة ولوفاة زوجة صديقه، مجموعة الأصدقاء الذين ينشغلون بالبحث عن «راشد» بعد اختفائه، الجارة التي تقدم الطعام لجمعة وابنه وتعرض تولي شؤون البيت في فترة غيابه وذهابه لرحلة الصيد.
بلاشك هناك عناصر عديدة ساعدت على ظهور فيلم «جمعة والبحر» بمستوى فني وتقني عال، منها النص الأدبي لعلي خميس محمد والسيناريو الذي كتبه ببراعة يوسف إبراهيم صاحب هاني في أعمال سابقة منها فيلمه الروائي الأول «حلم»، مرعي الحليان الذي قام بدور جمعة واستطاع بتكوينه الجسماني ومقدرته كممثل أن يشدنا إلى عالم الصياد المتفاني في الحصول على لقمة العيش، والراغب في تغيير مستقبل أولاده إلى الأفضل، فرغم ضيق الحال يصر على تعليمهم، ومن مشاهده الرائعة فجيعته في اختفاء ابنه راشد وتداعي ذكرياته لفقدان زوجته التي ماتت وبحثه فيما تركته من مقتنيات وملابس وتلمسه تلك الأشياء وانعكاس ذلك على تعابير وجهه.
وعلاقته بالبحر الذي يشده في أصعب المواقف ليرمي بجسده داخله عائما أو تاركا نفسه ليحتويه البحر في أحضانه في لقطات مزجت الموسيقي بتعبيرات الآسي التي اكتست ملامح ردود فعله، حتى في انكساراته نجح مرعي في التعبير عن جمعة السماك الذي ينظر دائما إلى الأسفل، في مقابل أن ينشأ أبناؤه ينظرون إلى أعلى مثل جدهم البحار الذي يتلمس من مواقع النجوم مسارا لمركبته المختلفة شكلا ومضمونا عن قاربه الصغير.
ومن الأمور الأخرى الفنية التي تركت تأثيرا على الفيلم الموسيقي لحاتم صلاح وتوظيفها بذكاء حتى لا تعلو على جماليات الصورة وأداء الممثلين، وكذلك المؤثرات الصوتية للخلفيات من أمواج البحر وهمهمات الناس وانطلاق الطلبة في فسحة المدرسة وخطوات جمعة على الرمال والتي تشعرك بتحرك دائم للأحداث.
كما نجح المصور أحمد حسن في صنع لقطات سينمائية بتقنية الديجيتال، كانت معظمها تبدأ من كادر عام مليء بالتفاصيل إلى كادر خاص تتحرك فيه الكاميرا بوعي تعبيرا عن جمل الحوار المكتوبة، وبحرفية عالية جاءت مشاهد الليل أفضل لتعكس الفراغ الذي يعيشه أفراد الجيش على الحدود، وخصوصا مشهد حوار الجندي مع الكلب على شاطئ الخليج، وتباين الإضاءة مع السواد دون طمس ملامح ما يريد تأكيده، وظهر ذلك في مشهد جمعة وابنه الصغير عندما ذهبا للبحث عن راشد في منطقة «سكة الحيل» والتي يعشش فيها الشباب الباحث عن الملذات وشرب الخمر والمخدرات.
كذلك فاجأني مونتاج هاني الشيباني في طريقة قطع المشاهد وانتقالها الزمني، ومراعاة أن تظهر اللقطات وحركة الكاميرا بزوايا مختلفة تماما عن استخدامها في الدراما التليفزيونية، كما جاءت حساسية مشاهد البحر لتكرس لحجم معاناة جمعة.
من المؤكد أن هناك تفاصيل أخرى كان من الممكن أن تترك أثراً أعمق لو صاحبها بعض التأني والتركيز منها مشهد المواجهة بين جمعة وابنه راشد بعد عودته من رحلة الاختفاء، وهذا المشهد هو «مستر سين» ـ مشهد رئيسي، جاء ضعيفا باهتا ثابتا في حركة الكاميرا وحركة الممثلين، رغم التمهيد الذكي والحاد له، وجعل المشاهد مستفزا لموقف الأب وجمل حوار الابن التي صاحبها برود غريب.
هناك أيضا مشهد يحتاج إلى إعادة ترتيب لظهور الابن بعد اختفائه ليبرر لابنة الجار سبب رغبته في الرحيل، فطريقة الفلاش باك «لخبطت» التتابع الزمني للاختفاء وللظهور المفاجئ ثم العودة للاختفاء مرة أخرى. مما لاشك فيه أن فيلم «جمعة والبحر» يعد نقلة نوعية لهاني الشيباني وطاقم عمله بعد توقف ثلاث سنوات من آخر عمل قدمه «حلم».
ومن الضروري القول إنه استفاد كثيرا من أخطاء أول تجربة روائية وظهر ذلك بشكل شامل على كل تفاصيل تجربته الجديدة، التي وضح فيها بأسلوب جدي الإصرار على تطوير ثقافته البصرية عمليا وفنيا، ليصبح بحق أحد المميزين فعلا في التعاطي مع الدراما البصرية التي جمعت بين تقنية الديجيتال وفنون السينما، والتي تستقي من الواقع خصوصيته وتداخله مع البيئة المحلية كما تحمل في نسيجها حالات درامية وقصص إنسانية تتراوح بين الألم المهمش أو المنسي وبين العلاقات البشرية المشغولة بطيبتها وعفويتها وحلمها لغد أفضل.
جمعة والبحر
قصة علي خميس محمد، سيناريو وحوار يوسف إبراهيم، مدتة 70 دقيقة، تكلف إنتاجه 70 ألف درهم، تم تصويره في 8 أيام، بطولة الفنانين: مرعي الحليان وسعيد بتيجه ومحمد سلطان وعلي الشالوبي وأشواق وصوغه ومحمد الحمادي وأحمد إبراهيم، موسيقي حاتم صلاح، تصوير أحمد حسن، اخراج هاني الشيباتي، إنتاج تليفزيون الشارقة.
دبي ـ أسامة عسل

