عادت التوترات السياسية ومخاوف الإمداد لتتصدر أبرز العوامل المؤثرة في سير تداولات النفط خلال الأسبوع الماضي، الذي ساد فيه الارتفاع، ووصلت فيه الأسعار إلى أرقام قياسية غير مسبوقة حيث تعدى الخام الخفيف ال119 دولارا منتصف الأسبوع.
وبعد أن سجل تراجعاً طفيفاً يوم الخميس قفز النفط في ختام تداولات الأسبوع أول من أمس الجمعة مرة أخرى بأكثر من دولارين متجاوزا 118 دولارا للبرميل بفعل تعطيلات للمعروض النيجيري وإمدادات بحر الشمال وتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران. وتحدد سعر التسوية لعقود الخام الأميركي الخفيف مرتفعا 46. 2 دولار عند 52. 118 دولارا للبرميل بعدما صعدت في وقت سابق من المعاملات إلى 55. 119 دولارا مقتربة بذلك من ذروتها القياسية 90. 119 دولاراً التي بلغتها يوم الثلاثاء.
وارتفع مزيج برنت في لندن دولارين مسجلا 34. 116 دولاراً للبرميل بعد صعوده في وقت سابق من المعاملات إلى مستوى قياسي جديد عند 56. 117 دولاراً. وقالت البحرية الأميركية أول من أمس الجمعة ان سفينة شحن تستأجرها أطلقت أعيرة تحذيرية على زوارق يشتبه في أنها إيرانية الأمر الذي أبرز التوترات في الخليج مع تصعيد وزارة الدفاع «البنتاجون» تحذيراتها لإيران. وكانت التوترات بين واشنطن والبلد العضو في منظمة أوبك العام الماضي ساعدت على دفع أسعار النفط إلى مرتفعات قياسية.
وصعدت أسعار الخام لأكثر من خمسة أمثالها منذ العام 2002 إذ تواكب الإمدادات بصعوبة إيقاع تزايد الطلب في اقتصادات صاعدة مثل الصين. كما وجد النفط دعما من توقف بعض الإنتاج النيجيري جراء إضراب عمالي وهجمات للمتمردين وتعطيلات نجمت عن إضراب مزمع بمصفاة تكرير في اسكتلندا.
وقال توم بنتز المحلل لدى بي.ان.بي باريبا لعقود السلع الأولية في نيويورك «كل شيء يحدث في وقت واحد ويؤدي هذا بنا إلى الارتفاع ثانية». وقال متمردون نيجيريون إنهم خربوا في ساعة متأخرة من يوم الخميس خط أنابيب لنقل النفط في دلتا النيجر يعود إلى رويال داتش شل. وقالت الشركة التي أوقفت بالفعل إنتاج 169 ألف برميل يوميا من خام بوني الخفيف بعد تعرض خط أنابيب لهجوم هناك قبل أسبوع إنها تقيم حجم الضرر الذي لحق بالخط. وقالت حركة تحرير دلتا النيجر في بيان أرسل بالبريد الالكتروني «نصيحتنا الصريحة لشركات النفط الكبرى ألا يضيعوا وقتهم في إصلاح أي خطوط لأننا سنواصل تخريبها».
وبدأت اكسون موبيل وقف إنتاجها من النفط في نيجيريا بسبب إضراب عمالي وقال عضو في اتحاد العمال انه تم بالفعل وقف إنتاج 200 ألف برميل من النفط. وقال مسؤول من أكسون موبيل طلب عدم نشر اسمه «الشركة بكاملها مضربة. كل الإنتاج من حقول اكسون موبيل في نيجيريا سيتضرر». ودعا اتحاد عمال النفط والغاز في نيجيريا للإضراب الذي يستهدف الإنتاج والصادرات بسبب خلاف عمالي مع وحدة اكسون موبيل في البلاد.
واجتمعت الحكومة النيجيرية مع الأطراف المختصمة يوم الأربعاء وطالبتها باستئناف المفاوضات. لكن رئيس الاتحاد قال إنه لم يتم التوصل إلى اتفاق». واكسون موبيل هي اكبر شركة نفط أجنبية عاملة في نيجيريا ثامن أكبر مصدر للنفط في العالم. وتنتج الشركة 800 ألف برميل يوميا من مشروع مشترك مع الدولة. ونصيب الشركة من الإنتاج نحو 427 ألف برميل يوميا.
وفي بحر الشمال قالت بي.بي إنها بدأت إغلاق خط أنابيب النفط فورتيس التابع لها استعدادا لإضراب مزمع لمدة يومين في مصفاة تكرير رئيسية باسكتلندا مطلع الأسبوع الحالي. وتبلغ سعة خطة فورتيس 700 ألف برميل يوميا وينقل نحو نصف إنتاج بريطانيا في بحر الشمال. وبدأت بي.بي إغلاق خط فورتيس النفطي الرئيسي في بحر الشمال والذي ينقل نحو نصف احتياجات بريطانيا من النفط قبيل إضراب مقرر في مطلع الأسبوع المقبل في مصفاة جرانجماوث في اسكتلندا.
وتمد جرانجماوث الكهرباء إلى مصفاة كينيل القريبة التي تعالج النفط الخام من خط أنابيب فورتيس. وأثار الإعلان عن الإضراب مخاوف من نقص الوقود في اسكتلندا وشمال انجلترا وأدى إلى ارتفاعات حادة في سعر وقود الديزل والبنزين والغاز في بريطانيا. وإغلاق نظامي كينيل وفورتيس يستغرق 24 ساعة ويجب أن يستكمل قبل إغلاق محطة الكهرباء.
وفي إطار المخاوف المتعلقة بالإمداد توقع مستشار بصناعة النفط أن ينخفض إنتاج منظمة أوبك من النفط 100 ألف برميل يوميا في ابريل الجاري مقارنة بالشهر الماضي بسبب انخفاض الإمدادات من العراق وإيران ونيجيريا. وقال كونراد جربر من مؤسسة بترولوجيستكس التي تتابع حركة الناقلات النفطية ان من المتوقع ان تضخ الدول الأعضاء في أوبك وعددها 13 دولة 5. 32 مليون برميل يوميا هذا الشهر بالمقارنة مع 6. 32 مليون برميل يوميا في مارس.
ومع ذلك فقد ظلت أوبك تنتج ما يفوق حدود الإمدادات المتفق عليها خلال الشهر الذي ارتفع فيه سعر النفط إلى مستوى قياسي قرب 120 دولارا للبرميل. وقال جربر «لا يوجد تغيير كبير. جانب كبير من الانخفاض يعود للعراق رغم انه توجد بعض الزيادات هنا وهناك». وتشير تقديرات أبريل إلى أن أعضاء أوبك الملتزمون باتفاقات الإنتاج وهم كل الأعضاء باستثناء العراق يضخون 24. 30 مليون برميل يوميا بينما السقف المستهدف بشكل غير رسمي يبلغ 67. 29 مليون برميل.
وينتج العراق النفط بمعدل 26. 2 مليون برميل يوميا في ابريل انخفاضا من 35. 2 مليون برميل يوميا في مارس بسبب تباطؤ الصادرات. أما إنتاج إيران ثاني أكبر الأعضاء في أوبك إنتاجا فقد انخفض إنتاجها 50 ألف برميل يوميا إلى 15. 4 ملايين برميل يوميا. وانخفض الإنتاج النيجيري 100 ألف برميل يوميا إلى 95. 1 مليون برميل يوميا.
واستقر إنتاج السعودية أكبر دول العالم تصديرا للنفط على 15. 9 ملايين برميل يوميا. وزاد إنتاج الإمارات إلى 55. 2 مليون برميل في اليوم من 49. 2 مليون وإنتاج الجزائر إلى 38. 1 مليون برميل يوميا من 32. 1 مليون.
وكانت أسعار النفط قد تراجعت الخميس حيث أثارت مكاسب في الدولار وزيادة إنتاج الوقود من مصافي تكرير أميركية عمليات بيع لجني الأرباح نزلت بالخام عن ذروته القياسية قرب 120 دولارا للبرميل. ووقع النفط وسائر السلع الأولية المسعرة بالدولار تحت ضغط بعدما أظهرت بيانات تراجعا حادا في طلبات إعانة البطالة الأميركية الأسبوع الماضي مما عزز الدولار أكثر من 1% مقابل سلة عملات رئيسية.
وقال نعمان بركات النائب الأول للرئيس لدى ماكواري فيوتشرز يو.اس.ايه «عمليات البيع الواسعة هذا الصباح نجمت عن تعزز الدولار». وكان تراجع الدولار قد خفض قيمة الأصول المالية الأميركية مما دفع المستثمرين إلى تحويل السيولة تجاه السلع الأولية وهو ما ساعد على ارتفاع سعر الخام إلى أعلى مستوياته على الإطلاق يوم الثلاثاء. كما تعرض النفط للضغط من توقعات ارتفاع إنتاج مصافي التكرير الأميركية من الوقود قبيل موسم الرحلات الصيفية.
وجاء ذلك الانخفاض في أعقاب ارتفاع ملحوظ يوم الأربعاء بعدما أظهرت بيانات للحكومة الأميركية تراجعا أكبر من المتوقع في مخزونات البنزين قبيل موسم الرحلات الصيفية مما أبطل أثر زيادة إمدادات الخام. وقال محلل في مجال عقود السلع الأولية «إجمالا كانت الأرقام مما يدعو للمضاربة على ارتفاع الأسعار. مخزونات البنزين تراجعت أكثر من المتوقع وبخاصة في الساحل الشرقي».
وسجلت عقود البنزين الأميركية مرتفعا قياسيا بعدما أوضحت بيانات الحكومة تراجعا بواقع 2. 3 ملايين برميل في المخزونات الأسبوع الماضي مع تأهب الولايات المتحدة لموسم الرحلات الصيفية. وانخفضت مخزونات نواتج التقطير 4. 1 مليون برميل رغم ارتفاع معدلات تشغيل مصافي التكرير الأميركية 2. 4 نقاط مؤوية. وأظهرت مخزونات النفط الخام زيادة 4. 2 مليون برميل أي مثلي توقعات المحللين فيما يرجع بالأساس إلى مكاسب من الساحل الغربي.
وعبرت الإدارة الأميركية عن قلقها من ارتفاع أسعار النفط الخام والبنزين إلى مستويات قياسية وهو ما يثقل كاهل المستهلكين الذين تعصف بهم بالفعل مشكلات أوسع نطاقا في الاقتصاد الأميركي، لكن منتجي النفط قالوا خلال اجتماع مع المستهلكين في روما إن العالم قد يضطر إلى التعايش مع ارتفاع أسعار الخام إذا كان يريد ضمان الحصول على إمدادات في المستقبل.
وفي ذات الإطار قالت مسؤولة كبيرة بوزارة العدل الأميركية انه لا يوجد دليل يذكر على أن الجريمة المنظمة العالمية تساعد على ارتفاع أسعار النفط رغم استنتاج أميركي بأن مجموعات تسيطر على «مراكز كبيرة» في أسواق الطاقة والمواد الاستراتيجية. وقالت اليس فيشر رئيسة قسم المخالفات الجنائية بالوزارة في مقابلة «لا أعتقد أنك تستطيع الربط مباشرة بين الاثنين». لكنها أضافت أن ثروة المجموعات وانخراطها في أسواق المال العالمية يهددان بتقويض استقرار وشفافية السوق».
وقالت فيشر «يمكنك القول إننا نريد لأسواقنا أن تكون شفافة. نريد لأسواقنا أن تدار من قبل مشاريع مشروعة ومستثمرين شرعيين. وعندما يكون لديك هؤلاء الناس المتورطون في احتيال بملايين الدولارات وأنشطة أخرى غير قانونية ويأتون إلى أسواقنا سواء كانت الطاقة أو أي قطاع أخرى فانه تكون لديهم الفرصة لتهديد استقرار وشفافية تلك الأسواق».
«أرامكو» تزيد أنشطة الحفر
قالت نشرة ميدل ايست ايكونوميك دايجست «ميد» اللندنية نقلا عن مصادر قريبة من شركة أرامكو السعودية ان الشركة المملوكة للدولة تقوم بإعداد خطة لزيادة أعمال الحفر بمقدار الثلث وزيادة الاستثمارات بنسبة 40%. وقالت ميد إن نسخة نهائية من خطة أرامكو التي تمتد من عام 2009 إلى عام 2013 من المتوقع ان يقرها مجلس إدارة الشركة ووزارة البترول بحول منتصف مايو.
وقالت المجلة إن أرامكو ستزيد عدد الآبار المحفورة في أنحاء المملكة إلى 248 مقارنة بالهدف المبدئي 187 بئرا وان الاستثمارات في المشروعات ستزيد إلى 7. 13 مليار دولار من 7. 10 مليارات دولار في الخطة المبدئية. وأضافت ان زيادة أنشطة الحفر سيكون هدفه مواصلة العمل لبلوغ هدف المملكة إنتاج 5. 12 مليون برميل يوميا وهو ما يتوقع الوصول إليه بنهاية عام 2009. وكان وزير البترول السعودي على النعيمي قال إن اكبر دولة في تصدير النفط في العالم لا تعتزم الشروع في توسعات أخرى للطاقة الإنتاجية مع تراجع تنبؤات الطلب على النفط على الأجل الطويل وزيادة إمدادات المعروض من الوقود البديل.
دعم قوي لفرض رسوم على شركات النفط
أعلن باراك أوباما الذي يتنافس على ترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر، انه يؤيد فرض رسوم على أرباح الشركات النفطية في حين سجل سعر البنزين رقماً قياسياً جديداً في الولايات المتحدة. وقالت جمعية السيارات إن معدل سعر البنزين في محطات توزيع الوقود بلغ الجمعة 58. 3 دولارات للجالون الواحد (78. 3 ليترات).
وقال سيناتور ايلينوي خلال مؤتمر صحافي في محطة للوقود في انديانا (شمال)، إن «سعر البنزين يشكل مصدر قلق بالنسبة للأميركيين الأغنياء لكنه مشكلة كبيرة تتحول إلى أزمة بالنسبة لغالبية الأميركيين». وأعرب أوباما عن رغبته في فرض رسم على الأرباح التي تحققها الشركات النفطية. ودعا أيضاً إلى المزيد من الشفافية حول طريقة تحديد الأسعار للمستهلكين.
وذكر بأنه يؤيد خفض الضرائب للطبقات المتوسطة بما يسمح لها بتوفير ما يصل إلى ألف دولار سنوياً، وكذلك تعزيز إجراءات تؤدي إلى وقف هدر الطاقة. وذكر أيضاً بأنه يأمل في تطبيق خطة بقيمة 150 مليون دولار على مدى عشرة أعوام، لتشجيع الطاقات النظيفة والمتجددة. وقال أوباما إن «المرشحين الذين يتمتعون بخبرة طويلة في السياسة في واشنطن، أي منافسي، هم أناس شجعان، لكن مع كل الخبرة التي يحدثوننا عنها، لم ينفذ أي شيء» لتسوية مسألة الطاقة. وأضاف «ماذا قدمت كل هذه الخبرة سوى العمل على اقتراب سعر جالون البنزين من أربعة دولارات».
باكستان والهند تقتربان من صفقة بشأن خط غاز إيراني
قال مراقبون إن الهند وباكستان بحاجة إلى بضعة أيام فحسب لوضع اللمسات الأخيرة على شروط خط أنابيب عبر الحدود لاستيراد الغاز من إيران وذلك عقب محادثات في إسلام اباد نهاية الأسبوع الماضي. وعقد مورلي ديورا وزير النفط الهندي ونظيره الباكستاني خواجة محمد اصف مؤتمرا صحافيا مشتركا بعد مناقشات شملت قضايا من قبيل رسوم النقل والعبور للمشروع الذي شابته توقفات كثيرة.
وقال اصف «اتفقنا على مباديء الاتفاق، العملية بأسرها لن تستغرق وقتا طويلا ربما بضعة أيام أو بضعة أسابيع ويبرم الاتفاق». وأطلق على المشروع الذي تبلغ استثماراته 6. 7 مليارات دولار «خط أنابيب السلام والتقدم»، نظرا للمنافع المتبادلة التي سيجلبها على الهند وباكستان البلدين اللذين خاضا ثلاث حروب منذ فرقهما تقسيم شبه القارة الهندية في العام 1947.
وتأتي الخطوة الجديدة بعد يوم من انضمام الهند إلى باكستان في اتفاق وقع في إسلام اباد مع مسؤولين من أفغانستان وتركمانستان بشأن مشروع آخر بمليارات الدولارات لضخ الغاز عبر خط أنابيب من جبال اسيا الوسطى إلى جنوب القارة. وفي حين من المتوقع بدء بناء مشروع خط أنابيب تركمانستان في 2010 ينتظر الشروع في مد خط الأنابيب من إيران العام القادم وقد يستكمل في 2012.
ويجاهد الخصمان المسلحان نوويا لضمان إمدادات الطاقة في المستقبل من أجل تغذية اقتصاديهما سريعا النمو. وتؤيد الولايات المتحدة مشروع خط أنابيب غاز تركمانستان لكنها حاولت إثناء الهند وباكستان عن أي صفقة مع إيران نظرا لما يشتبه في أنها طموحات طهران لبناء أسلحة نووية. وتقول باكستان وإيران انهما ستمضيان قدما في المشروع حتى إذا خرجت الهند بعدما انسحبت نيودلهي من محادثات ثلاثية منتصف عام 2007 قائلة انها تريد أولا تسوية قضايا مع باكستان.
وينقل خط الأنابيب بادئ الأمر 60 مليون متر مكعب من الغاز يوميا إلى باكستان والهند مناصفة بين البلدين. ثم ترتفع السعة الاستيعابية للخط في وقت لاحق إلى 150 مليون متر مكعب. ولا يوجد تكامل اقتصادي بين البلدين الجارين لكن ثمة اعترافا متناميا بأن تعزيز الروابط التجارية سيؤدي دورا رئيسيا في عملية السلام التي انطلقت عام 2004.
