قال محللون إن متاعب الاقتصاد الأميركي بدأت تظهر بقوة في أوساط الأثرياء وتلقي بظلال قاتمة حول مستقبل الثروات. وبدأت الشقوق تزحف أخيرا على سوق القصور المطلة على المحيط والشقق الخاصة الفخمة في فلوريدا إحدى أكثر الولايات مقاومة لانهيار قطاع الإسكان بالولايات المتحدة. وفي حين يروج بيع العقارات الفاخرة بفضل ضخ الأوروبيين والكنديين عملاتهم القوية في فلوريدا إلا أن الملياردير دونالد ترامب خفض في الآونة الأخيرة سعر بيع قصر في بالم بيتش 20 في المئة.
ويقول بعض مراقبي السوق ان متاعب الإسكان الأميركي قد مست الأثرياء أخيرا. وفي مزاد قريب لعقارات فاخرة في فورت لوديرديل سحب الدلال منزلا تلو الآخر من العملية بعد لحظات من فتح المزاد عندما لم يقدم أحد عرضا. وفتح المزاد على منزل فاخر في وليامز ايلاند تبلغ مساحته 3100 قدم مربعة بسعر خمسة ملايين دولار ثم خفض السعر إلى 5,3 ملايين دولار ثم إلى ثلاثة ملايين دولار ثم 5,2 مليون دولار ثم أغلق المزاد وكل هذا في غضون دقيقة واحدة. وكان المنزل ذاته عرض في السابق بسعر 6,5 ملايين دولار.
وقال جاك وينستون المحلل العقاري لدى جودكين الاستشارية في ميامي «ما عاد هناك الكثير من الحماس أو النشاط في السوق الفاخرة». وبعدما بلغت السوق العقارية المحلية ذروتها قبل عامين قال سماسرة محليون ان العقارات الفاخرة هي الشيء الواحد الذي يدعم سوق الشقق الخاصة في ميامي التي تعد من أكثر الأسواق إفراطا في البناء والأسعار بالولايات المتحدة.
وأيدت أرقام المبيعات من جمعية فلوريدا للعقاريين وجهة النظر هذه. وارتفع متوسط سعر الشقة الخاصة في ميامي ستة بالمئة العام الماضي في حين لوحظ تراجع الأسعار بنسبة 25 في المئة أو أكثر في مناطق أخرى من الولاية وسط أزمة الرهن العقاري الأميركية وزيادة الضرائب العقارية ومشكلات التأمين ضد الاعاصير.
ويوفر ساحل ميامي الواسع على المحيط الأطلسي وخليج بيسكاين آلاف العقارات المطلة على البحر والتي حافظت على قيمتها بشكل أفضل من المنازل والشقق الخاصة الأرخص في الداخل حيث تعصف أزمة نزع الملكية بأصحاب المنازل. وأخيرا تعرضت سوق الشقق الخاصة في ميامي لشهر سيئ في ديسمبر عندما تراجع متوسط السعر عشرة بالمئة.
وقال شاد روفرز رئيس اس.كيه.اي سوثبيز ان مزاد فورت لوديرديل باع «ما يربو على 20» من أكثر من 50 عقارا عرضت للبيع. وتضمن المزاد عقارات تقدر قيمتها بنحو 300 مليون دولار بداية من شقة ذات غرفة نوم واحدة على جزيرة فيشر المترفة قيمتها 45,2 مليون دولار إلى قصور في حدود 15 مليون دولار. وقال روفرز «السوق الفاخرة صامدة، بالتأكيد صححت السوق نفسها منذ ذروة عام 2005. ما نراه هو أن المعروض الساحلي عالي الجودة محتفظ بقيمته». لكن كثيرا من العقارات سحب سريعا من المزاد عندما لم يقدم أحد عرضا.
وفتح المجال أمام مقتنصي الصفقات بأسعار بخسة. وسرعان ما اقتنص رجل منزلين ساحليين في ميامي بيتش أحدهما مقابل 500 ألف دولار والثاني بمليون دولار. وبحسب سجلات المقاطعة بيع المنزلان منتصف عام 2005 بسعر 75,2 مليون دولار ومليوني دولار على الترتيب. وعرض جايدو تيكنر الذي قال انه حضر المزاد بحثا عن ربح ضخم 500 ألف دولار على منزل فاخر من طابقين مساحته أربعة آلاف قدم مربعة «370 مترا مربعا» في وسط مدينة فورت لودرديل كان قد عرض من قبل بسعر ثلاثة ملايين دولار.
وقال عن العرض الذي قبل في المزاد لكنه لا يزال ينتظر موافقة البائع لكونه دون الحد الأدنى «بهذا السعر قد أطير فرحا. سيكون ربحا ضخما جدا». وأضاف «لا أعتقد أن التراجع بلغ مداه بعد ومن ثم ينبغي أن تحصل على صفقة مجزية حقيقية للسماح ببعض الهبوط المتبقي». وهناك علامات على كل من القوة والضعف بالسوق الفاخرة في فلوريدا. ففي بالم بيتش وهي من أغلى المناطق في الولايات المتحدة ارتفع متوسط سعر منزل الأسرة الواحدة إلى 11,5 ملايين دولار في 2007 بزيادة 618 ألف دولار وذلك بحسب تقرير ايفانز الذي يرصد سوق المدينة وينال متابعة واسعة.
وقال دانا كوتش السمسار لدى مجموعة كوركوران ان عقارا على ساحل المحيط لسيدني كيمل قد بيع هذا الشهر مقابل 5,81 مليون دولار وهو المبلغ المطلوب كاملا. ورفض الإفصاح عن هوية المشتري لكن صحيفة محلية قالت انه جون ثورنتون الرئيس السابق لجولدمان ساكس. وأوضح كوتش «كثير من الأشخاص عاينوا المنزل. مالكو فرق رياضية، ورياضيون ورجال صناعة وأمير سعودي قد يكون أعلى سعر بيع لمنزل أسرة واحدة على الساحل الشرقي».
وقد يتجاوزه قصر ترامب في بالم بيتش إذا حصل على السعر الذي طلبه للعقار الذي يغطي مساحة ستة أفدنة «4,2 هكتار» ويشمل 82 ألف قدم مربعة «7600 متر مربع» من الأبنية وواجهة على المحيط الاطلسي بطول 475 قدما «145 مترا». وخفض ترامب السعر المطلوب 25 مليون دولار بعد عامين من عرضه للبيع لكنه لا يزال يريد 100 مليون دولار مقابل القصر الذي اشتراه بسعر 3,43 مليون دولار منذ أربع سنوات.
كما يبلي عقار ضخم آخر هو كانيون رانش ميامي بيتش الذي يضم شققا خاصة ووحدات فندقية على شاطئ المحيط بلاء حسنا قبل أشهر قليلة فقط من اكتماله لكن اريك شيبارد منفذ المشروع قال انه لن يبدأ مشروعا آخر في ميامي في ظل الأوضاع الراهنة للسوق. وقال شيبارد الرئيس التنفيذي لشركة دبليو.اس.جي دفلوبمنت ان 65 وحدة بيعت من أصل 100 وحدة خلال ستة أسابيع من طرحها.
وقال «نحن مسرورون. هناك ثلاثة بالمئة فقط لا يملكون المال لاتمام الصفقة وقد أعدنا بالفعل بيع معظم تلك الوحدات». لكن المحلل وينستون يحذر من كارثة وشيكة عندما تصدر شهادات السكنى لآلاف الشقق الجديدة في ميامي. وقال «ستطل الكارثة برأسها القبيح من منتصف إلى نهاية العام، مع قرب اتمام صفقات الوحدات الأعلى سعرا نعتقد أننا سنبدأ نرى حالات تخلف عن السداد بنسبة 30 إلى 40 في المئة».
المتفائلون بشأن الاقتصاد الأميركي يقرون بالانكماش
قال أكثر المتفائلين بشأن الاقتصاد الأميركي إنه سينكمش لكنه سينتعش بعد فترة من التراجع. وبعدما بات الاقتصاد الأميركي على شفير مرحلة انكماش ان لم يكن دخلها فعلا، يتساءل المحللون عن مدة هذه المرحلة وآفاق النهوض الاقتصادي. ومن النقاط التي يتركز عليها الجدل هو المسار الذي سيتبعه هذا الانكماش الاقتصادي.
ويقول السيناريو الأكثر تفاؤلاً إن مرحلة الانكماش ستشهد فترة أولى يتراجع فيها النمو ويليها انتعاش سريع، فيما تتحدث التوقعات الأكثر تشاؤماً عن فترة انكماش طويلة قبل النهوض. ويتوقع الكثيرون حصول مزيد من التقلبات، مرجحين فترة أولى من الانتعاش تكون قصيرة وتعقبها مرحلة انكماش ثانية. ويبقى السيناريو الأخطر وإنما الأقل احتمالا بنظر المحللين، أن يسجل تراجع في الاقتصاد بدون أمل في الانتعاش على المدى القريب.
واعتبر ايفري شينفلد الخبير الاقتصادي في معهد «سي آي بي سي وورلد ماركتس» أن تخفيض معدلات الفوائد التي قررها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي الأميركي) بالتزامن مع سياسة زيادة النفقات العامة، يفترض أن يجنب البلاد تراجعا اقتصاديا قويا. وقال «من الواضح ان هناك بوادر أزمة طويلة وشديدة، لكنني اعتقد على ضوء حجم الإجراءات المتخذة أننا سنشهد انتعاشا سريعا وسليما نسبياً».
ورجح سيناريو تراجع النمو لفترة قصيرة يليها انتعاش اقتصادي سريع. من جهته، اعتبر ايثن هاريس رئيس قسم الاقتصاد في معهد ليمان براذرز أن السيناريو المرجح هو سيناريو المسار الاقتصادي المتقلب نظراً إلى توزيع شيكات التخفيضات الضريبية الذي سيعطي دفعا آنيا للاقتصاد. وقال إن «الاقتصاد في مرحلة انكماش لكنه سيخرج من المأزق بشكل موقت حين ينتعش إنفاق المستهلكين مع تسديد التخفيضات الضريبية».
وتابع «لكننا نتوقع بعدها العودة في مطلع السنة المقبلة إلى مرحلة من النمو الضعيف أو المنعدم ومن غير المرجح حصول انتعاش حقيقي قبل نهاية 2009». فالتخفيضات الضريبية لن تعالج جذور الأزمة. وقال هاريس إن «عمليات مصادرة المنازل ستتواصل حتى منتصف العام المقبل»، موضحا انه «سيتعين على المصارف معالجة جروحها». كذلك توقع ناريمان بهراوش رئيس قسم الاقتصاد في معهد غلوبال انسايت سيناريو متقلبا يشهد تراجعا في النمو إلى حد يمكن أن يصل إلى 1% في الفصل الثاني من السنة قبل تسجيل انتعاش في النصف الثاني من العام وبعدها «يمكن أن يشهد الوضع تدهورا جديدا في النصف الأول من العام 2009».
ويورد البعض سيناريو مماثلاً مع توقع انكماش أقوى بقليل وفترة انتعاش أطول. وقال بيتر بيريزين من مصرف غولدمان ساكس إن «الأسواق واثقة من أن كل شيء سيعود إلى طبيعته بحلول 2009 وانه سيكون في وسع الاحتياطي الفيدرالي رفع معدلات فوائده خلال السنة».
وتابع «نعتقد أن هذا الاحتمال ضئيل ونتوقع نموا لا يتخطى 1% عام 2009 يترافق مع إبقاء الاحتياطي الفيدرالي على الوضع القائم». ورأى أن أسعار العقارات قد تتراجع بمعدل 25% عن مستوياتها القصوى و«من الصعب في هذه الظروف توقع انتعاش سريع». من جهته، اعتبر الخبير الاقتصادي المستقل نوريال روبيني الذي كان أول من حذر من الانكماش، أن الأزمة قد تتسم بحدة مفاجئة.
وقال «أتوقع انكماشاً طويلاً يستمر 12 شهراً على اقل تقدير أن لم يكن 18 شهرا، ما سيجعل منه احد اخطر الأزمات منذ عقود، لان الظروف الاقتصادية والمالية أسوأ بكثير اليوم» منها عند حصول انكماش اقتصادي سابق في 1991 أو 2001. لكنه استبعد فرضية انهيار كبير وقال انه من غير المرجح على ضوء التدابير السريعة التي اتخذتها السلطات الأميركية «حصول فترة انكماش مطولة لمدة غير محدودة شبيهة بما عرفته اليابان في التسعينات».
