حثت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة المزارعين والحكومات يوم الأربعاء على ضمان محصول جيد في عام 2008 من أجل تخفيف أزمة الغذاء المتصاعدة وذلك في وقت ارتفعت فيه أسعار الأرز بالولايات المتحدة إلى مستوى قياسي جديد. وأشارت المنظمة إلى أن جزءاً كبيراً من حل أزمة أسعار الغذاء المتفاقمة يتوقف على إنجاح زراعة الحبوب. ويلقي باللوم على عوامل مثل تنامي الطلب على الغذاء من اقتصادات نامية مثل الصين واستخدام محاصيل زراعية في إنتاج الوقود الحيوي وتراجع مخزونات الغذاء العالمية إلى أدنى مستوياتها في 25 عاماً والمضاربات بالسوق في رفع أسعار مواد غذائية أساسية مثل القمح والذرة والأرز لمستويات قياسية.
وأدى ذلك إلى إثارة أعمال شغب في عدد من الدول الإفريقية واندونيسيا وهايتي. وحذرت الفاو من ان 37 دولة تواجه أزمة غذاء لكن مديرها العام جاك ضيوف قال: ان الحلول متاحة. وقال: «ليست هذه مأساة إغريقية ولا يسع البشر فعل شيء. لا.. لدينا القدرة على التأثير على مستقبلنا». وأضاف «أمر جيد ان تساعد المنظمات الدولية الفقراء على الوصول إلى الغذاء، لكننا من جانبنا نحتاج لخوض أهم معركة اليوم وهي ضمان إنجاح محصول عام 2008».
وفي طوكيو قال بيتر ماندلسون مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي ان منظمة التجارة العالمية يجب ان تدفع الدول المنتجة للغذاء إلى الحفاظ على الصادرات لمنع تفاقم أزمة الغذاء العالمية. وحظرت بعض الدول تصدير مواد غذائية أساسية في محاولة لتجنب حدوث نقص لديها. وأوضح «إذا ما قيدنا التجارة فسوف نضيف ببساطة ندرة الغذاء إلى مشاكل نقص الغذاء الكبيرة بالفعل الموجودة في العديد من الدول». وأضاف «منظمة التجارة العالمية تدافع عن التجارة الحرة. وهي بحاجة إلى ممارسة ضغوطها ونفوذها لتقليص الرسوم ومن ثم تشجيع التجارة. يتعين عليها أيضا ان تقف في مواجهة قيود التصدير وضرائب التصدير والتي ستعوق التدفق الحر للتجارة في المواد الغذائية والمنتجات الزراعية».
وارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية في معظم أسيا 68 بالمئة منذ بداية عام 2008. وفي شيكاجو صعدت عقود الأرز غير المقشور تسليم يوليو 3,2 بالمئة اليوم إلى مستوى قياسي بلغ 85,24 دولاراً لكل مئة رطل. وقال كينجي كوباياشي محلل شؤون الحبوب لدى مؤسسة كانيتسو لإدارة الأصول في طوكيو «فرضت بعض الدول المصدرة الرئيسية قيودا على الصادرات .. واتحد هذا مع انخفاض المخزنات العالمية لرفع سعر الأرز».
وحظرت الهند وفيتنام ثاني وثالث أكبر مصدر للأرز في العالم على التوالي في عام 2007 تصدير الأرز في محاولة لكبح جماح الأسعار المحلية. وانتقد البنك الآسيوي للتنمية تلك القيود على الصادرات. وقال ان الحكومات الآسيوية تبالغ في رد فعلها على ارتفاع الأسعار باللجوء إلى إجراءات تقيد حرية السوق.
وقال ضيوف ان منظمة الفاو ومقرها جنيف تحذر من هذا الخطر منذ سنوات. وأضاف «الوضع الذي نحن فيه الآن نتاج سياسات غير مناسبة انتهجت على مدى 20 عاما. في الفترة من 1990 و2000 خفضنا المساعدات الغذائية، بمقدار النصف». وتابع ان الدعم الزراعي السخي في الدول الغنية عطل الزراعة كذلك في الدول النامية مما زاد من حدة المشكلة. وقال «كنا نفتقر لأمرين، الإرادة السياسية والموارد. آمل ان تحقق لنا الأزمة الراهنة الإرادة السياسية والموارد للقيام بذلك».
وقال ماندلسون ان المخاوف بخصوص الغذاء والاضطرابات المالية العالمية تشجع على إحراز تقدم باتجاه التوصل إلى اتفاق في جولة الدوحة من مفاوضات منظمة التجارة العالمية التي تهدف للتوصل إلى اتفاق لتحرير التجارة العالمية. ويتوقع عقد الاجتماع التالي على المستوى الوزاري في مفاوضات جولة الدوحة في أواخر مايو أو في يونيو.
وتكافح أفغانستان وهي بالفعل إحدى أفقر بلدان العالم بشدة ارتفاع أسعار الغذاء. وقال متحدث رسمي ان حكومة الرئيس حامد كرزاي رصدت 50 مليون دولار لشراء مواد غذائية من الدول المجاورة. وقال المتحدث الرئاسي همايون حميد زاده «سنتأكد من ان لدينا مواد غذائية كافية في أسواقنا لكي نتجنب أزمات إنسانية». لكن كثيرا من الأفغان لم تؤثر فيهم تلك التصريحات وحملوا الحكومة مسؤولية ارتفاع الأسعار. وتساءل كمال الدين خان الذي خرج للتسوق في كابول «ماذا يجب علينا ان نأكل. كيف لرجل فقير تحمل نفقات شراء الطعام. كرزاي يجلس في قصره ولا يعرف ماذا يدور بشأن ارتفاع الأسعار».
وفي أمريكا اللاتينية تعهد زعماء أربع دول يسارية بالعمل معا لزراعة مزيد من المحاصيل وألقوا باللائمة على الرأسمالية والمضاربة في ارتفاع الأسعار العالمية. ودشن رؤساء بوليفيا ونيكاراجوا وفنزويلا ونائب رئيس كوبا صندوقا برأسمال 100 مليون دولار لتمويل زراعة محاصيل أساسية مثل الأرز والبقوليات والذرة لتخفيف وطأة الزيادة الحادة في أسعار الحبوب العالمية. وقال الزعماء ان ارتفاع الأسعار نتج إلى حد كبير عن سياسة صناعة وقود الايثانول من الذرة بالولايات المتحدة.
وفي آسيا دعت إندونيسيا الأمم المتحدة إلى اتخاذ إجراءات لمواجهة ارتفاع أسعار السلع الغذائية، وذلك للحيلولة دون حدوث أزمة واسعة النطاق في العالم. وقال سفير إندونيسيا لدى المنظمة الدولية مارتي ناتاليجاوا إن هناك رد فعل تدريجيا حيال ارتفاع أسعار الغذاء العالمية، لكن ليس هناك بعد خطط قصيرة أو طويلة المدى للتعامل مع هذه المسألة. وأضاف «إننا بحاجة لتوجه شامل يتضمن الأمم المتحدة، وأيضا نحن كحكومات يجب أن نأتي بحلول».
وأشار إلى أنه اقترح على الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عقد قمة رفيعة المستوى تتعلق بأزمة الغذاء، مضيفا أنه تلقى تأكيدا على أن الاقتراح سيطرح على أعضاء المنظمة الدولية. غير أن السفير الإندونيسي أقر بأن هناك صعوبة لتحديد موعد هذه القمة نظرا لازدحام جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. واقترح ناتاليجاوا عقد هذه القمة عقب انتهاء اجتماعات الجمعية العامة التي يشارك فيها 192 دولة في مطلع سبتمبر المقبل.
وفي ذات السياق دعت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل المجموعة الدولية إلى اتخاذ تدابير لمواجهة الأزمة الغذائية العالمية من خلال السعي إلى خفض الأسعار. واكدت ميركل في ندوة صحافية في برلين مع الرئيس المصري حسني مبارك، انه «لمن الأهمية بمكان ان تتخذ المجموعة الدولية تدابير لخفض أسعار المواد الغذائية» خصوصا في البلدان النامية. وأضافت ان «هذا الموضوع سيناقش خلال اجتماع منظمة الفاو الذي سيعقد في روما في يونيو، ثم خلال قمة مجموعة الثماني للبلدان الصناعية واليابان في يوليو». واعتبرت ميركل ان ارتفاع أسعار المواد الغذائية يشكل «مشكلة كبرى» لا يمكن تسويتها بسرعة.
ومن جانبها، اعلنت وزيرة التعاون والتنمية هايدميري فيزوريك ـ زويل الافراج عن 10 ملايين يورو اضافية من المساعدات الطارئة، بعد الافراج عن 31 مليونا في مارس وابريل، بالإضافة إلى 32 مليون يورو سنويا مخصصة لبرنامج الغذاء العالمي. ودعا برنامج الغذاء العالمي الأربعاء إلى تعبئة دولية ضد «التسونامي الصامت» الذي تشكله الأزمة الغذائية العالمية والذي يهدد عشرات ملايين الأشخاص الإضافيين بالمجاعة.
«أخبار الساعة»: الأزمة الحالية أكبر تحدٍ يواجه المجتمع الدولي
طالبت نشرة «أخبار الساعة» المجتمع الدولي بضرورة التحرك العاجل على أعلى المستويات وأوسع المجالات من أجل التوصل إلى حلول عاجلة لمواجهة الأزمة الغذائية العالمية، محذرة من أن «أزمة الغذاء» تمثل أكبر تهديد راهن لاستقرار المجتمع الدولي وقد يترتب عليها تغيير جوهري في الدول الفقيرة وقد تمتد تأثيراتها السلبية لتصيب بشكل مباشر الدول المتقدمة. وقالت النشرة التي تصدر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية إن برنامج الأغذية العالمي دعا إلى تعبئة دولية لمواجهة الأزمة الغذائية العالمية التي وصفها بـ «تسونامي صامت».
ورأت النشرة أن هذه التصريحات تؤكد الوضع الخطيرة الناجم عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية الذي يشكل أكبر تحد يواجهه «برنامج الأغذية العالمي منذ إنشائه عام 1963 ووفقا لإحصائيات موثوقة صادرة عن منظمات دولية، فإن نسبة زيادة أسعار المواد الغذائية عالميا تقدر بـ 55 في المئة منذ يونيو 2007 وعلى خلفية هذه التطورات أصبح ملايين الأشخاص الذين لم يكونوا في فئة المعوزين قبل أشهر قليلة يصنفون في هذه الفئة.
ورأت أن هذا الوضع كان مبعث قلاقل اجتماعية في بعض الدول من بينها دول عربية.. وهو ينذر في الوقت نفسه بحصول المزيد من هذه القلاقل في عدد كبير من الدول النامية في حال استمرت هذه الأزمة. وأكدت أن هذا الوضع الخطير يفرض على المجتمع الدولي ضرورة التحرك العاجل من أجل التوصل إلى حلول عاجلة تحول دون تفجر الأوضاع في معظم الدول النامية.
ومن أجل بلورة حلول بعيدة الأمد تكفل توفير الغذاء للجميع باعتباره أحد الحقوق الرئيسية للإنسان. ودعت في هذا السياق إلى ضرورة العمل على إنجاز خطة عمل عاجلة للتعاطي مع هذه الأزمة الخطيرة كونها تتطلب تحركا مدروسا وليس ارتجاليا ومن المؤكد أن المنظمات الدولية المعنية بشكل مباشر بتلك الأزمة، عليها ألا تكتفي فقط بالتحذيرات من الانعكاسات الخطيرة المحتملة لأزمة الجوع بل ينبغي عليها أن تستنفر طاقاتها المادية والبشرية كلها للقيام بدورها المأمول.
وأكدت «أخبار الساعة» أن التعاطي الدولي مع هذه الأزمة غير المسبوقة سيكشف مدى قدرة النظام الدولي وفي القلب منه المنظمات الدولية المسؤولة عن التصدي لمشكلاته الرئيسية من خلال برامج فعلية للحل وليس عبر شعارات فارغة.
